النساء · الآية 166

﴿لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا

«لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ»: الشّاهِدُ هو المُنزِل

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«لكِنِ»، وهي حَرفُ استِدراكٍ يَرفَعُ ما قد يُفهَمُ من كَلامٍ قَبلَه، والكَلامُ الذي تَستَدرِكُ عَلَيه هُنا مَطويٌّ يُطلَبُ في ما سَبَق. فيَحتَمِلُ أن يَكونَ ما حَكَتْه الآيةُ الثّالِثةُ والخَمسونَ بَعدَ المِئةِ من سُؤالِ أهلِ الكِتاب: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، فمَن يَسأَلُ كِتاباً يَنزِلُ عَلَيه لم يَجِدْ في ما أُنزِلَ إلى المُخاطَبِ شاهِداً يَكفيه، فيَأتي الاستِدراك: لكِنِ اللهُ يَشهَدُ بِه. ويَحتَمِلُ أن يَكونَ نَفياً يُفهَمُ من الآياتِ الثَّلاثِ التي قَبلَها، بَعدَ قَولِه إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، على مَعنى: إن لم يَشهَدْ بِهذا الوَحيِ مَن بَلَغَه، فاللهُ يَشهَد. وعلى الوَجهَينِ تَقومُ شَهادةُ اللهِ حَيثُ أُمسِكَت شَهادةُ الذينَ بَلَغَهُمُ المُنزَل.

و«لكِنْ» مُخَفَّفةً لا تَعمَلُ في ما بَعدَها، فجاءَ اسمُ اللهِ بَعدَها مَرفوعاً في صَدرِ جُملةٍ جَديدةٍ ثُمَّ جاءَ فِعلُه: «اللهُ يَشهَدُ»، فيُسمَعُ الشّاهِدُ قَبلَ شَهادَتِه. والشَّهادةُ من ش-ه-د، حُضورٌ يُدرِكُ بِه الحاضِرُ ما حَضَرَه فيَثبُتُ عِندَه، ثُمَّ يُخبِرُ بِما ثَبَت، و«يَشهَدُ» مُضارِعٌ يَجعَلُها قائمةً مُتَّصِلة. والباءُ في «بِما» تُدخِلُ المَشهودَ بِه، و«ما» مَوصولةٌ صِلَتُها «أنزَلَ إلَيكَ». وقد افتُتِحَتِ الآيةُ الثّانيةُ والسِّتّونَ بَعدَ المِئةِ بِـ«لكِنِ» أيضاً، وفيها يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾، والفِعلُ هُناكَ مَبنِيٌّ لِلمَفعول، والذينَ يُعطونَ الثِّقةَ الرّاسِخونَ في العِلمِ والمُؤمِنون، ويُبنى الفِعلُ هُنا لِفاعِلِه، فالذي يَشهَدُ لِلمُنزَلِ هو الذي أنزَلَه.

«أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ»: إنزالٌ يَصحَبُه العِلم

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ في جُملةٍ لا عاطِفَ قَبلَها: «أنزَلَه بِعِلمِه»، فهي تُبَيِّنُ ما يَشهَدُ بِه الله، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أيضاً أن تَكونَ حالاً مِمّا أُنزِل. والإنزالُ من ن-ز-ل، مَحفوظٌ يَنحَدِرُ من عُلُوٍّ حتّى يَحُلَّ في مَوضِعِه، وقد عَيَّنَت «إلَيكَ» في الجُملةِ الأولى مَوضِعَ حُلولِه، وتُعَيِّنُ «بِعِلمِه» في الثّانيةِ ما صَحِبَه في نُزولِه.

والباءُ في «بِعِلمِه» باءُ المُلابَسة، والجارُّ والمَجرورُ في مَوضِعِ حالٍ يَحتَمِلُ صاحِبَين: أن يَكونَ حالاً من المُنزِل، والمَعنى أنزَلَه وعِلمُه مُحيطٌ بِما أنزَلَ وبِمَن أنزَلَه إلَيه؛ وأن يَكونَ حالاً من المُنزَل، والمَعنى أنزَلَه مُتَلَبِّساً بِعِلمِه، يَحمِلُ من عِلمِه ما يَحمِل. وتَرِدُ هذه الباءُ مَعَ العِلمِ في مَواضِعَ أُخرى من الكِتاب: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ لِما يَجري في عِلمِه، وفَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ لِمُنزَلٍ يُنسَبُ إلى عِلمِ الله. والعِلمُ من ع-ل-م، بُروزُ ما خَفِيَ حتّى يُدرَكَ ثُمَّ يُمسَكَ عِندَ مَن أدرَكَه، فالشَّهادةُ على الوَجهِ الأوَّلِ شَهادةُ مَن عَلِمَ ما أنزَل، وعلى الثّاني شَهادةٌ يَحمِلُها المُنزَلُ في ما فيه من عِلم.

«وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ»: حَمَلةُ الرِّسالةِ يَشهَدونَ بَعدَ مُرسِلِها

ثُمَّ تُعطَفُ على الشَّهادةِ الأولى شَهادةٌ ثانِية: «والمَلائكةُ يَشهَدون»، جُملةٌ على هَيئةِ الأولى يَتَقَدَّمُ فيها الشّاهِدونَ على فِعلِهِم، والمَشهودُ بِه مَطويٌّ يَدُلُّ عَلَيه ما قَبلَه: يَشهَدونَ بِما شَهِدَ اللهُ بِه. والمَلائكةُ من أ-ل-ك، و«الأَلوك» الرِّسالة، فالواحِدُ مِنهُم حامِلُ رِسالة، والهَمزةُ التي تَخِفُّ في «مَلَك» تَظهَرُ في الجَمعِ «مَلائكة». فالشّاهِدونَ الثّانونَ يُسَمَّونَ بِاسمِ الرِّسالةِ التي يَحمِلونَها، وما يَشهَدونَ بِه مُنزَلٌ بَلَغَ المُخاطَبَ رِسالةً، فتَجتَمِعُ في الآيةِ شَهادةُ المُرسِلِ وشَهادةُ مَن يُسَمَّونَ بِما يُرسَل.

وفي الكِتابِ شَهادةٌ أُخرى يَقتَرِنُ فيها الشّاهِدانِ على هذا التَّرتيب: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، فالشُّهودُ هُناكَ اللهُ ثُمَّ المَلائكةُ ثُمَّ أولو العِلم، وهُم هُنا اللهُ ثُمَّ المَلائكة، ويَقَعُ العِلمُ بَينَهُما صِفةً لِإنزالِه: «أنزَلَه بِعِلمِه».

«وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا»: شَهادةٌ يُكتَفى بِها

وتُختَمُ الآيةُ بِالكِفاية: «وكَفى بِاللهِ شَهيداً». والكِفايةُ من ك-ف-ي، سَدُّ الخَلّةِ حتّى لا يُحتاجَ مَعَ الكافي إلى غَيرِه، و«شَهيداً» على فَعيلٍ من الجِذرِ الذي بُنِيَت عَلَيه الآية، وقد جاءَ فيها ثَلاثاً: «يَشهَدُ» و«يَشهَدونَ» و«شَهيداً». والباءُ في «بِالله» تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ مَزيدةً على فاعِلِ «كَفى» تُؤَكِّدُ نِسبةَ الكِفايةِ إلَيه، و«شَهيداً» تَمييزٌ أو حال؛ وأن يَكونَ الفِعلُ مُضَمَّناً مَعنى الأمرِ «اكتَفوا بِالله»، فتَكونَ الباءُ داخِلةً على ما يُكتَفى بِه. وعلى الوَجهَينِ تَرجِعُ الخاتِمةُ بِالشَّهادةِ إلى اللهِ وَحدَه بَعدَ ذِكرِ المَلائكة، فشَهادَتُهُم تُضَمُّ إلى شَهادَتِه، وشَهادَتُه وَحدَها كافِية.

وبِهذه الجُملةِ نَفسِها خُتِمَتِ الآيةُ التّاسِعةُ والسَّبعونَ بَعدَ قَولِه وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، ولا تَرِدُ «وكَفى بِاللهِ شَهيداً» في السّورةِ في غَيرِ المَوضِعَين: هُناكَ تَتبَعُ الشَّهادةُ إرسالَ الرَّسول، وهُنا تَتبَعُ ما أُنزِلَ إلَيه.


حَصيلة

تَستَدرِكُ الآيةُ بِـ«لكِنِ» على كَلامٍ مَطويٍّ يُطلَبُ في ما قَبلَها، سُؤالِ أهلِ الكِتابِ كِتاباً من السَّماء، أو نَفيٍ يُفهَمُ بَعدَ «إنّا أوحَينا إلَيكَ»، وتُقيمُ في مَوضِعِه شَهادةَ اللهِ لِما أنزَلَ إلى المُخاطَب، والشَّهادةُ من ش-ه-د حُضورٌ يَثبُتُ بِه المُدرَكُ عِندَ الحاضِرِ ثُمَّ يُخبِرُ بِه. ثُمَّ تُبَيِّنُ الشَّهادةَ بِإنزالٍ من ن-ز-ل صَحِبَه العِلمُ من ع-ل-م، وباءُ «بِعِلمِه» تَحتَمِلُ عِلماً يُحيطُ بِالمُنزَلِ وعِلماً يَحمِلُه المُنزَل، ثُمَّ تَعطِفُ شَهادةَ المَلائكة، وهُم من أ-ل-ك حَمَلةُ الرِّسالة، وتَختِمُ بِكِفايةٍ من ك-ف-ي تَرُدُّ الشَّهادةَ إلى اللهِ وَحدَه. فالآيةُ تَبدَأُ بِالشّاهِدِ وتَنتَهي بِه، والمُنزَلُ بَينَهُما مَشهودٌ لَه من مُرسِلِه ومِن حَمَلةِ الرِّسالة.