البقرة · الآية 276

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

(م ح ق) المَحقُ كَنُقصانٍ تَدريجيّ

وأُوثِرَ «يَمحَقُه» على «يُهلِكُ اللهُ الرِّبا» و«يَمنَعُه»، والمَحقُ في اللُّغةِ النُّقصانُ التَّدريجيُّ الخَفِيّ، كَما يُقالُ «مَحَقَ القَمَر» حينَ يَنقُصُ قُرصُه لَيلةً بَعدَ لَيلة، فالمَحقُ عَمَليَّةٌ مُستَمِرَّة، وليسَ ضَربةً واحِدة. وهذا المَفهومُ يُناسِبُ طَبيعةَ انهِيارِ الاقتِصاداتِ الرِّبَويَّة: تَتَآكَلُ تَدريجيًّا من الدّاخِلِ حَتّى تَصِلَ إلى نُقطةِ الانكِشاف، ولا تَنهارُ في يَومٍ واحِد. واللَّيلةُ المَحقيَّةُ من القَمَرِ لا تَبدو مُختَلِفةً عَن سابِقَتِها، غَيرَ أنَّ الفَرقَ يَتَراكَم.

(ر ب و) الإرباءُ الإلهيّ

واستَعمَلَ اللهُ الفِعلَ «يُربي» من الجِذرِ ذاتِه الذي سَمَّى بِه الرِّبا، وهذا المَوقِفُ البَلاغيُّ ذو دَلالةٍ عَميقة: الإرباءُ الحَقيقيُّ هو ما يَقعُ للصَّدَقة، دونَ الرِّبا. فنَزعُ اسمِ «النَّماء» من الرِّبا ورَدُّه إلى الصَّدَقةِ قَلبٌ جَذريٌّ للقاموسِ الاقتِصاديّ، وهذا التَّلاعُبُ اللَّفظيُّ تَصحيحٌ دَلاليٌّ دَقيق، وليسَ زَخرَفًا: الكَلِمةُ التي يَدَّعي بِها الرِّبا النَّماءَ هي نَفسُها تُنسَبُ إلى الصَّدَقة، فمَن يُريدُ «أن يُربيَ» مالَه حَقًّا يَتَصَدَّق.

(ص د ق) الصَّدَقةُ كَنَماء

والصَّدَقةُ سُمِّيَت «صَدَقة» لأنَّها تَصدُقُ إيمانَ صاحِبِها، فحينَ يَدَّعي الإنسانُ أنَّه يُؤمِنُ بأنَّ الرِّزقَ من الله تَكونُ الصَّدَقةُ البُرهانَ العَمَليَّ على هذا الاعتِقاد. والآيةُ حينَ تَربُطُ النَّماءَ بالصَّدَقةِ، ولا تَقِفُ بِه عِندَ العَمَلِ التِّجاريّ، تَكشِفُ دائِرةً اقتِصاديَّةً أوسَع: النَّماءُ الحَقيقيُّ يَشمَلُ نَماءَ الثِّقةِ الاجتِماعيَّةِ وشَبَكةِ العَلاقاتِ وقُوَّةِ السّوقِ الاستِهلاكيّ، وتَراكُمُ أرقامٍ في حِسابٍ واحِدٍ لا يَكفي فيه.

المُقابَلةُ الصَّرفيَّة: «يَمحَق» و«يُربي»

وجَمَعَتِ الآيةُ بَينَ فِعلٍ ثُلاثيٍّ مُجَرَّد (يَمحَق) وفِعلٍ رُباعيٍّ مَزيد (يُربيوالفَرقُ الصَّرفيُّ يَنقُلُ فَرقًا دَلاليًّا: المَحقُ عَمَليَّةٌ بَسيطةٌ مُباشِرة يُسَلَّطُ فيها اللهُ على الرِّبا، والإرباءُ عَمَليَّةٌ ذاتُ مَرحَلَتَين، يَتَدَخَّلُ فيها اللهُ فيَجعَلُ الصَّدَقةَ تَنمو. فالرَّبوةُ تَنمو بالشَّمسِ والمَطَر، والصَّدَقةُ تَنمو بِرِعايةِ اللهِ وتَدبيرِه. وتَركيبُ «يُفعِلُ» يُشيرُ دائِمًا إلى فاعِليَّةٍ مُركَّبةٍ ذاتِ أدَوات، دونَ الفِعلِ المُباشِرِ السّاذَج.

(ح ب ب) + (ك ف ر) + (أ ث م) تَركيبُ الوَصفِ للمُرابي

ويَجمَعُ الخِتامُ أربَعَ صِفات: الحُبُّ المَنفِيُّ من الله، و«كُلَّ» التي تُعَمِّمُ النَّفيَ على كُلِّ فَردٍ من الصِّنف، و«كَفّار» بصيغةِ المُبالَغة، و«أثيم» بالمُبالَغةِ أيضًا. والكَفرُ في اللُّغةِ التَّغطِيَة، وكَفّارُ المُرابي يُغَطّي حَقيقةً اقتِصاديَّةً مُستَمِرَّة، وهي أنَّ المالَ يَنمو من عَمَلٍ وإنتاج، ولا يَنمو من ذاتِه، فهو يَستُرُ هذه الحَقيقةَ ليَبنيَ وَهْمَ نَماءٍ ذاتيٍّ للمال. والأثيمُ مُعتادٌ للإثمِ مُستَقِرٌّ عَلَيه، ولا يَقِفُ وَصفُه عِندَ أنَّه مُذنِب، فالرِّبا نِظامُ حَياة، وليسَ خَطَأَ مَرَّة.

المَوقِعُ البَلاغيُّ: قاعِدةٌ أكبَر من مَوقِعِها

والآيةُ قَصيرةٌ جِدًّا قِياسًا بسِياقِها: سَبَقَتها آيةٌ طَويلة (275)، وتَلَتها بَعدَ آيةٍ آيتانِ طَويلَتان (278-279)، وهذا القِصَرُ المُتَعَمَّدُ يَجعَلُها عَلامةً فارِقةً سَهلةَ الحِفظِ والتَّذَكُّر، كأنَّها العُنوانُ الذي يُثَبَّتُ على جِدارٍ طَويل. وهذه التَّقنيةُ البَلاغيَّةُ تَخدُمُ الذّاكِرةَ الاقتِصاديَّة: حينَ تَعرِضُ لِلمُرابي إغراءاتٌ اقتِصاديَّةٌ تَكونُ هذه الآيةُ القَصيرةُ جاهِزةً للحُضور، و«يَمحَقُ اللهُ الرِّبا ويُربي الصَّدَقات» قانونٌ يَستَقِرُّ في الذِّهنِ قاعِدةً ثابِتة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «اسمِ النَّماءِ الذي يَعودُ لأصحابِ الصَّدَقة، لا لأصحابِ الرِّبا» يَسبِقُ دَورَ «النَّماءِ الظّاهِرِ الذي يَدَّعيه المُرابي»، ودَورُ «المَحقِ التَّدريجيِّ الذي يَعتَريه نِظامُ الرِّبا من دَاخِله» يَسبِقُ دَورَ «التَّراكُمِ الحِسابيِّ الذي يَبدو يَومًا بَعدَ يَوم».


حَصيلة

قَلبٌ كامِلٌ للعِبارةِ الاقتِصاديَّة في خَمسِ كَلِمات: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. والمَحقُ (م-ح-ق) نُقصانٌ تَدريجيٌّ خَفِيٌّ كمَحقِ القَمَر، لا يَظهَرُ في يَوم، ولكِنَّه يَتَراكَمُ حَتّى الخُمود. والإرباءُ (ر-ب-و) مِن الجِذرِ ذاتِه الذي يُسَمّي الرِّبا، وقد نَزَعَ اللهُ اسمَ النَّماءِ مِن الرِّبا ورَدَّه إلى الصَّدَقات، وهو تَصحيحٌ دَلاليٌّ جَذريّ، ومَن يُريدُ حَقًّا أن «يُربيَ» مالَه يَتَصَدَّق. واستَعمَلَتِ الآيةُ الفِعلَ الثُّلاثيَّ «يَمحَق» للرِّبا، والمَزيدَ «يُربي» للصَّدَقة، فعَمَليَّةُ المَحقِ مُباشِرةٌ بَسيطة، وعَمَليَّةُ الإرباءِ ذاتُ مَرحَلَتَينِ بِتَدَخُّلٍ إلَهيٍّ مُركَّب. والخِتامُ أنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كَفَّارًا (ك-ف-ر) بِصيغةِ المُبالَغة يَستُرُ حَقيقةَ أنَّ المالَ لا يَنمو إلا بِإنتاج، وأثيمًا (أ-ث-م) مُستَقِرًّا على إثمِه كَنِظامِ حَياةٍ لا خَطَإٍ عارِض.