النساء · الآية 117

﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا

«إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ»: دُعاءٌ يَتَّجِهُ إلى ما دونَ الله

تَتَّصِلُ الآيةُ بِما قَبلَها اتِّصالَ الضَّمير: الهاءُ في «دونِه» تَعودُ على اسمِ اللهِ في الآيةِ السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، والفاعِلُ في «يَدعون» جَمعٌ لم تُسَمِّه الآية، وأقرَبُ ما يَرجِعُ إلَيه هُناكَ «مَن يُشرِكْ بِاللهِ»، و«مَن» تَصلُحُ لِلواحِدِ والجَمع. فالآيةُ تُري الإشراكَ الذي خُتِمَت بِه تِلكَ الآيةُ فِعلاً مَشهوداً: دُعاءً يَتَّجِهُ إلى ما دونَ الله. والدُّعاءُ من د-ع-و، أن يُميلَ المَرءُ الشَّيءَ إلَيه بِصَوتٍ وكَلامٍ يَخرُجُ مِنه، فالدّاعي يَطلُبُ إقبالَ المَدعُوِّ عَلَيه، ويَعقِدُ رَجاءَه بِأن يُجيب. و«يَدعون» مُضارِعٌ، فالدُّعاءُ عادةٌ قائمةٌ تَتَكَرَّر.

«إِلَّا إِنَاثًا»: ما يُدعى لَيِّنٌ لا يَصلُب

و«إن» هُنا نافِيةٌ، و«إلّا» تَحصُرُ ما بَعدَها، فكُلُّ ما يَدعونَه من دونِه يَجتَمِعُ تَحتَ لَفظٍ واحِد: «إناثاً». والإناثُ جَمعُ أُنثى، من أ-ن-ث، والجِذرُ يَدورُ على لينٍ يَقبَلُ ما يَقَعُ عَلَيه ولا يَصلُبُ دونَه، فالأُنثى خِلافُ الذَّكَر، ويُقالُ «حَديدٌ أنيثٌ» لِما لانَ فلم يَكُن صُلباً قاطِعاً، و«أرضٌ أنيثةٌ» لِلسَّهلةِ اللَّيِّنةِ التي تُنبِت. فالآيةُ تَصِفُ ما يُدعى بِصِفةٍ من هذا الجِذر: لينٌ يَقبَلُ ولا يَمتَنِع، وتَترُكُ أعيانَه مُبهَمةً في جَمعٍ مُنَكَّر.

وهذا اللّينُ يَلتَقي بِما يَصِفُ بِه الكِتابُ المَدعُوّينَ من دونِ اللهِ في مَوضِعٍ آخَر: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾، فالمَدعُوُّ هُناكَ لا يَصلُبُ لِيَنصُرَ داعيَه ولا لِيَنصُرَ نَفسَه. والحَصرُ هُنا يَضَعُ الدُّعاءَ كُلَّه على ما هذه صِفَتُه: يُطلَبُ مِنه الإقبالُ على الدّاعي، وهو مِمّا يَلينُ فلا يَقومُ بِأمرِ مَن يَدعوه.

«وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا»: الدُّعاءُ الواحِدُ يَنتَهي إلى شَيطان

ثُمَّ يُعادُ التَّركيبُ بِلَفظِه: «وإن يَدعونَ إلّا شَيطاناً»، الفِعلُ نَفسُه والفاعِلُ نَفسُه، والحَصرُ هذه المَرّةَ على مَدعُوٍّ آخَر. والحَصرانِ واقِعانِ على دُعاءٍ واحِد، وأقرَبُ ما يَجتَمِعانِ عَلَيه أن يَكونَ الأوَّلُ خَبَراً عمّا يَتَّجِهُ إلَيه الدُّعاء، والثّاني خَبَراً عَمَّن يَبلُغُه: يَدعونَ إناثاً، ولا يَصِلُ دُعاؤهُم إلّا إلى شَيطان. ويَتَقابَلُ المَدعُوّانِ في العَدَدِ والصِّفة: جَمعٌ يُوصَفُ بِاللّين، وواحِدٌ يُوصَفُ بِالعُتُوّ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ هذا الواحِدُ ويُقسِمُ في الآيَتَينِ الثّامِنةَ عَشرةَ والتّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، ولا يُسمَعُ لِلإناثِ فيهِما صَوت.

والشَّيطانُ جاءَ هُنا نَكِرةً مَوصوفة: «شَيطاناً مَريداً»، فالآيةُ تُعَرِّفُه أوَّلَ ما تَذكُرُه بِصِفَتِه، ثُمَّ يَأتي الاسمُ مُعَرَّفاً بِـ«ال» في الآيَتَينِ التّاسِعةَ عَشرةَ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: «ومَن يَتَّخِذِ الشَّيطانَ» و«وما يَعِدُهُمُ الشَّيطان». وقد جاءَ اسمُه في السّورةِ من قَبلُ، وجِذرُه ش-ط-ن يَحمِلُ البُعدَ، وتَزيدُه هذه الآيةُ صِفةً ثانِية: البَعيدُ عن أصلِه أملَسُ لا يَعلَقُ بِه شَيء.

«مَّرِيدًا»: أملَسُ ثَبَتَ على عُتُوِّه

والمَريدُ من م-ر-د، والجِذرُ يَدورُ على مَلاسةٍ يَمضي عَلَيها ما يَمَسُّها فلا يَعلَق: «الأمرَدُ» مَن لم يَنبُتْ في وَجهِه شَعر، و«شَجَرةٌ مَرداءُ» لا وَرَقَ عَلَيها، وفي الكِتابِ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ لِبِناءٍ مُمَلَّسٍ من زُجاج. ومن هذه المَلاسةِ «مَرَدَ على الأمرِ» إذا مَرَنَ عَلَيه حتّى لا يَنفَكَّ عَنه، كما في مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. فالمَريدُ مَن تَجَرَّدَ حتّى لم يَبقَ فيه ما يَعلَقُ بِه خَير، ومَضى على عُتُوِّه حتّى صارَ لَه طَبعاً، وبِناءُ «فَعيل» يُثبِتُ الصِّفةَ فيه.

ويَرِدُ الجِذرُ في الكِتابِ خَمسَ مَرّات، ثَلاثٌ مِنها صِفةٌ لِشَيطان: هُنا، وفي وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾، وفي وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾، والمَوضِعانِ الآخَرانِ هُما الصَّرحُ المُمَرَّدُ والمَرَدُ على النِّفاق. فالآيةُ تَضَعُ في آخِرِها صِفةً تُقابِلُ صِفةَ الإناث: هُناكَ لينٌ يَقبَلُ ما يَقَعُ عَلَيه، وهُنا مَلاسةٌ لا يَعلَقُ بِها شَيء، والدُّعاءُ الواحِدُ يَتَّجِهُ إلى الأوَّلِ ويَنتَهي إلى الثّاني.


حَصيلة

تُري الآيةُ الإشراكَ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ دُعاءً، من د-ع-و، يُطلَبُ بِه إقبالُ ما دونَ الله، وتَحصُرُه مَرَّتَين بِـ«إن ... إلّا». في الحَصرِ الأوَّلِ يَجتَمِعُ المَدعُوُّ كُلُّه تَحتَ «إناثاً»، من أ-ن-ث، لينٌ يَقبَلُ ولا يَصلُب، وأعيانُه مُبهَمةٌ في جَمعٍ مُنَكَّر، والكِتابُ يَصِفُ المَدعُوّينَ من دونِه بِأنَّهُم لا يَنصُرونَ داعيَهُم ولا أنفُسَهُم. وفي الحَصرِ الثّاني يُسَمّى مَن يَبلُغُه الدُّعاء: شَيطانٌ نَكِرةٌ يُعَرَّفُ في هذا المَقطَعِ بِصِفَتِه قَبلَ أن يُعادَ مُعَرَّفاً بِـ«ال»، «مَريدٌ» من م-ر-د، أملَسُ لا يَعلَقُ بِه خَير، ثَبَتَ على عُتُوِّه. فالدُّعاءُ الواحِدُ يَتَّجِهُ إلى ما يَلين، ويَنتَهي إلى مَن لا يَعلَقُ بِه شَيء، وهو الذي يَتَكَلَّمُ في الآيَتَينِ الثّامِنةَ عَشرةَ والتّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة.