الإسراء · الآية 16

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

«وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً»: قَريةٌ مُنَكَّرة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إذا»، وهي لِما يَتَكَرَّرُ وُقوعُه، دونَ مَرّةٍ بِعَينِها. ثُمَّ «قَرْيَةً» نَكِرة، لا اسمَ لَها ولا إشارةَ ولا أل. وهذا غَيرُ كِتمانٍ لِاسمٍ مَعروف، فالتَّنكيرُ يَنفي التَّعيينَ من أصلِه، ولا يُخفي مُعَيَّناً. فمَن سَمّى القَريةَ عَيَّنَ ما نُكِّرَ قَصداً وحَوَّلَ القانونَ إلى واقِعة، ولم يَكشِفْ مَستوراً.

والقَريةُ مَكتوبةٌ في المُعجَمِ بِما يُغني عن إعادَتِه، وهي ثِقَلٌ مُحكَمٌ يَجري ويَستَقطِب، ومَركَزٌ يَجمَعُ مَن يَرِدُ عَلَيه، فالمُرادُ إهلاكُه جامِعٌ، وليسَ بُقعةً. والهَلاكُ من ه-ل-ك، وهو شَيءٌ كانَ قائماً بِحَدِّه في مَوضِعِه يَنقَطِعُ عَنه ويَخرُجُ فيَبقى مَكانُه خالِياً، فالذي يَجمَعُ يُقطَعُ عن مَوضِعِه ويَخلو مَكانُه.

«أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا»: أمرٌ ذُكِرَ مَن وُجِّهَ إلَيه ولم يُذكَرْ ما هو

وهذا مَوضِعٌ يُقرَأُ بِأشَدِّ ما يُستَطاعُ من التَّحَفُّظ. والأمرُ مَكتوبٌ في المُعجَم، ومَعناه إرادةٌ تَجتَمِعُ في مَركَزِ الآمِرِ ثُمَّ تَجري إلى المَأمور، فالجَذرُ يُعطي الحَرَكةَ دونَ ما تَحمِلُه، والاتِّجاهَ دونَ المَضمون.

وقد ذَكَرَتِ الآيةُ مَن وُجِّهَ إلَيه الأمر: «مُتْرَفِيهَا»، وتَرَكَت ما أُمِرَ بِه فلم تَذكُرْه بِوَجهٍ من الوُجوه، فلا باءَ تَجُرُّ مَأموراً بِه، ولا «أنْ» يَتلوها فِعل، ولا مَصدَرَ يُنصَبُ عَلَيه. والفِعلُ في العَرَبِيّةِ يَطلُبُ مَحمولاً، وقد سَكَتَتِ الآيةُ عَنه سُكوتاً تامّاً، فالمُعطى مَوضِعٌ فارِغٌ لَه حافَّتانِ مَذكورَتان، آمِرٌ ومَأمور، ولا شَيءَ بَينَهُما. ومَن وَضَعَ في هذا الفَراغِ لَفظاً فقد كَتَبَ حَيثُ لم يُكتَب.

و«مُتْرَفِيهَا» اسمُ مَفعول، فقد سَمَّتْهُمُ الآيةُ بِفِعلٍ فُعِلَ بِهِم، دونَ فِعلٍ فَعَلوه. والتَّرَفُ من ت-ر-ف، وهو ضَغطٌ دَقيقٌ يَتَكَرَّرُ ويَجري حتّى يُفَرِّقَ ما كانَ مُجتَمِعاً ويُبعِدَ بَعضَه عن بَعض، أي لَينٌ أُجرِيَ عَلَيهِم مَرّةً بَعدَ مَرّةٍ حتّى انفَرَطَ تَماسُكُهُم. فأوَّلُ ما يُقالُ عَنهُم أنَّهُم مَفعولٌ بِهِم، ثُمَّ يَصيرونَ في الكَلِمةِ التّالِيةِ فاعِلين.

وهُم «مُتْرَفِيهَا»، أي لَها، والضَّميرُ يَشُدُّهُم إلى القَريةِ قَبلَ أن يَقَعَ عَلَيها شَيء. وعُدِلَ عن «أمَرنا مُترَفينَ» وعن «أمَرنا قَوماً»، فأُضيفوا إلَيها في الكَلِمةِ نَفسِها التي ذُكِروا فيها.

«فَفَسَقُوا فِيهَا»: فاءٌ لا فُرجةَ فيها

وفي الآيةِ خَمسةُ أحداث، ولا واوَ بَينَ واحِدٍ مِنها، وفيها ثَلاثُ فاءاتٍ مُتَوالِيات: «فَفَسَقُوا»، «فَحَقَّ»، «فَدَمَّرْنَاهَا». والفاءُ وَصلٌ بِلا مُهلة، فلا مَوضِعَ قَدَمٍ بَينَ الحَلَقات.

والتَّرتيبُ كما وَرَد: إرادةُ الإهلاكِ أوَّلاً، ثُمَّ الأمر، ثُمَّ الفِسق، ثُمَّ حَقُّ القَول، ثُمَّ التَّدمير. فالإرادةُ مُقَدَّمةٌ في اللَّفظِ على الفِسق، والفِسقُ هو الذي حَقَّ بِه القَول، والآيةُ تَضَعُ الأمرَينِ في نَسَقٍ واحِدٍ ولا تَفصِلُ بَينَهُما بِحَرفٍ يُقَدِّمُ أحَدَهُما في الحُكم، وما لم تَفصِلْه الآيةُ لا يُفصَلُ لَها.

والفِسقُ مَكتوبٌ في المُعجَم: خُروجُ الشَّيءِ من قِشرِه ومَوضِعِه الذي وُضِعَ فيه. ثُمَّ «فِيهَا» دونَ «عَلَيها» و«مِنها»، فقد خَرَجوا من غِلافِهِم وهُم داخِلَ الجامِع، والقَريةُ في جِذرِها ما يُمسِكُ ويَستَقطِب، والفِسقُ انفِراطٌ يَقَعُ في داخِلِ ما يُمسِك.

«فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ»: الحَرفُ الذي مَرَّ في الآيةِ قَبلَها

و«حَقَّ» من ح-ق-ق، وهو ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح، والقافُ مُضاعَفةٌ فيه فيَشتَدُّ الإحكامُ ولا يَنفَكّ. والفِعلُ لازِم، فقد جاءَ «حَقَّ» دونَ «أحقَقنا عَلَيها القَول»، ولم يُذكَرْ لِثُبوتِه فاعِلٌ سِوى ما قَبلَ الفاء.

ثُمَّ «عَلَيْهَا»، وهو الحَرفُ الذي ذُكِرَ في الآيةِ قَبلَها أنَّه يَنزِلُ ويُثقِل، وقد نَزَلَ هُنا على القَريةِ دونَ المُترَفين. وتِلكَ الآيةُ نَفسُها قد قَرَّرَت أنَّ حامِلةً لا تَحمِلُ ثِقَلَ أُخرى، وهذه قَبلَ أن تُنزِلَ الثِّقَلَ أضافَتِ المُترَفينَ إلَيها بِياءٍ وهاء، وجَعَلَت فِعلَهُم فيها، فلا ظَهرَ غَريبٌ حُمِّلَ ما لَيسَ لَه.

و«الْقَوْلُ» مُعَرَّفٌ بِأل، ولم يُحكَ لَفظُه، فقد عُرِّفَ ولم يُقتَبَس، كما عُرِّفَ «الْمَسْجِدَ» في السّابِعةِ ولم يُسَمَّ، والآيةُ تُثبِتُ أنَّ ثَمَّةَ قَولاً وتَقِف.

«فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»: بِناءٌ يُعادُ وفاعِلُه يَتَبَدَّل

وفي السّابِعة: «وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا»، وهُنا: «فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»، وهو فِعلٌ على فَعَّلَ يُوَزِّعُ ويُكَثِّر، ثُمَّ مَصدَرُه من لَفظِه يُؤَكِّدُه. فالبِناءُ واحِد، والذي تَبَدَّلَ هو الفاعِل، فهُناكَ داخِلونَ لم يوصَفوا، وهُنا المُتَكَلِّمُ نَفسُه.

والجِذرانِ يَفتَرِقانِ افتِراقاً يُقرَأ، فالتَّتبيرُ من ت-ب-ر، وهو تَفتيتٌ مُتَكَرِّرٌ يَنتَهي بِالشَّيءِ إلى فُتاتٍ لا يُجمَع، وهو واقِعٌ على «مَا عَلَوْا»، أي على المُرتَفِع، وأمّا التَّدميرُ فمادَّتُه د-م-ر: نُفوذٌ يَدخُلُ في جِسمِ المُجتَمِعِ ويَتَكَرَّرُ فيه حتّى لا يَبقى مُتَماسِكاً. فذاكَ يُفَتِّتُ ما عَلا من فَوق، وهذا يَدخُلُ في الجامِعِ من داخِل. وقد جاءَ في أوَّلِ الآيةِ «أن نُّهْلِكَ»، وهو انقِطاعُ الجامِعِ عن مَوضِعِه حتّى يَخلُوَ مَكانُه، فالتَّدميرُ هَيئةُ ذلك الانقِطاعِ نَفسِه، لا شَيءٌ سِواه.


حَصيلة

قَريةٌ مُنَكَّرة، لم يوضَعْ لَها اسمٌ أصلاً، ولم يُخفَ لَها اسم، والقانونُ يَجري على كُلِّ مَركَزٍ يَجمَعُ ثُمَّ يُفَرَّغُ ويُغلَقُ عَلَيه. ثُمَّ أمرٌ ذُكِرَت حافَّتاه وسُكِتَ عن مَضمونِه: آمِرٌ ومَأمورٌ ولا مَأمورَ بِه، لا بِحَرفٍ ولا بِمَصدَرٍ ولا بِفِعلٍ يَتلو. والمَأمورونَ مُسَمَّونَ بِما فُعِلَ بِهِم دونَ ما فَعَلوا، لَينٌ جَرى عَلَيهِم حتّى انفَرَطَ تَماسُكُهُم، وهُم مُضافونَ إلى القَريةِ في الكَلِمةِ نَفسِها. ثُمَّ فاءاتٌ مُتَوالِياتٌ لا فُرجةَ بَينَها: خُروجٌ من الغِلافِ وَقَعَ فيها لا عَلَيها، ثُمَّ ثُبوتٌ مُحكَمٌ لِقَولٍ عُرِّفَ ولم يُحكَ، نازِلٌ عَلَيها بِالحَرفِ الذي عُرِفَ في هذه السّورةِ بِالنُّزولِ والثِّقَل، وقد شُدَّ أهلُ الفِعلِ إلَيها قَبلَ أن يَنزِل. ثُمَّ البِناءُ الذي مَرَّ في السّابِعةِ يُعادُ بِفاعِلٍ آخَر، فِعلٌ يُوَزِّعُ ومَصدَرٌ يُؤَكِّد، غَيرَ أنَّ ذاكَ كانَ تَفتيتاً لِما ارتَفَعَ من فَوق، وهذا نُفوذٌ في جِسمِ الجامِعِ من داخِل. والآيةُ تَقِفُ عِندَ ما قالَت، وأوسَعُ ما فيها المَوضِعُ الذي لم تَملَأْه.