النساء · الآية 118

﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

«لَّعَنَهُ اللَّهُ»: إبعادٌ يَقَعُ على مَن يَحمِلُ البُعدَ في اسمِه

تَبدَأُ الآيةُ بِفِعلٍ ماضٍ فاعِلُه الله: «لَعَنَهُ اللهُ»، والهاءُ فيه تَعودُ على «شَيطاناً مَريداً» في آخِرِ الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة. والجُملةُ تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ صِفةً ثانِيةً لِلشَّيطانِ بَعدَ «مَريداً»، فهو شَيطانٌ مَريدٌ لَعَنَه الله، وأن تَكونَ كَلاماً مُستَأنَفاً يُخبِرُ عَنه أو يَدعو عَلَيه. واللَّعنُ من ل-ع-ن، فَصلٌ حادٌّ يُخرِجُ المَفصولَ من القُربِ إلى البُعد، وقد جاءَ في هذه السّورةِ قَبلَ هذا المَوضِعِ واقِعاً على بَشَر، ويَقَعُ هُنا على الشَّيطان.

وفي الجُملةِ لِقاءٌ بَينَ جِذرَين: الشَّيطانُ اسمٌ من ش-ط-ن يَحمِلُ البُعدَ عن الأصل، واللَّعنُ إبعادٌ يَقَعُ عَلَيه من خارِجِه، فالذي يَحمِلُ البُعدَ في اسمِه يُبعَدُ بِفِعلِ الله. وجاءَ الفِعلُ ماضِياً في صَدرِ الآية، فإن كانَ خَبَراً أو صِفةً فالإبعادُ ثابِتٌ قَبلَ أن يُسمَعَ من المُبعَدِ كَلام، وكُلُّ ما سيَقولُه بَعدَه يَقولُه وهو مُبعَد.

«وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ»: قَسَمٌ على أخذٍ لِلنَّفس

ثُمَّ «وقالَ»، وفاعِلُه الشَّيطانُ دونَ الاسمِ الذي يَليه في اللَّفظ، ويُعَيِّنُه ما في قَولِه: «من عِبادِكَ»، فالقائلُ يُخاطِبُ اللهَ بِكافِ الخِطاب، فهو غَيرُه. وفي النَّصِّ عَلامةُ وَقفٍ لازِمٍ بَعدَ «لَعَنَهُ الله»، فيُفصَلُ في التِّلاوةِ بَينَ الاسمِ و«قال» كما يَفصِلُ بَينَهُما المَعنى. والقَولُ من ق-و-ل، وهو الجِذرُ الذي تُختَمُ بِه الآيةُ الثّانيةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئة: «ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ قيلاً».

و«لَأَتَّخِذَنَّ» جَوابُ قَسَمٍ طُوِيَ لَفظُه، تَدُلُّ عَلَيه اللّامُ المَفتوحةُ في صَدرِه ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلةُ في عَجُزِه، وهو أوَّلُ سَبعةِ أفعالٍ تَأتي على هذه الهَيئةِ إلى آخِرِ قَولِه في الآيةِ التّاسِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة. والفِعلُ من أ-خ-ذ على «افتَعَلَ»، والأخذُ يَدٌ تَنفُذُ إلى الشَّيءِ حتّى تَنالَه، والافتِعالُ يَرُدُّ الأخذَ على الآخِذ، فالاتِّخاذُ أخذٌ لِلنَّفسِ يَجعَلُ المَأخوذَ لِصاحِبِه. فالشَّيطانُ يُقسِمُ أن يَقتَطِعَ لِنَفسِه، ويَعودُ الفِعلُ نَفسُه في الآيةِ التّالِيةِ من الجِهةِ الأُخرى: «ومَن يَتَّخِذِ الشَّيطانَ وَلِيّاً».

«مِنْ عِبَادِكَ»: حِصّةٌ تُقتَطَعُ مِمّا هو لِغَيرِ المُقتَطِع

و«مِن عِبادِكَ» تُعَيِّنُ ما يُؤخَذُ مِنه، و«مِن» لِلتَّبعيض، فالمَأخوذُ بَعضٌ من كُلّ. والعِبادُ جَمعُ عَبد، من ع-ب-د، والجِذرُ يَدورُ على ما يُذَلَّلُ لِمَن يُمسِكُه فيَلزَمُه، ومنه «الطَّريقُ المُعَبَّدُ» الذي ذَلَّلَته الأقدامُ حتّى استَوى. وقد أُضيفَ الجَمعُ إلى كافِ الخِطاب: «عِبادِكَ»، فالشَّيطانُ يُسَمّيهِم في قَسَمِه بِمَن هُم لَه، ويُقسِمُ أن يَقتَطِعَ لِنَفسِه حِصّةً من قَومٍ هُم لِغَيرِه.

«نَصِيبًا مَّفْرُوضًا»: لَفظا القِسمةِ في قَولِ الشَّيطان

والمَأخوذُ «نَصيباً مَفروضاً»، وهذانِ اللَّفظانِ مُجتَمِعَينِ على هذه الهَيئةِ لا يَرِدانِ في الكِتابِ إلّا في مَوضِعَين، كِلاهُما في هذه السّورة: هُنا، وفي آخِرِ الآيةِ السّابِعة، حينَ أُقيمَت لِكُلٍّ من الرِّجالِ والنِّساءِ حِصّةٌ في مالِ الوالِدَينِ والأقرَبين. والنَّصيبُ من ن-ص-ب، حِصّةٌ تُقامُ ظاهِرةً لِصاحِبِها، والمَفروضُ من ف-ر-ض، مَحزوزٌ في الشَّيءِ ثابِتُ الحَدّ. فالتَّركيبُ الذي قُسِمَ بِه المالُ المَتروكُ بَينَ النّاسِ هُناك، يَجعَلُ النّاسَ أنفُسَهُم هُنا هُمُ الحِصّةَ المَأخوذة.

ومَن يَحُزُّ الحِصَصَ هُناكَ مُسَمّىً في السّورة، إذ خُتِمَت قِسمةُ الأولادِ والأبَوَينِ في الآيةِ الحادِيةَ عَشرةَ بِقَولِه: فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾. أمّا هُنا فـ«مَفروضاً» اسمُ مَفعولٍ طُوِيَ فاعِلُه في قَولِ الشَّيطان، فيَبقى مَن يَحُزُّ هذه الحِصّةَ مَفتوحاً في العِبارة. والثّابِتُ فيها أنَّ المُبعَدَ يَستَعمِلُ لِدَعواهُ اللَّفظَينِ اللَّذَينِ أُقيمَت بِهِما حُقوقُ الوَرَثة.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِلَعنِ اللهِ لِلشَّيطانِ المَريد، واللَّعنُ من ل-ع-ن فَصلٌ حادٌّ يُخرِجُ من القُربِ إلى البُعد، يَقَعُ على مَن يَحمِلُ البُعدَ في اسمِه، والجُملةُ صِفةٌ لَه أو كَلامٌ مُستَأنَف. ثُمَّ يَتَكَلَّمُ المُبعَدُ، يُخاطِبُ اللهَ بِكافِ الخِطاب، فيُقسِمُ بِأوَّلِ سَبعةِ أفعالٍ مُؤَكَّدةٍ أن يَتَّخِذَ، من أ-خ-ذ على الافتِعال، أخذاً لِنَفسِه من عِبادِ الله، والعِبادُ من ع-ب-د مُضافونَ إلى مَن هُم لَه. والمَأخوذُ «نَصيباً مَفروضاً»، اللَّفظانِ اللَّذانِ لا يَجتَمِعانِ في الكِتابِ إلّا هُنا وفي الآيةِ السّابِعة، حيثُ أُقيمَت حِصَصُ الرِّجالِ والنِّساءِ مِمّا يُترَك، فيَصيرُ النّاسُ في هذا المَوضِعِ هُمُ الحِصّة، ويَبقى حازُّها مَطوِيّاً في اسمِ المَفعول.