النساء · الآية 47

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ»: نِداءٌ يُسَمّي المُنادَينَ بِالعَطاءِ كُلِّه

عُرِضَ القَومُ في الرّابِعةِ والأربَعينَ على المُخاطَبِ بِوَصفِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾، وهُنا يَأتي نِداءٌ لِمَن أوتوا الكِتاب: «يا أيُّها الَّذينَ أوتوا الكِتاب»، فيَصيرُ المَوصوفونَ بِالإيتاءِ طَرَفاً يُخاطَبُ في المَقطَع. والنِّداءُ يُسَمّيهِم بِالعَطاءِ كُلِّه، «أوتوا الكِتاب»، ولم يَأتِ نِداءٌ بِهذا الوَصفِ في غَيرِ هذه الآيةِ من الكِتاب. فالصِّفةُ التي نودوا بِها هي نَفسُها أساسُ ما يُطلَبُ مِنهُم: مَن أوتِيَ الكِتابَ أولى النّاسِ بِأن يَعرِفَ ما يُصَدِّقُه.

«آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم»: أمرٌ يَحمِلُ عِلَّتَه في وَصفِه

والمَطلوبُ مِنهُم «آمِنوا»، من أ-م-ن، أن يُعطوا الثِّقةَ ويَأمَنوا إلى ما يُعطى لَهُم، وما تُعطى لَه الثِّقةُ «ما نَزَّلنا»، والكَلامُ فيه بِنونِ العَظَمة. ثُمَّ وُصِفَ المُنزَلُ بِأنَّه «مُصَدِّقاً لِما مَعَكُم»، والتَّصديقُ من ص-د-ق، صَلابةٌ يُطابِقُ فيها الظّاهِرُ الباطِن، فالمُنزَلُ يُثبِتُ ما في أيديهِم ويَشهَدُ لَه بِالحَقّ. و«ما مَعَكُم» يُسَمّي ما عِندَهُم بِقُربِه مِنهُم، شَيئاً في صُحبَتِهِم. فالأمرُ يَحمِلُ عِلَّتَه في وَصفِه: ما يُطلَبُ مِنهُمُ الثِّقةُ بِه يَشهَدُ لِما يَثِقونَ بِه من قَبل. وقد جاءَ الأمرُ بِلَفظٍ قَريبٍ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾.

«مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا»: وُجوهٌ تُمحى مَعالِمُها وتُصرَفُ إلى خَلفِها

ثُمَّ يُحَدُّ الأمرُ بِوَقت: «مِن قَبلِ أن»، فالثِّقةُ مَطلوبةٌ قَبلَ أن يَقَعَ ما بَعدَ «أن». والطَّمسُ من ط-م-س، غِطاءٌ يَنطَبِقُ على السَّطحِ ويَسري عَلَيه حتّى تَذهَبَ مَعالِمُه، وقد وَقَعَ في الكِتابِ على الأعيُن: فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾، وعلى النُّجوم: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، وعلى الأموالِ في دُعاء: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ﴾. وهو هُنا على «وُجوهاً»، والوَجهُ من و-ج-ه، الجانِبُ الذي يُقبِلُ بِه المَرءُ ويَتَوَجَّهُ إلى ما أمامَه، وتَنكيرُه يُبقي الوُجوهَ غَيرَ مُعَيَّنة. وقد جاءَ الجَمعُ نَفسُه في الثّالِثةِ والأربَعينَ مُضافاً إلى المُخاطَبين: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وهو هُنا نَكِرةٌ يَقَعُ عَلَيها الطَّمس.

وبَعدَ الطَّمسِ «فَنَرُدَّها على أدبارِها»، والفاءُ تُعقِبُ الطَّمسَ بِالرَّدّ، والرَّدُّ من ر-د-د إعادةُ الشَّيءِ في عَكسِ وِجهَتِه، والدُّبُرُ من د-ب-ر ما يَلي الشَّيءَ من خَلفِه، فالوَجهُ الذي كانَ مُقبِلاً يُصرَفُ إلى جِهةِ القَفا، ويَصيرُ ما كانَ أمامَ صاحِبِه خَلفَه. وقد جَمَعَ الكِتابُ الرَّدَّ والأدبارَ في وَصفِ مَن يَرجِعُ عن طَريقٍ تَبَيَّنَ لَه: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾. ولَفظُ الآيةِ يَحتَمِلُ الوَجهَين: طَمساً لِمَعالِمِ الوُجوهِ وقَلباً لَها إلى الخَلف، أو طَمساً لِوِجهةِ أصحابِها يَرُدُّهُم عمّا أمامَهُم، والآيةُ لم تُعَيِّنْ أحَدَهُما.

«أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ»: عاقِبةٌ ثانيةٌ تَفصِلُها «أو»

ثُمَّ تَأتي «أو» بِعاقِبةٍ أُخرى: «أو نَلعَنَهُم»، فالآيةُ تَذكُرُ عاقِبَتَينِ تَفصِلُ بَينَهُما «أو»، هذه أو تِلك. واللَّعنُ من ل-ع-ن، فَصلٌ يُخرِجُ المَفصولَ من القُربِ إلى البُعد، وقد جاءَ في الآيةِ قَبلَها خَبَراً ماضِياً عن قَومٍ ذُكِروا مِنَ الَّذينَ هادوا: «لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفرِهِم»، وهو هُنا عاقِبةٌ يُحَذَّرُ مِنها. وفي «نَلعَنَهُم» يَنتَقِلُ الكَلامُ من خِطابِهِم في «مَعَكُم» إلى الحَديثِ عَنهُم: «هُم»، ويَحتَمِلُ «هُم» أن يَعودَ على أصحابِ الوُجوهِ المَنكورة، وأن يَعودَ على المُنادَينَ أنفُسِهِم.

و«أصحابُ السَّبت» يُسَمَّونَ بِما لَزِموه، فالصّاحِبُ مُلازِمُ الشَّيء. والسَّبتُ من س-ب-ت، قَطعٌ يوقِفُ الجَرَيان، ومنه «السُّبات» انقِطاعُ الحَرَكةِ في النَّوم: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. وقد قَرَنَ الكِتابُ السَّبتَ بِفِعلِ العُدوانِ في ثَلاثةِ مَواضِع: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾، ولَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ في الرّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ من هذه السّورة، وإِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. فالسَّبتُ في هذه المَواضِعِ حَدٌّ أُقيمَ ثُمَّ جووِز، وفي أوَّلِها يُخاطَبُ قَومٌ بِأنَّهُم يَعلَمونَ مَن جاوَزوه، فالتَّشبيهُ في «كَما لَعَنّا» يُحيلُ على سابِقةٍ مَعلومة.

«وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا»: أمرٌ يُذكَرُ بِاسمِ ما تَمَّ

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ أمرُ اللهِ مَفعولاً». و«كانَ» تُثبِتُ الوَصفَ قائماً غَيرَ مَحصورٍ في ماضٍ، و«مَفعولاً» اسمُ مَفعولٍ من فَعَل، يَصِفُ الأمرَ بِأنَّه قد تَمَّ فِعلُه، فما يَأمُرُ بِه اللهُ يُذكَرُ بِاسمِ ما وَقَع. وبِهذا الخِتامِ يَأخُذُ «مِن قَبلِ أن» في صَدرِ الآيةِ وَزنَه: الوَقتُ المَحدودُ لِلثِّقةِ حَدٌّ حَقيقيّ، لِأنَّ ما بَعدَه أمرٌ من اللهِ، وأمرُه مَفعول.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من الحَديثِ عن الَّذينَ أوتوا نَصيباً من الكِتابِ إلى نِداءٍ يُسَمّي المُنادَينَ بِالعَطاءِ كُلِّه: «يا أيُّها الَّذينَ أوتوا الكِتاب»، وتَطلُبُ مِنهُمُ الثِّقةَ بِما نُزِّلَ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُم، فالأمرُ يَحمِلُ عِلَّتَه: المُنزَلُ يَشهَدُ لِما في أيديهِم. ثُمَّ تَحُدُّ الأمرَ بِوَقتٍ «مِن قَبلِ أن»، وتَذكُرُ عاقِبَتَينِ تَفصِلُ بَينَهُما «أو»: وُجوهٌ مَنكورةٌ يَسري عَلَيها الطَّمسُ من ط-م-س حتّى تَذهَبَ مَعالِمُها ثُمَّ تُصرَفُ إلى أدبارِها، ولَفظُ ذلك يَتَّسِعُ لِلصّورةِ ولِلوِجهة، أو بُعدٌ من ل-ع-ن كالبُعدِ الذي وَقَعَ على أصحابِ السَّبت، والسَّبتُ من س-ب-ت قَطعٌ يوقِفُ الجَرَيان، وهو في مَواضِعِه المَقرونةِ بِالعُدوانِ حَدٌّ أُقيمَ ثُمَّ جووِز. ثُمَّ تَختِمُ بِأنَّ أمرَ اللهِ مَفعول، فيَصيرُ الوَقتُ المَحدودُ لِلثِّقةِ حَدّاً حَقيقيّاً.