النساء · الآية 116

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ»: قاعِدةٌ تَعودُ بِلَفظِها في مَوضِعٍ ثانٍ

تَعودُ في هذه الآيةِ القاعِدةُ التي جاءَت في الآيةِ الثّامِنةِ والأربَعين، بِلَفظِها حتّى «ومَن يُشرِكْ بِاللهِ فقَد»، ثُمَّ تَفتَرِقُ الخاتِمَتان. وهي تَقَعُ هُنا بَينَ آيةٍ في مَن يَتَّبِعُ غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنين، وآياتٍ بَعدَها في مَن يُدعى من دونِ الله. والغَفرُ من غ-ف-ر، سِترٌ يُلقى على الشَّيءِ فيَغمُرُه ويَصونُه، والمَمنوعُ مِنه «أن يُشرَكَ بِه»، فِعلٌ طُوِيَ فاعِلُه فوَقَعَ المَنعُ على الفِعلِ نَفسِه. والإشراكُ من ش-ر-ك، أن تَجتَمِعَ أيدٍ على شَيءٍ فتَتَداخَلَ فيه، والمَمنوعُ من السِّترِ أن يُجعَلَ مَعَ اللهِ شَريكٌ يُداخِلُه في ما لا يَقبَلُ القِسمة.

ثُمَّ يُثبَتُ الفِعلُ نَفسُه: «ويَغفِرُ ما دونَ ذلك لِمَن يَشاء». و«دونَ» من د-و-ن، ما يَقَعُ في رُتبةٍ تَحتَ غَيرِه، فـ«ما دونَ ذلك» كُلُّ ما يَنزِلُ عن الإشراك، والسِّترُ فيه مَعقودٌ بِالمَشيئة. ويَعودُ الجِذرُ في الآيةِ التّالِيةِ بِوَجهٍ آخَر: إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، و«مِن دونِه» هُناكَ ما يُتَّخَذُ سِوى الله. فالجِذرُ الواحِدُ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَينِ يَضَعُ ما هو «دونَ» الإشراكِ في مَوضِعِ السِّترِ المَعقودِ بِالمَشيئة، ويَضَعُ ما يُدعى «من دونِ» اللهِ في مَوضِعِ الإشراكِ نَفسِه.

«فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا»: خاتِمةٌ على صورةِ الطَّريق

ثُمَّ يَظهَرُ الفاعِلُ في «ومَن يُشرِكْ بِاللهِ»، وجَوابُه هُنا «فقَد ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً». والضَّلالُ من ض-ل-ل، سائرٌ يَخرُجُ إلى الفَضاءِ فيَنسابُ فيه حتّى يَغيبَ عَنه الطَّريق، و«ضَلَّ» فِعلٌ لازِمٌ يَقَعُ في صاحِبِه، ويَتلوه «ضَلالاً» من لَفظِه يُؤَكِّدُه، ثُمَّ «بَعيداً» يَصِفُ مَداه. والبُعدُ من ب-ع-د، مَوقِعٌ تَجاوَزَ القُربَ وثَبَتَ وَراءَه، فالمُشرِكُ يَمضي في الفَضاءِ حتّى يَثبُتَ في مَوضِعٍ جاوَزَ فيه قُربَ الطَّريق. والجِذرُ نَفسُه في الآيةِ السّابِقةِ زَمانٌ: «من بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَه الهُدى»، وهو هُنا مَسافة.

وبِهذا تَفتَرِقُ الآيةُ عن أُختِها في الثّامِنةِ والأربَعين، وخاتِمَتُها هُناكَ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾: الفِعلُ هُناكَ واقِعٌ على مَصنوعٍ يَحمِلُه صاحِبُه، والفِعلُ هُنا لازِمٌ يَصِفُ مَسيرَ صاحِبِه. فالقاعِدةُ في المَوضِعَينِ واحِدة، والخاتِمَتانِ تَنظُرانِ إلى الإشراكِ من جِهَتَين: ما يَصنَعُه المُشرِكُ فيَحمِلُه، وما يَصيرُ إلَيه في طَريقِه. وهذه الجِهةُ الثّانيةُ تُلائمُ ما حَولَ الآيةِ هُنا: قَبلَها سَبيلٌ يُترَكُ وغَيرُه يُتَّبَعُ ومَصيرٌ يُنتَهى إلَيه، وبَعدَها ما يَقولُه الشَّيطانُ في التّاسِعةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾.

«ضَلَالًا بَعِيدًا»: عِبارةٌ تَخُصُّ هذه السّورة

و«ضَلالاً بَعيداً» بِهذا اللَّفظِ خاصٌّ بِهذه السّورةِ في الكِتاب، جاءَ فيها أربَعَ مَرّات: في الآيةِ السِّتّين وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وهُنا، وفي السّادِسةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ في مَن يَكفُرُ بِاللهِ ومَلائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِر، وفي السّابِعةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئةِ في الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. والبُعدُ في المَرّةِ الأولى مُرادٌ لِلشَّيطانِ بِقَومٍ يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت، وهُنا حالٌ يَصيرُ إلَيها مَن يُشرِكُ بِالله، والآيةُ التّالِيةُ تُسَمّي الشَّيطانَ في ما يُدعى من دونِه: وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾. فالضَّلالُ البَعيدُ في هذه السّورةِ يَقتَرِنُ بِذِكرِ الشَّيطانِ في أوَّلِ مَواضِعِه في الآيةِ نَفسِها، وفي هذا المَوضِعِ في الآيةِ التّالِيةِ لَه.


حَصيلة

تَعودُ الآيةُ بِلَفظِ الثّامِنةِ والأربَعينَ حتّى «فقَد»: الغَفرُ من غ-ف-ر سِترٌ يَغمُرُ ويَصون، مَمنوعٌ عن الإشراك، وهو من ش-ر-ك أن يُجعَلَ مَعَ اللهِ مَن يُداخِلُه في ما هو لَه، ومَبسوطٌ على «ما دونَ ذلك» لِمَن يَشاء، والجِذرُ د-و-ن يَعودُ في الآيةِ التّالِيةِ لِما يُدعى من دونِ الله. ثُمَّ تَفتَرِقُ الخاتِمةُ عن أُختِها: هُناكَ افتِراءٌ يُصنَعُ ويُحمَل، وهُنا ضَلالٌ من ض-ل-ل يَقَعُ في صاحِبِه ويَمضي بِه، مَوصوفٌ بِالبُعدِ من ب-ع-د، مَسافةٍ جاوَزَ بِها قُربَ الطَّريق، فتُلائمُ الخاتِمةُ ما حَولَها من سَبيلٍ ومَصيرٍ وإضلال. و«ضَلالاً بَعيداً» عِبارةٌ خاصّةٌ بِهذه السّورة، جاءَت فيها أربَعاً، ويَقتَرِنُ أوَّلُ مَواضِعِها بِذِكرِ الشَّيطانِ في الآيةِ نَفسِها، وهذا المَوضِعُ بِذِكرِه في الآيةِ التّالِية.