النساء · الآية 58

﴿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

«الْأَمَانَاتِ»: ما يُترَكُ عِندَ مَن يُؤمَنُ جانِبُه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إنَّ» واسمِ «اللَّه»، ثُمَّ تَجعَلُ الأمرَ خَبَراً عَنه: «يَأمُرُكُم أن تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهلِها». والأماناتُ جَمعُ أمانة، من أ-م-ن، وهو الجِذرُ الذي سَمّى في الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ «الَّذينَ آمَنوا»، والذي تُنادي بِه الآيةُ التّاسِعةُ والخَمسون: «يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا». والأمانةُ ما يَترُكُه المَرءُ عِندَ غَيرِه لِأنَّه يَأمَنُ جانِبَه، وقد جَمَعَ الكِتابُ طَرَفَيها في مَوضِعٍ آخَر: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، فالأمنُ يَقَعُ أوَّلاً في نَفسِ صاحِبِ الشَّيء، ثُمَّ يَصيرُ الشَّيءُ أمانةً في يَدِ مَن أمِنَه.

وجاءَتِ «الأماناتُ» جَمعاً مُعَرَّفاً، وأظهَرُ ما يُحمَلُ عَلَيه التَّعريفُ أن يَعُمَّ كُلَّ ما يَكونُ عِندَ المُخاطَبينَ من حَقٍّ لِغَيرِهِم. والجِذرُ الذي يُسَمّي الَّذينَ آمَنوا قَبلَ الآيةِ وبَعدَها يُسَمّي فيها ما يُحفَظُ عِندَ النّاسِ لِغَيرِهِم، فالإيمانُ والأمانةُ من مَنبَعٍ واحِد: ثِقةٌ تُعطى، وأمنٌ يَجِدُه مَن أعطاها عِندَ مَن أخَذَها.

«تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا»: إيصالٌ يَنتَهي عِندَ أصحابِه

والفِعلُ «تُؤَدّوا» من أ-د-ي، والأداءُ إيصالُ الشَّيءِ حتّى يَبلُغَ مَن هو لَه فيَقَعَ في يَدِه. وقد قَرَنَه الكِتابُ بِالأمنِ في قَولِه مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، فالأمنُ يَسبِقُ، والأداءُ يُصَدِّقُه.

ثُمَّ جُعِلَ لِلأداءِ مُنتَهىً بِـ«إلى»: «إلى أهلِها». والأهلُ من أ-ه-ل، القَومُ الذينَ يَختَصُّ بِهِمُ الشَّيءُ ويُنسَبُ إلَيهِم، فأهلُ الدّارِ سُكّانُها، وأهلُ الرَّجُلِ خاصَّتُه. والضَّميرُ في «أهلِها» عائدٌ على الأمانات، فلِكُلِّ أمانةٍ أهلٌ تُنسَبُ إلَيهِم، وهي في يَدِ حامِلِها بَعيدةٌ عَنهُم حتّى تُؤَدّى. فالآيةُ تَرسُمُ لِلأمانةِ طَريقاً بَينَ طَرَفَين: يَدٍ أُمِنَت فحَمَلَت، وأهلٍ يَنتَظِرونَ أن يَعودَ إلَيهِم ما هو لَهُم.

«وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»: فَصلٌ يَقومُ في البَينِ ويُسَوّي بَينَ الطَّرَفَين

ثُمَّ عُطِفَ على الأداءِ أمرٌ ثانٍ مُعَلَّقٌ بِـ«إذا»: «وإذا حَكَمتُم بَينَ النّاسِ أن تَحكُموا بِالعَدل». والحُكمُ من ح-ك-م، إمساكُ الأمرِ المُختَلَفِ فيه حتّى يَستَقِرَّ على فَصلٍ لا يَنفَلِتُ مِنه أحَدُ الطَّرَفَين، ومنه «حَكَمةُ اللِّجام» تُمسِكُ الدّابّةَ فلا تَجمَح. ومَوضِعُ الحاكِمِ في الآيةِ «بَينَ النّاس»، يَقِفُ في البَينِ الذي يَفصِلُ الخَصمَين، وقد عُدِلَ فيه عن ضَميرِ المُخاطَبينَ إلى اسمِ «النّاس» الجامِع، فالعَدلُ في الحُكمِ حَقٌّ لِكُلِّ مَن وَقَفَ بَينَ يَدَيِ الحاكِمِ من النّاس.

والعَدلُ من ع-د-ل، أن يَستَوِيَ الطَّرَفانِ فلا يَرجَحَ أحَدُهُما على الآخَرِ بِغَيرِ حَقّ، ومنه «العِدْلانِ» لِلحِملَينِ المُتَكافِئَينِ على جانِبَيِ الرّاحِلة. والأمرانِ في الآيةِ يَجتَمِعانِ في مَعنىً واحِد: الأمانةُ تَعودُ إلى أهلِها، والحُكمُ بِالعَدلِ يُعيدُ إلى كُلِّ خَصمٍ ما هو لَه، فكِلاهُما وَضعٌ لِلحَقِّ في مَوضِعِه، الأوَّلُ بِيَدٍ حَمَلَتْه، والثّاني بِيَدٍ تَفصِلُ فيه.

«إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ»: الأمرُ نَفسُه وَعظٌ مَمدوح

ثُمَّ عادَ اسمُ اللهِ بَعدَ «إنَّ» مَرّةً ثانِية: «إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُم بِه». و«نِعِمّا» هي «نِعْمَ» فِعلُ المَدحِ اتَّصَلَت بِه «ما»، والمَمدوحُ ما يَعِظُهُم بِه، وهو الأمرانِ اللَّذانِ تَقَدَّما. والوَعظُ من و-ع-ظ، كَلامٌ يَبلُغُ داخِلَ السّامِعِ فيُذَكِّرُه بِما يَصلُحُ بِه ويَحجُزُه عمّا يُفسِدُه. فالآيةُ تَفتَتِحُ بِـ«يَأمُرُكُم»، ثُمَّ تُسَمّي ما أمَرَت بِه وَعظاً وتَمدَحُه، فالأمرُ الواقِعُ على المُخاطَبينَ مَوصوفٌ بِأنَّه نُصحٌ حَسَنٌ لَهُم.

ويَتَكَرَّرُ «إنَّ اللهَ» في الآيةِ ثَلاثَ مَرّات: في صَدرِها آمِراً، وفي وَسَطِها واعِظاً، وفي خِتامِها «كانَ سَميعاً بَصيراً». والوَصفانِ يُناسِبانِ ما أُمِرَ بِه: فالحُكمُ بَينَ النّاسِ دَعاوى وأقوالٌ تُسمَع، والأداءُ فِعلٌ يُرى حينَ تَنتَقِلُ الأمانةُ من يَدٍ إلى يَد، فما يُقالُ في مَجلِسِ الحُكمِ مَسموع، وما يُسَلَّمُ من الأماناتِ أو يُحبَسُ مَرئيّ.


حَصيلة

تَأمُرُ الآيةُ بِأمرَين: أن تُؤَدّى الأماناتُ إلى أهلِها، وأن يُحكَمَ بَينَ النّاسِ بِالعَدل. والأمانةُ من أ-م-ن، الجِذرِ الذي يُسَمّي الَّذينَ آمَنوا قَبلَ الآيةِ وبَعدَها، وهي ما يُترَكُ عِندَ مَن يُؤمَنُ جانِبُه، والأداءُ من أ-د-ي إيصالٌ يَنتَهي عِندَ «أهلِها»، أي عِندَ مَن تُنسَبُ إلَيهِم. والحُكمُ من ح-ك-م إمساكٌ لِلخُصومةِ في البَينِ حتّى تَستَقِرّ، والعَدلُ من ع-د-ل تَسويةٌ بَينَ الطَّرَفَين، وقد جُعِلَ لِلنّاسِ كافّة. ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ ما أمَرَت بِه وَعظاً وتَمدَحُه بِـ«نِعِمّا»، وتَختِمُ بِسَمعٍ يَبلُغُ أقوالَ الخُصوم، وبَصَرٍ يَشهَدُ الأماناتِ وهي تَنتَقِلُ إلى أصحابِها.