الانشقاق · الآية 25

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

«إِلَّا»: ثُغرةٌ تُفتَحُ في آخِرِ نَفَسٍ من السّورة

«إلّا» أداةٌ تُخرِجُ من الحُكمِ العامِّ ما يُخالِفُه. وقد جاءَت هُنا في آخِرِ كَلامِ السّورةِ لا في وَسَطِه: خَمسُ آياتٍ في المُغَطّينَ المُوعينَ المُكَذِّبين، ثُمَّ حَرفٌ واحِدٌ يَفتَحُ بابَ الخُروج.

ومَوضِعُ الأداةِ هو الذي يُعطيها ثِقَلَها. لَو تَقَدَّمَتِ الآيةُ لَصارَ التَّبشيرُ ذَيلاً لِلاستِثناء، فلَمّا تَأَخَّرَت صارَ الاستِثناءُ آخِرَ ما يَقَرَعُ الأُذُن. تُغلَقُ السّورةُ على المَفتوحِ لا على المَسدود.

«آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»: باطِنٌ يَستَقِرّ، وظاهِرٌ يَخرُجُ سَوِيّاً

أ-م-ن تَوكيدٌ يَضُمُّ ما حَواه ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً. والجِذرُ نَفسُه قد نُفِيَ قَبلَ خَمسِ آيات: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فما سُئِلَ عن غِيابِه أوَّلاً يُثبَتُ في آخِرِ السّورةِ لِقَومٍ آخَرين، والجِذرُ الذي فُتِحَ بِه بابُ السُّؤالِ يُغلَقُ بِه بابُ الجَواب.

ثُمَّ ع-م-ل: ظُهورٌ من عُمقٍ يَنضَمُّ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه. وص-ل-ح: رَبطٌ مُحكَمٌ بِالأصلِ يَخلُصُ مِمّا يَشوبُه. فالمَوصوفونَ هُنا لَهُم باطِنٌ يَستَقِرُّ وظاهِرٌ يَخرُجُ مَوصولاً بِأصلِه.

وهذه صورةٌ مَقلوبةٌ عَمّا وُصِفَ بِه القَومُ قَبلَ ثَلاثِ آيات. أُولئِكَ غَطَّوا ما عَرَفوا وأوعَوه، ثُمَّ أخرَجوا غَيرَه مُعَوَّجاً: إمساكٌ في الباطِنِ وخُروجٌ مُشَوَّه. وهؤُلاءِ يَستَقِرُّ عِندَهُمُ الباطِنُ فيَخرُجُ العَمَلُ سَوِيّاً. الجِهَتانِ واحِدة: ما في الجَوفِ يُقَرِّرُ ما يَظهَرُ على الظّاهِر.

«لَهُمْ أَجْرٌ»: مَحبوسٌ يَجري إلى صاحِبِه، ويَجيءُ بِلا فاء

أ-ج-ر قَطعٌ يَنحَبِسُ في جَوفٍ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً إلى صاحِبِه. فالأجرُ لَيسَ ثَمَناً يُدفَعُ عِندَ التَّسليم، بَل شَيءٌ يَتَكَتَّلُ في مَوضِعِه مُدّةً ثُمَّ يَنساب. وقد وُصِفوا بِعَمَلٍ يَلتَصِقُ بِهِم، فقوبِلَ بِأجرٍ مَحبوسٍ لَهُم: عَمَلٌ لا يُفارِقُ صاحِبَه وأجرٌ لا يُفارِقُ عامِلَه.

وجاءَت «لَهُمْ أَجْرٌ» بِلا فاء. وتَعودُ الجُملةُ نَفسُها في مَوضِعٍ آخَرَ مَقرونةً بِها: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. فحَيثُ تَدخُلُ الفاءُ يَتَرَتَّبُ الأجرُ على الشَّرطِ تَرَتُّباً، وحَيثُ تَسقُطُ يوضَعُ الأجرُ وَضعاً بِلا رابِطٍ يُعَلِّقُه. جُملةٌ تُقالُ عَنهُم لا نَتيجةٌ تُستَخرَجُ مِنهُم.

«غَيْرُ مَمْنُونٍ»: يُنفى القَطعُ ويُنفى الحَبسُ مَعاً

م-ن-ن تَجَمُّعٌ مُمسَكٌ في الباطِنِ يَنبَعِثُ نافِذاً، ثُمَّ تُعادُ النّونُ فتَحبِسُ هذا الانبِعاثَ فيَنقَطِعُ استِرسالُه. ومن هذه البِنيةِ وَجهانِ في كَلامِ العَرَب: «مَنَّ الحَبلَ» قَطَعَه، و«المَنُّ بِالعَطاء» أن يُتبِعَ المُعطي عَطاءَه ذِكرَه فيَحبِسَه في الأذهانِ كَأنَّه لم يَخرُج. وكِلاهُما انحِباسٌ يَكسِرُ الجَريان.

و«غَيرُ» من غ-ي-ر: سِترٌ يَمتَدُّ فيَفصِلُ شَيئاً عن شَيءٍ حتّى يَصيرَ التَّمايُزُ ثابِتاً. فَنَفيُ «مَمنون» بِها يَرفَعُ الوَجهَينِ مَعاً: لا قَطعَ يَكسِرُ جَريانَ الأجر، ولا إمساكَ يَحبِسُه عِندَ مُعطيه. وآخِرُ ما يُسمَعُ من هذه السّورةِ نَفيُ الانقِطاع. فُتِحَت بِسَقفٍ يَنشَقّ، وخُتِمَت بِعَطاءٍ لا يَنشَقّ.


حَصيلة

«إلّا» تَجيءُ في آخِرِ نَفَسٍ من السّورةِ فتَفتَحُ باباً بَعدَ خَمسِ آياتٍ في السَّترِ والإيعاءِ والتَّكذيب، ومَوضِعُها هو ثِقَلُها: يُختَمُ الكَلامُ على المَفتوحِ لا على المَسدود. و«آمَنُوا» من أ-م-ن، وهو الجِذرُ الذي سُئِلَ عن غِيابِه في «فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»: تَوكيدٌ يَضُمُّ ما حَواه ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنه لَطيفاً. و«عَمِلُوا» من ع-م-ل: ظُهورٌ من عُمقٍ يَنضَمُّ فيَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه. و«الصَّالِحَاتِ» من ص-ل-ح: رَبطٌ مُحكَمٌ بِالأصلِ يَخلُصُ مِن الشَّوائب. فباطِنٌ يَستَقِرُّ وظاهِرٌ يَخرُجُ سَوِيّاً، وهي الصّورةُ المَقلوبةُ عن سِترٍ يُمسِكُ وإخراجٍ مُعَوَّج. و«أَجْرٌ» من أ-ج-ر: مَحبوسٌ يَتَكَتَّلُ ثُمَّ يَجري إلى صاحِبِه، وقد جاءَ هُنا بِلا فاءٍ تُعَلِّقُه. و«غَيْرُ مَمْنُونٍ» من غ-ي-ر وم-ن-ن: رَفعُ القَطعِ ورَفعُ الحَبسِ مَعاً. سورةٌ فُتِحَت بِما يَنشَقُّ وخُتِمَت بِما لا يَنقَطِع.