النساء · الآية 48

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ»: سِترٌ يُمنَعُ عن فِعلٍ واحِد

بَعدَ خِطابِ الَّذينَ أوتوا الكِتابَ تَتَّسِعُ الآيةُ إلى قاعِدةٍ عامّةٍ تُفتَتَحُ بِـ«إنَّ»: «إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ بِه». والغَفرُ من غ-ف-ر، سِترٌ كَثيفٌ يَسري على الشَّيءِ ويُمسِكُ عَلَيه فيَقيه، ومنه «المِغفَر» يُلبَسُ على الرَّأسِ فيَستُرُه ويَحميه، فالمَغفِرةُ سِترٌ يَحمي المَستورَ من أثَرِ ما سُتِر. والمَمنوعُ من هذا السِّترِ «أن يُشرَكَ بِه»، و«أن» مَعَ الفِعلِ في مَعنى المَصدَر، والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالسِّترُ يُمنَعُ عن الإشراكِ نَفسِه، فِعلاً قائماً قَبلَ أن يُذكَرَ مَن يَفعَلُه.

والإشراكُ من ش-ر-ك، حِصَصٌ تُجمَعُ في شَيءٍ واحِدٍ فتَتَداخَلُ فيه حتّى لا تَتَمَيَّز، وقد نَهَت عَنه السّورةُ في السّادِسةِ والثَّلاثين: وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، والباءُ في «بِه» تُلصِقُ الشَّريكَ بِاسمِه. فالإشراكُ قِسمةٌ لِما لا يَقبَلُ القِسمة: حِصّةٌ لِغَيرِ اللهِ تُدخَلُ في ما هو لَه وَحدَه.

«وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ»: سِترٌ مَبسوطٌ مَعقودٌ بِالمَشيئة

ثُمَّ يَعودُ الفِعلُ نَفسُه مُثبَتاً: «ويَغفِرُ ما دونَ ذلك». و«ذلك» يُشيرُ إلى الإشراك، و«دونَ» من د-و-ن، ما يَقَعُ تَحتَ الشَّيءِ ويَقصُرُ عن رُتبَتِه، فـ«ما دونَ ذلك» كُلُّ ما يَنزِلُ عن الإشراك. فالآيةُ تَقسِمُ ما يَقَعُ من النّاسِ قِسمَين: قِسماً نُفِيَ عَنه السِّتر، وقِسماً أُثبِتَ لَه. ثُمَّ تَعقِدُ القِسمَ الثّانيَ بِـ«لِمَن يَشاء»، فالسِّترُ فيه مَفتوحٌ غَيرُ مَوعودٍ لِكُلِّ أحَد، ومَرَدُّه إلى مَشيئةِ الله. والمَشيئةُ نَفسُها تَعودُ في الآيةِ التّالِية: «بَلِ اللهُ يُزَكّي مَن يَشاء»، فالسِّترُ والتَّزكيةُ كِلاهُما مَعقودٌ بِها.

«وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا»: فاعِلٌ يَظهَرُ، وحِملٌ يَصنَعُه بِيَدِه

وفي آخِرِ الآيةِ يَظهَرُ الفاعِلُ الذي طُوِيَ في أوَّلِها: «ومَن يُشرِكْ بِاللهِ»، فالكَلامُ يَنتَقِلُ من الفِعلِ إلى مَن يَفعَلُه، ومن «بِه» إلى الاسمِ الصَّريحِ «بِالله». وجَوابُه «فقَدِ افتَرى إثماً عَظيماً». والافتِراءُ من ف-ر-ي، قَطعٌ يَمضي في المادّةِ فيُفَصِّلُ مِنها شَكلاً، و«افتَرى» على الافتِعالِ صَنعةٌ يَصنَعُها الفاعِلُ لِنَفسِه، فالشَّريكُ في الآيةِ شَيءٌ مَقطوعٌ مُفَصَّلٌ بِيَدِ صانِعِه، قائمٌ بِصَنعَتِه وَحدَها. وقد تَعَدّى هذا الفِعلُ في الآيةِ الخَمسينَ إلى الكَذِب: «يَفتَرونَ على اللهِ الكَذِب»، وهو هُنا يَتَعَدّى إلى «إثماً»، فالمَصنوعُ هو الحِملُ نَفسُه.

والإثمُ من أ-ث-م، ثِقلٌ يَتَراكَمُ من دَقائقِ الفِعلِ ويَبقى مَحمولاً في صاحِبِه، وقد وَصَفَت بِه السّورةُ أن يَأخُذَ الرَّجُلُ شَيئاً مِمّا آتى زَوجَه: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. ووَصفُه هُنا «عَظيماً»، من ع-ظ-م، كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ ثَقيلةُ الجِرم، ولم يوصَفِ الإثمُ بِالعِظَمِ في غَيرِ هذه الآيةِ من الكِتاب. فيَنعَطِفُ آخِرُ الآيةِ على أوَّلِها: الفِعلُ الذي نُفِيَ عَنه السِّترُ هو الفِعلُ الذي يَصنَعُ بِه صاحِبُه حِملاً عَظيماً ثُمَّ يَحمِلُه.

«وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ»: خاتِمَتانِ لِقاعِدةٍ واحِدة

وتَعودُ الآيةُ بِلَفظِها في السّادِسةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ من هذه السّورةِ حتّى «ومَن يُشرِكْ بِاللهِ»، ثُمَّ تَفتَرِقُ الخاتِمَتان: هُنا «فَقَدِ افتَرى إثماً عَظيماً»، وهُناكَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وكُلُّ خاتِمةٍ تَنظُرُ إلى الإشراكِ من جِهةٍ يَعنى بِها ما حَولَها: هُنا في مَقطَعٍ فيه مَن يُزيحونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِه، وفيه «يَفتَرونَ على اللهِ الكَذِب»، فيوصَفُ الإشراكُ افتِراءً وحِملاً، وهُناكَ تَلي الآيةُ آيةً في مَن يَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فيوصَفُ ضَلالاً بَعيداً عن الطَّريق. فالقاعِدةُ واحِدة، وخاتِمَتُها تَأخُذُ لَونَ ما حَولَها.


حَصيلة

تَتَّسِعُ الآيةُ بَعدَ خِطابِ الَّذينَ أوتوا الكِتابَ إلى قاعِدةٍ عامّة: الغَفرُ من غ-ف-ر سِترٌ يَقي، وهو مَمنوعٌ عن فِعلٍ واحِدٍ هو الإشراك، وقد جاءَ أوَّلاً فِعلاً لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالمَنعُ واقِعٌ على الإشراكِ نَفسِه، وهو من ش-ر-ك إدخالُ حِصّةٍ لِغَيرِ اللهِ في ما هو لَه وَحدَه. ثُمَّ يُبسَطُ السِّترُ على «ما دونَ ذلك» مَعقوداً بِمَشيئةِ الله، غَيرَ مَوعودٍ لِكُلِّ أحَد. ثُمَّ يَظهَرُ الفاعِلُ ويوصَفُ فِعلُه بِأنَّه افتِراءٌ من ف-ر-ي، صَنعةٌ مَقطوعةٌ مُفَصَّلة، ومَصنوعُها «إثماً عَظيماً»، حِملٌ لم يوصَفْ إثمٌ بِعِظَمِه في غَيرِ هذه الآية. وتَتَكَرَّرُ القاعِدةُ في السّادِسةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة، وتَختَلِفُ الخاتِمةُ بِاختِلافِ ما حَولَها: هُنا افتِراءٌ وحِمل، وهُناكَ ضَلالٌ بَعيد.