البقرة · الآية 254

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ

النِّداءُ بِـ«يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا» تَفعيلُ الإيمانِ لا مُجَرَّدُ إثباتِه

النِّداءُ هُنا بِصيغةِ «يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا» يُخاطِبُ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ أصلًا، لا الكافِرَ، والقُرآنُ يَستَعمِلُ هَذا النِّداءَ حينَ يُريدُ تَحويلَ الإيمانِ مِن إقرارٍ نَظَريٍّ إلى فِعلٍ عَمَليّ. والمَعنى أنَّ مَن كانَ مُؤمِنًا لا يَكفيه الإقرار، ويَلزَمُه الفِعلُ المالِيُّ قَبلَ فَواتِ الفُرصة.

(ن ف ق) و(ر ز ق): الإنفاقُ مِن الرِّزقِ لا مِن المِلك

أصلُ (ن ف ق) النَّفَق، وهو الطَّريقُ تَحتَ الأرض، ومِنه «أنفَقَ» أي أخرَجَ المالَ حَتّى لَم يَبقَ مِنه شَيء، ومَدارُ (ر ز ق) عَلى العَطاءِ المُتَتابِع. والصِّياغةُ «أنفِقوا مِمّا رَزَقناكم» تَضَعُ قَيدَينِ مَعًا: أنَّ المالَ الذي تُنفِقونَه رِزقٌ مَنَحَكُموه، وليسَ مِلكَكُمُ الأصليّ، وأنَّ الإنفاقَ جُزئيٌّ بِدَلالةِ «مِمّا»، غَيرُ كُلِّيّ. فالتَّعبيرُ يُفَرِّقُ بَينَ صاحِبِ المالِ الحَقيقيِّ وحامِلِه مُؤَقَّتًا.

(ق ب ل): مَرجِعيَّةُ الزَّمَنِ في الإنفاق

و«مِن قَبلِ أن يَأتيَ يَومٌ» شَرطٌ زَمَنيّ، والجَذرُ (ق ب ل) يَدُلُّ عَلى ما هو أمامَ الشَّيءِ دونَ ما بَعدَه. ودَلالةُ «قَبلِ» هُنا تُثبِتُ أنَّ لِلإنفاقِ نافِذةً زَمَنيَّةً مَحدودة، وأنَّ فَواتَها يُغلِقُ البابَ نِهائيًّا. والآيةُ لا تَذكُرُ المَوتَ صَراحةً، غَيرَ أنَّ اليَومَ المَقصودَ هو يَومُ القِيامة، أو لَحظةُ المَوتِ التي تُفضي إلى ذَلِكَ اليَوم.

«يَومٌ» نَكِرة: الإبهامُ الذي يُفيدُ الهَيبة

وعُدِلَ عَن «يَومَ القِيامة» إلى «يَومٌ» نَكِرة، وتَنكيرُه هُنا يُفيدُ التَّفخيمَ والتَّهويل، فاليَومُ الذي لا يُحَدَّدُ اسمُه ولا تَوقيتُه لَه وَقعٌ أشَدُّ مِن اليَومِ المُسَمّى، والنَّفسُ لا تَملِكُ عَلَيه سُلطانَ التَّحديدِ ولا التَّأجيل. وهَذا أسلوبٌ قُرآنيٌّ مُتَكَرِّرٌ حينَ يُرادُ التَّذكيرُ بِالمَصيرِ دونَ حِسابٍ تَقويميّ.

(ب ي ع): إلغاءُ آليَّةِ الفِداءِ المالِيّ

ومادّةُ (ب ي ع) تَبادُلُ السِّلَعِ بِالثَّمَن، وقَولُه «لا بَيعَ فيه» يَعني أنَّ آليّةَ الفِداءِ المالِيّ التي يَعتَمِدُها النّاسُ في الدُّنيا لِدَفعِ العُقوبةِ مُعَطَّلةٌ في ذَلِكَ اليَوم، فالمالُ الذي يُستَعمَلُ الآنَ لِرَشوةِ قاضٍ أو دَفعِ دِيةٍ أو شِراءِ حُرِّيَّةٍ لا قيمةَ لَه هُناك. وبِهذا يَظهَرُ أنَّ الآيةَ تُخاطِبُ البُنيةَ الاقتِصاديَّةَ لِلنَّجاةِ في الوَعيِ البَشَريّ.

(خ ل ل): إلغاءُ آليَّةِ العَلاقاتِ الاجتِماعيَّة

وأصلُ (خ ل ل) الفُرجةُ بَينَ الشَّيئَين، ومِنه «الخَليل»، وهو الصَّديقُ الذي تَخَلَّلَ القَلبَ حَتّى دَخَلَ في شُقوقِه، و«الخُلَّة» الصَّداقةُ المُتَعَمِّقةُ التي تَتَجاوَزُ المَعرِفةَ السَّطحيَّة. فالإلغاءُ في الآيةِ يَشمَلُ أقرَبَ دَوائِرِ العَلاقات، ولا يَقتَصِرُ عَلى الصَّداقةِ العامّة، والخَليلُ الذي كانَ صاحِبُه يَعتَمِدُ عَلَيه لا يُمكِنُه أن يَفدِيَه.

(ش ف ع): إلغاءُ آليَّةِ الوَساطة

والجَذرُ (ش ف ع) أصلُه ضَمُّ الواحِدِ إلى الواحِدِ لِيَصيرا اثنَين، و«الشَّفاعة» أن يَنضَمَّ الشّافِعُ إلى المَشفوعِ لَه فيَكونا طَرَفَينِ أمامَ سُلطةٍ أعلى. ونَفيُ الشَّفاعةِ هُنا مُقَيَّد، إذ يُثبِتُ القُرآنُ في آياتٍ أُخرى شَفاعةً بِإذنِ اللهِ لِمَن يَرتَضي، فالمَنفيُّ هُنا هو الشَّفاعةُ المُستَقِلَّةُ غَيرُ المَأذونِ بِها، لا كُلُّ شَفاعة. وذِكرُ البَيعِ والخُلَّةِ والشَّفاعةِ بِهَذا التَّرتيبِ مَقصود، فهو تَدَرُّجٌ مِن المَنفَعةِ المادِّيَّةِ إلى المَنفَعةِ العاطِفيَّةِ إلى المَنفَعةِ الإداريَّة، وكُلُّ أدَواتِ النَّجاةِ الدُّنيَويَّةِ مُلغاةٌ فيه.

«والكافِرونَ هُمُ الظّالِمون»: إعادةُ تَعريفِ الظُّلم

وتَقرِنُ الخاتِمةُ بَينَ «الكافِرون» و«الظّالِمون» بِضَميرِ الفَصلِ «هُم» الذي يُفيدُ الحَصر. والظُّلمُ أصلُه هُنا في (ظ ل م) وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَحَلِّه، زِيادةً عَلى ما فيه مِنَ العُدوانِ عَلى الغَير. والذي يَكفُرُ يَضَعُ جُحودَه في غَيرِ مَحَلِّه، فيَجحَدُ المُنعِمَ الذي رَزَقَه، ويَمتَنِعُ عَن الإنفاقِ الذي يُنقِذُه، فهو يَظلِمُ نَفسَه قَبلَ أن يَظلِمَ غَيرَه.

(ك ف ر): الكُفرُ كَجُحودٍ لِلنِّعمة، لا مُجَرَّدُ نَفيٍ لِلعَقيدة

وأصلُ (ك ف ر) التَّغطيةُ والسَّتر، ومِنه «الفَلّاحُ» الذي يَكفُرُ الحَبَّ أي يُغَطّيه بِالتُّراب، و«الكافِر» في الاستِعمالِ القُرآنيِّ مَن غَطّى النِّعمةَ بِجُحودِها. وفي هَذا السِّياقِ الخاصِّ بِالإنفاقِ لِلكُفرِ وَجهٌ اقتِصاديٌّ واضِح، هو الامتِناعُ عَن الإنفاقِ مَعَ الإقرارِ بِالحَقِّ نَظَريًّا أو الجُحودِ بِه عَمَليًّا. والمُؤَكَّدُ أنَّ الآيةَ تَستَعمِلُ «الكافِر» بِمَعنى الجاحِدِ لِنِعمةِ الرِّزقِ الذي يَرى في إنفاقِه خُسارة، ولا تَقتَصِرُ بِه عَلى مَعناه الكَلاميِّ المُتَأخِّر.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فدَورُ «الإنفاقِ قَبلَ الفَوات» يَسبِقُ دَورَ الاعتِمادِ عَلى البَيعِ والخُلَّةِ والشَّفاعة، ودَورُ «جُحودِ النِّعمة» يَسبِقُ تَسميةَ الكافِر، والظُّلمُ في الآيةِ يُعَرَّفُ بِوَضعِ المالِ في غَيرِ مَحَلِّه قَبلَ أن يُعَرَّفَ بِالاعتِداءِ عَلى الغَير.


حَصيلة

نِداءٌ مُباشِرٌ لِمَن أقَرَّ بِالإيمانِ دونَ الكافِر، يُرادُ بِه تَحويلُ الإقرارِ النَّظَريِّ إلى فِعلٍ ماليٍّ قَبلَ فَواتِ الأوان: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾. و«أنفِقوا» مِن (ن-ف-ق)، وأصلُه النَّفَق، وهو طَريقٌ يَنفُذُ تَحتَ الأرضِ لا رَجعةَ مِنه بِنَفسِ الاتِّجاه، فالإنفاقُ إخراجٌ بِلا استِردادٍ نَفسيّ. وفي «مِمّا رَزَقناكم» قَيدانِ مَعاً: أنَّ المالَ رِزقٌ مُعطًى مِن (ر-ز-ق)، غَيرُ مِلكٍ أصليّ، وأنَّ الإنفاقَ بِـ«مِن» جُزئيٌّ لا كُلّيّ. ثُمَّ الحُدودُ الزَّمَنيَّة: «مِن قَبلِ أن يَأتيَ يَومٌ»، و«يَومٌ» نَكِرةٌ لِلتَّفخيم، وما لا يُسَمَّى ولا يُؤَرَّخُ أشَدُّ وَطأةً مِمّا يُحَدَّد. وذَلِكَ اليَومُ يُلغي ثَلاثَ آلياتٍ تَعتَمِدُها النَّفسُ لِلنَّجاةِ في الدُّنيا: «لا بَيعٌ» مِن (ب-ي-ع)، وبِه يَسقُطُ الفِداءُ المالِيّ، «ولا خُلَّة» مِن (خ-ل-ل)، فالصَّديقُ الذي تَخَلَّلَ القَلبَ لا يُغني عَن صاحِبِه، «ولا شَفاعة» مِن (ش-ف-ع)، فتَسقُطُ الوَساطةُ المُستَقِلَّةُ غَيرُ المَأذونِ بِها، والتَّرتيبُ مَقصودٌ مِنَ المادِّيِّ إلى العاطِفيِّ إلى الإداريّ. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِقَولِه: «والكافِرونَ هُمُ الظّالِمون»، وضَميرُ الفَصلِ «هُم» يُفيدُ الحَصر، و«الكافِرون» هُنا جاحِدو نِعمةِ الرِّزقِ الذينَ يَرَونَ في الإنفاقِ خُسارة، و«الظّالِمون» مِن (ظ-ل-م)، وهو وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، والظُّلمُ يَبدأُ بِالنَّفسِ قَبلَ غَيرِها.