النساء · الآية 59

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

«أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»: انقيادٌ يَحمِلُه فِعلان

تُنادي الآيةُ «الَّذينَ آمَنوا»، والجِذرُ الذي نُودوا بِه هو جِذرُ الأماناتِ في الآيةِ السّابِقة، وأوَّلُ ما تَطلُبُه مِنهُمُ الطّاعة: «أطيعوا». والطّاعةُ من ط-و-ع، لينٌ يَنقادُ بِه المَرءُ لِغَيرِه فيَجري مَعَه في مَسلَكٍ مَرسوم، وهي خِلافُ الكُره، يُقالُ طاعَ لَه وأطاعَه إذا لانَ لِأمرِه وانقادَ. والفِعلُ في الآيةِ أمرٌ مُوَجَّهٌ إلى الجَماعةِ كُلِّها، يَطلُبُ مِنها هذا اللّينَ في جِهاتٍ يُسَمّيها.

وقد جاءَ فِعلُ الطّاعةِ في الآيةِ مَرَّتَين: «أطيعوا اللهَ» ثُمَّ «وأطيعوا الرَّسولَ»، ثُمَّ عُطِفَ «وأولي الأمرِ مِنكُم» على الرَّسولِ تَحتَ الفِعلِ الثّاني، ولم يَتَقَدَّمْهُم فِعلٌ ثالِث. فالمُطاعونَ في الآيةِ ثَلاثة، يَحمِلُهُم فِعلان: فِعلٌ لِلهِ وَحدَه، وفِعلٌ يَجمَعُ الرَّسولَ وأولي الأمر.

«وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ»: أصحابُ الشَّأنِ من الجَماعةِ نَفسِها

و«أولي» بِمَعنى «ذَوي»، أي أصحاب، والأمرُ من أ-م-ر، الجِذرِ الذي افتُتِحَت بِه الآيةُ السّابِقةُ «إنَّ اللهَ يَأمُرُكُم»، وهو يَجمَعُ الطَّلَبَ الذي يُؤمَرُ بِه والشَّأنَ الذي يُقامُ عَلَيه. فـ«أولو الأمرِ» أصحابُ الشَّأنِ الذي في أيديهِم، و«مِنكُم» تَجعَلُهُم من المُنادَينَ أنفُسِهِم، الَّذينَ آمَنوا. والآيةُ تَصِفُهُم بِهذَين، بِالأمرِ الذي يَقومونَ عَلَيه وبِأنَّهُم من الجَماعة، وتَترُكُ أعيانَهُم مَفتوحة.

«فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ»: قَلعٌ مُتَبادَلٌ يُعادُ إلى مَرجِعِه

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ إلى الخِلاف: «فإن تَنازَعتُم في شَيءٍ فرُدّوه إلى اللهِ والرَّسول». والتَّنازُعُ من ن-ز-ع، والنَّزعُ قَلعُ الشَّيءِ من مَوضِعِه، وعلى التَّفاعُلِ يَصيرُ قَلعاً مُتَبادَلاً يَشُدُّ فيه كُلُّ طَرَفٍ الأمرَ إلَيه ويَنزِعُه من يَدِ صاحِبِه، ومنه في وَصفِ أهلِ الجَنّاتِ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾، تَتَناوَلُها الأيدي يَأخُذُها بَعضُهُم من بَعض. و«شَيءٍ» نَكِرةٌ بَعدَ «إن»، فتَعُمُّ كُلَّ ما يُختَلَفُ فيه قَلَّ أو كَثُر، والخِطابُ في «تَنازَعتُم» لِلمُنادَينَ جَميعاً، فطَرَفا النِّزاعِ في الآيةِ مَفتوحان.

وجَوابُ الشَّرطِ «فرُدّوه»، من ر-د-د، والرَّدُّ إرجاعُ الشَّيءِ إلى المَوضِعِ الذي يَرجِعُ إلَيه، والهاءُ فيه لِلشَّيءِ المُتَنازَعِ فيه. وفي هذا الرَّدِّ صَدىً لِما في الآيةِ السّابِقة: هُناكَ أمانةٌ تُؤَدّى «إلى أهلِها»، وهُنا نِزاعٌ يُرَدُّ «إلى اللهِ والرَّسول»، والشَّيءُ في المَوضِعَينِ يُحمَلُ إلى المَكانِ الذي يَنتَهي إلَيه. والمُطاعونَ ثَلاثة، والمَذكورانِ في الرَّدِّ اثنان: «إلى اللهِ والرَّسول».

«إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»: رَدٌّ مَعقودٌ بِثِقةٍ قائمة

ثُمَّ يُعقَدُ الرَّدُّ بِشَرطٍ: «إن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِر». والآيةُ نادَتهُم في صَدرِها بِالماضي «الَّذينَ آمَنوا»، وتَعودُ في هذا الشَّرطِ إلى المُضارِعِ «تُؤمِنون»، فالثِّقةُ التي سُمّوا بِها تُطلَبُ مِنهُم قائمةً في ساعةِ النِّزاع. واليَومُ الآخِرُ آخِرُ ما تَنتَهي إلَيه الأمور، وبِذِكرِه يَتَّصِلُ الشَّرطُ بِخِتامِ الآيةِ الذي يَنظُرُ إلى المَآل.

«ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»: أحسَنُ ما يَؤولُ إلَيه الأمر

و«ذلك» إشارةٌ إلى ما أُمِروا بِه من الطّاعةِ والرَّدّ، و«خَيرٌ» و«أحسَنُ» تَفضيلٌ طُوِيَ فيه ما يُفَضَّلُ عَلَيه، والآيةُ التّاليةُ تُري وِجهةً أُخرى يُرادُ أن يُحمَلَ إلَيها الحُكم: «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت». والتَّأويلُ من أ-و-ل، ما يَؤولُ إلَيه الشَّيءُ ويَرجِعُ في آخِرِه، أي عاقِبَتُه ومُنتَهاه، ومنه في الكِتابِ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾، يَومَ يَأتي ما يَنتَهي إلَيه الأمرُ المُخبَرُ بِه. فـ«أحسَنُ تَأويلاً» أحسَنُ مَآلاً.

والعِبارةُ نَفسُها خُتِمَت بِها في سورةِ الإسراءِ آيةُ الكَيلِ والمِيزان: ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، ولا تَرِدُ في الكِتابِ إلّا في هذَينِ المَوضِعَين، وهي فيهِما خِتامُ أمرٍ يَضَعُ الحَقَّ في مَوضِعِه: وَفاءِ الكَيلِ هُناك، ورَدِّ النِّزاعِ إلى مَرجِعِه هُنا.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ الَّذينَ آمَنوا وتَطلُبُ مِنهُمُ الطّاعةَ، من ط-و-ع، بِفِعلَين: فِعلٍ لِلهِ، وفِعلٍ يَجمَعُ الرَّسولَ وأولي الأمرِ مِنهُم، وأولو الأمرِ أصحابُ الشَّأنِ، من أ-م-ر، من الجَماعةِ نَفسِها، تُرِكَت أعيانُهُم مَفتوحة. ثُمَّ تَجعَلُ لِلنِّزاع، وهو قَلعٌ مُتَبادَلٌ من ن-ز-ع، مَرجِعاً مُسَمّىً بِاثنَين: «إلى اللهِ والرَّسول»، وتَعقِدُ هذا الرَّدَّ، من ر-د-د، بِالثِّقةِ القائمةِ بِاللهِ واليَومِ الآخِر. وكَما تُؤَدّى الأمانةُ في الآيةِ السّابِقةِ إلى أهلِها، يُرَدُّ الشَّيءُ المُتَنازَعُ فيه هُنا إلى مَرجِعِه، وتَختِمُ الآيةُ بِأنَّ ذلك خَيرٌ وأحسَنُ تَأويلاً، من أ-و-ل، أي أحسَنُ ما يَؤولُ إلَيه الأمر، بِالعِبارةِ التي خُتِمَ بِها الأمرُ بِوَفاءِ الكَيلِ في سورةِ الإسراء.