الإسراء · الآية 79

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا

«وَمِنَ اللَّيْلِ»: بَعضٌ يُؤخَذُ من كُلّ

«مِن» هُنا لِلتَّبعيض، وقد عُدِلَ عن «واللَّيلَ» و«وطولَ اللَّيل» إلى «وَمِنَ اللَّيْلِ»، فالمَأخوذُ قِطعةٌ من مَجموع.

واللَّيلُ نَفسُه جاءَ في الآيةِ التي قَبلَها حَدّاً يُنتَهى إليه، في غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، فما كانَ طَرَفاً يُوقَفُ عِندَه صارَ هُنا مَنبَعاً يُقتَطَعُ مِنه، والشَّيءُ الواحِدُ يَكونُ نِهايةً ثُمَّ يَكونُ مَعدِناً.

«فَتَهَجَّدْ بِهِ»: فِعلٌ يَحمِلُ اسمَ ما يُزيلُه

و«الهُجود» في أصلِ اللَّفظِ سُكونُ النَّوم، و«الهاجِد» النّائِم، ومَحَلُّ النَّظَرِ كَيفَ صارَ «تَهَجَّدْ» أمراً بِتَركِ النَّوم.

والوَزنُ هو الذي فَعَلَ ذلك: فـ«تَفَعَّلَ» يَجيءُ لِإزالةِ ما اشتُقَّ مِنه، كما يُقالُ «تَحَرَّجَ» أي رَفَعَ الحَرَجَ عن نَفسِه، و«تَأثَّمَ» أي خَرَجَ من الإثم، فالتَّهَجُّدُ إلقاءُ الهُجودِ عن النَّفس.

والعَجيبُ أنَّ الفِعلَ يَحمِلُ اسمَ ما يَنفيه، فقد أوثِرَ «تَهَجَّدْ» على «تَيَقَّظْ» الذي يَنقَطِعُ مَعَه ذِكرُ النَّوم، فبَقِيَ النَّومُ حاضِراً في اللَّفظِ وهو مَطروحٌ في المَعنى، ومَن قامَ عن فِراشِه يَعرِفُ ما تَرَك.

و«بِهِ» ضَميرٌ لِمُذَكَّرٍ لا تَفصِلُ فيه الآية، وأقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه اللَّيلُ نَفسُه أو قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ المَذكورُ قَبلَه، والنَّصُّ يَتَحَمَّلُ الوَجهَينِ ولا يُرَجِّحُ أحَدَهُما، فلا يُرَجَّحُ عنه.

«نَافِلَةً لَّكَ»: زِيادةٌ فَوقَ قَدرٍ لم يُذكَر

و«النّافِلة» من ن-ف-ل، وأصلُ الجَذرِ فَيضٌ يَخرُجُ من ضيقٍ فيَزيدُ على القَدرِ الأوَّل، ومنه «النَّفَل»، وهو ما يُعطاهُ الغازي فَوقَ نَصيبِه المَقسوم.

فالكَلِمةُ تَقتَضي شَيئاً تَزيدُ عَلَيه، ولم تَذكُرْ الآيةُ ذلك الشَّيء، وقد ذَكَرَتِ الزِّيادةَ وحَذَفَتِ المَزيدَ عَلَيه، كما ذَكَرَ ما قَبلَها الأمرَ ولم يَذكُرْ عَدَداً.

ثُمَّ «لَّكَ»، وهو حَرفٌ واحِدٌ يُضيفُ الزِّيادةَ إلى المُخاطَبِ ولا يَقولُ أكثَر: لا يُبَيِّنُ لِمَ هي لَه، ولا أَلِغَيرِه مِثلُها، واللّامُ تُعطي ولا تُفَسِّر.

«عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ»: رَجاءٌ يَحكُمُ ما بَعدَه

و«عَسَىٰ» تَتَصَدَّرُ الجُملةَ الأخيرةَ كُلَّها، وكُلُّ ما بَعدَها داخِلٌ تَحتَها من البَعثِ والمَقامِ والوَصف، ولا يَخرُجُ شَيءٌ مِنها من تَحتِ هذا الحَرف.

وهي لِلرَّجاءِ والتَّوَقُّعِ دونَ القَطع، ومَن نَقَلَ ما بَعدَها إلى صيغةِ الجَزمِ فقد أزالَ أوَّلَ كَلِمةٍ في الجُملة، والآيةُ تَقولُ «عَسَىٰ»، فتُقالُ «عَسَىٰ».

و«يَبْعَثَكَ» من ب-ع-ث، وأصلُه إخراجُ المُمسَكِ من عُمقِه ونَشرُه في وِجهَتِه، يُقالُ «بَعَثَ النّاقةَ» إذا أثارَها من مَبرَكِها فقامَت، فالمَذكورُ إنهاضٌ من مَوضِعٍ وإمضاءٌ إلى مَوضِع. ومَن سَهِرَ لَيلَه لا يَبعَثُ نَفسَه، والفِعلُ مُسنَدٌ إلى الرَّبّ.

«مَقَامًا مَّحْمُودًا»: مُنَكَّرٌ يَبقى مُنَكَّراً

و«مَقَامًا مَّحْمُودًا» كَلِمَتانِ، كِلتاهُما نَكِرة، ولَو أُريدَ التَّعيينُ لَكانَ في اللِّسانِ ما يُعَيِّن: أداةُ تَعريف، أو إضافة، أو صِلة، ولم يَجِئْ من ذلك شَيء.

و«مَحْمُودًا» صِفةٌ لِـ«مَقَامًا»، تَتبَعُه في تَنكيرِه ونَصبِه، فالمَحمودُ في اللَّفظِ هو المَقام، والمَوصوفُ مَوضِعُ القِيامِ دونَ القائِمِ فيه.

وهذا الفَرقُ تُبَيِّنُه السّورةُ بِنَفسِها، فقد وَضَعَت «مَذْمُومًا» مَرَّتَينِ وَصفاً مُنَكَّراً على صاحِبِ الحال، في يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ وفَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، والذَّمُّ هُناكَ لاحِقٌ بِمَن يَصلى وبِمَن يَقعُد، والحَمدُ هُنا لاحِقٌ بِالمَقامِ لا بِمَن بُعِثَ إليه، فهُناكَ قُعودٌ يُذَمُّ صاحِبُه، وهُنا مَقامٌ يُحمَدُ هو نَفسُه.

وفَوقَ ذلك كُلِّه «عَسَىٰ»، فالمَوضِعُ غَيرُ مُسَمّى، والحامِدُ غَيرُ مَذكور، والوَقتُ غَيرُ مَضروب، والجُملةُ كُلُّها تَحتَ رَجاء، وتِلكَ أربَعةُ أبوابٍ لم تُفتَح، وما لم تَفتَحْه الآيةُ لا يُفتَحُ عَلَيها.


حَصيلة

قِطعةٌ تُقتَطَعُ من لَيلٍ كانَ في الآيةِ قَبلَها حَدّاً يُنتَهى إليه، فصارَ مَعدِناً يُؤخَذُ مِنه. ثُمَّ يَأتي فِعلٌ يَحمِلُ اسمَ ما يُزيلُه، «تَهَجَّدْ»، على وَزنٍ يُلقي عن النَّفسِ ما اشتُقَّ مِنه، فيَبقى النَّومُ في اللَّفظِ وهو مَطروحٌ في المَعنى. ثُمَّ «نَافِلَةً»، وهي زِيادةٌ تَقتَضي مَزيداً عَلَيه لم يُذكَر، ولامٌ تُضيفُها إلى المُخاطَبِ ولا تُفَسِّر. ثُمَّ «عَسَىٰ» تَتَصَدَّرُ ما بَقِيَ فتُدخِلُ تَحتَها البَعثَ والمَقامَ والوَصفَ جَميعاً. ويُختَمُ بِنَكِرَتَين: مَوضِعُ قِيامٍ لا يُسَمّى، ووَصفٌ يَتبَعُه في تَنكيرِه فيَقَعُ الحَمدُ على المَقامِ نَفسِه، بِخِلافِ ما فَعَلَتْه السّورةُ حينَ وَضَعَتِ الذَّمَّ على القاعِدِ لا على قُعودِه. ويَقومُ اللَّيلُ كُلُّه على كَلِمةِ رَجاء، ولا يُزادُ على ما تَرَكَتْه الآيةُ مُبهَماً.