الإسراء · الآية 71

﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

«يَوْمَ نَدْعُو»: الدُّعاءُ يَنقَلِبُ في جِهَتِه

والجَذرُ نَفسُه جَرى قَبلَ أربَعِ آياتٍ في الجِهةِ المُقابِلة: مَن تَدْعُونَ﴾، فقد كانوا هُمُ الدّاعين، وصاروا هُنا المَدعُوّين.

و«يَوْمَ» ظَرفٌ مَنصوبٌ صَدَّرَ الآية، فالكَلامُ مُعَلَّقٌ بِوَقتٍ لا بِحُكم. ولم يوصَفِ اليَومُ ولم يُسَمَّ، وعُرِّفَ بِما يَقَعُ فيه فَحَسب، وهو نِداءٌ يُوَجَّه.

«كُلَّ أُنَاسٍ»: جُموعٌ لا تُسَمّى

وعُدِلَ عن «النّاس» بِأداةِ التَّعريف، وعن «الأُمَم» و«كُلَّ أُمّة»، إلى «كُلَّ أُنَاسٍ»، وهو جَمعٌ مُنَكَّرٌ دَخَلَت عَلَيه «كُلّ».

و«كُلّ» تَستَوعِبُ ما أُضيفَت إلَيه، فإذا كانَ المُضافُ إلَيه نَكِرةً كانَ الاستيعابُ لِلجُموعِ كُلِّها من غَيرِ أن تُعَيَّنَ واحِدةٌ مِنها، فالنِّداءُ يَعُمّ، والمُنادَونَ لا يُسَمَّون، وقد أُخِذَ العُمومُ وتُرِكَ التَّعيين.

«بِإِمَامِهِمْ»: مَوضِعٌ يُملَأُ بِما لَيسَ فيه

وهذا هو المَوضِعُ الذي يُملَأُ في القِراءاتِ بِتَعييناتٍ مُختَلِفة، والآيةُ لا تُعَيِّنُ شَيئاً، فيُقرَأُ فيه الجَذرُ والباءُ والإضافة، ولا يُزادُ عَلَيها.

وأمّا الجَذرُ أ-م-م فأصلٌ مَقصودٌ يَتَجَمَّعُ إلَيه ما يَتبَعُه، ومنه «الأُمّ» لِلأصلِ الذي يُرجَعُ إلَيه، و«أَمَّ القَومَ» إذا تَقَدَّمَهُم فقَصَدوه، و«أَمَّ البَيتَ» إذا قَصَدَه، و«الأَمام» لِما تُوَجَّهُ إلَيه الوُجوه. و«إِمام» على وَزنِ فِعال، وهو ما يُؤتَمُّ بِه، أي ما يُقصَدُ ويُتَّبَعُ ويُقاسُ عَلَيه، فالصّيغةُ تُسَمّي مَوقِعاً وعَلاقة، ولا تُسَمّي شاغِلَ المَوقِع.

وأمّا الباءُ فحَرفُ إلصاقٍ يَصِلُ النِّداءَ بِما يُنادى بِه، كما يُنادى المَرءُ بِعَلامَتِه، فالمَنطوقُ أنَّ النِّداءَ يَقَعُ بِهذا لا بِسِواه، ولَيسَ في الحَرفِ ما يُبَيِّنُ ما هو.

وأمّا الإضافةُ فمُفرَدٌ أُضيفَ إلى ضَميرِ جَماعة: «إِمَامِهِمْ»، فلِكُلِّ جَماعةٍ واحِد، والواحِدُ مَنسوبٌ إلَيهِم هُم. ولم يوصَفْ بِوَصف، ولم يُبَيَّنْ بِبَدَل، ولم تُذكَرْ لَه صِلة، وجاءَ مَعرِفةً بِالإضافةِ وَحدَها، وهي تُعَرِّفُه بِأصحابِه لا بِذاتِه.

فالذي تَدُلُّ عَلَيه الآيةُ أنَّ لِكُلِّ جَماعةٍ ما تَقَدَّمَها فقَصَدَتهُ، وأنَّ النِّداءَ يَومَئذٍ يَقَعُ بِه، وما وَراءَ ذلك مَسكوتٌ عنه، والسُّكوتُ يُقرَأُ سُكوتاً.

«فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ»: فَريقٌ واحِدٌ ولا مُقابِلَ لَه

و«أُوتِيَ» مَبنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، والإيتاءُ مَذكورٌ والمُؤتي غَيرُ مَذكور، فالعِنايةُ مَصروفةٌ إلى الأخذِ لا إلى اليَدِ الدّافِعة.

و«كِتَابَهُ» مُضافٌ إلى صاحِبِه، والكِتابُ ما حُبِسَت فيه مَعانيه بِدِقّةٍ ورُبِطَت فثَبَتَت. و«بِيَمِينِهِ» باءٌ ثانِيةٌ في الآية، وهي هُنا لِلجِهةِ التي بِها التَّناوُل. و ي-م-ن سَرَيانٌ يُمسِكُ ما يَسري فيه ثُمَّ يُبرِزُه، ومنه «اليُمن» لِما يَظهَرُ خَيرُه، و«اليَمين» لِلجِهةِ التي بِها الأخذُ والبَطش.

وهُنا مَوضِعُ الوَقف، فالآيةُ تَذكُرُ هذا الفَريقَ وَحدَه، ولَيسَ في اللَّفظِ «ومَن أُوتِيَ كِتابَه بِشِمالِه»، ولا «ومَن أُوتِيَه من وَراءِ ظَهرِه»، ولا أيُّ جُملةٍ مُقابِلة، وقد بُنِيَ الشَّرطُ ولم يُبنَ ما يُعادِلُه.

وهذا صَمتٌ يُلاحَظُ ولا يُملَأ، ومَن أكمَلَ الجُملةَ الغائِبةَ فقد كَتَبَ كَلاماً لَيسَ في الآية. والآيةُ التّالِيةُ تَتَكَلَّمُ في شَأنٍ آخَر، فلا يُؤخَذُ ما فيها بَدَلاً عن مُقابِلٍ لم يُذكَرْ هُنا.

«فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ»: القِراءةُ فِعلُهُم هُم

وبَعدَ فِعلٍ مَبنِيٍّ لِلمَجهولِ جاءَ فِعلٌ مَبنِيٌّ لِفاعِلِه: «يَقْرَءُونَ»، فقد أُعطُوا ولم يُسَمَّ المُعطي، ثُمَّ قَرَؤوا وسُمِّيَ القارِئ، وتَحَوَّلَ المَفعولُ فاعِلاً في جُملَتَينِ مُتَجاوِرَتَين.

والقِراءةُ ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إطلاقُه صَوتاً، فما كانَ مُتَناثِراً في العُمُرِ يُجمَعُ في مَجلِسٍ واحِدٍ ويُنطَق. وأُسنِدَتِ القِراءةُ إلَيهِم فهُم يَقرَؤونَه، ولم يُجعَلْ مَقروءاً عَلَيهِم، ومَن قَرَأَ صَحيفَتَه بِنَفسِه لم يَحتَجْ إلى مَن يُخبِرُه بِما فيها.

و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيد. وأُفرِدَ الشَّرطُ بِـ«مَنْ» ثُمَّ جُمِعَ الجَوابُ بِـ«أُولَٰئِكَ» و«كِتَابَهُمْ»، فهو واحِدٌ في الشَّرطِ لِأنَّ الأخذَ فَرديّ، وجَماعةٌ في الجَوابِ لِأنَّ الحالَ واحِدة.

«وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا»: أدَقُّ ما يُقاسُ بِه

والفِعلُ مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ ثانِيةً، ولم يُسَمَّ الظّالِمُ لِأنَّه مَنفِيّ. و ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، ومنه «ظَلَمَ الأرضَ» إذا حَفَرَها في غَيرِ مَوضِعِ الحَفر.

و«فَتِيلًا» من ف-ت-ل، وهو لَيُّ الدَّقيقِ بَعضِه على بَعضٍ حتّى يَصيرَ خَيطاً، والفَتيلُ الخَيطُ الرَّقيقُ في شَقِّ النَّواة، واختيرَ أدَقُّ ما يُرى في أصغَرِ ما يُشَقّ.

ومَن نَفى الظُّلمَ في المِقدارِ الأدَقِّ فقد نَفاهُ فيما فَوقَه بِالضَّرورة. والعِبارةُ بِـ«شَيئاً» لا تُسَمّي مِقداراً بِهذه الدِّقّة، لِأنَّ «شَيئاً» مُبهَمٌ و«فَتِيلًا» مَرئِيٌّ يُشارُ إلَيه، والحَدُّ الأدنى إذا أُغلِقَ أُغلِقَ ما وَراءَه.


حَصيلة

يَنقَلِبُ الدُّعاءُ في جِهَتِه، فقد كانوا يَدعونَ فصاروا يُدعَون. والمُنادَونَ «كُلَّ أُنَاسٍ»، وهو عُمومٌ في جَمعٍ مُنَكَّرٍ لا تُسَمّى فيه جَماعة. والنِّداءُ واقِعٌ بِـ«إِمَامِهِمْ»، ولَفظُها من أصلٍ مَقصودٍ يَتَجَمَّعُ إلَيه ما يَتبَعُه، وباؤُها إلصاقٌ يَصِلُ النِّداءَ بِما يُنادى بِه، وإضافَتُها تُعَرِّفُها بِأصحابِها لا بِذاتِها، فهي مُفرَدٌ لِكُلِّ جَماعة، بِلا وَصفٍ ولا بَدَلٍ ولا صِلة. ثُمَّ شَرطٌ واحِد: مَن أُوتِيَ كِتابَه بِيَمينِه، مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فتُصرَفُ العِنايةُ إلى الآخِذ، ولا يَرِدُ لِهذا الشَّرطِ مُقابِلٌ في الآيةِ أصلاً، والصَّمتُ يُلاحَظُ ولا يُملَأ. ثُمَّ يَنقَلِبُ المَفعولُ فاعِلاً، فيَقرَؤونَ صَحيفَتَهُم بِأنفُسِهِم ولا تُقرَأُ عَلَيهِم. ويُختَمُ بِنَفيِ الظُّلمِ عِندَ أدَقِّ ما يُرى، وهو خَيطٌ في شَقِّ نَواة، ومَن أُغلِقَ عَلَيه هذا القَدرُ فقد أُغلِقَ عَلَيه ما فَوقَه.