النساء · الآية 63

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا

«أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ»: يَمينٌ بِاللهِ وعِلمٌ عِندَ الله

يُشيرُ «أولئكَ» إلى القَومِ الذينَ وُصِفوا في الآياتِ الثَّلاثِ التي قَبلَ هذه الآية: يَزعُمونَ ويُريدونَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغوت، ويَصُدّونَ حينَ يُدعَون، ثُمَّ يَأتونَ حالِفين. ثُمَّ يُعَرَّفونَ بِما يَعلَمُه اللهُ مِنهُم: «الَّذينَ يَعلَمُ اللهُ ما في قُلوبِهِم». وهذا الوَصفُ يُقابِلُ يَمينَهُم في الآيةِ السّابِقة: هُناكَ حَلَفوا بِاللهِ على إرادَتِهِم، وهُنا يُذكَرُ أنَّ اللهَ الذي حَلَفوا بِه يَعلَمُ ما في قُلوبِهِم، و«ما» اسمٌ عامٌّ يَجمَعُ كُلَّ ما استَقَرَّ فيها.

والقَلبُ من ق-ل-ب، وتَقليبُ الشَّيءِ تَحويلُه من وَجهٍ إلى وَجه، ومنه «قَلَبَ الشَّيءَ» جَعَلَ أعلاه أسفَلَه، و«تَقَلَّبَ» انتَقَلَ من حالٍ إلى حال، والقَلبُ في الإنسانِ مَوضِعٌ تَتَقَلَّبُ فيه الإراداتُ والأحوال. وما في قُلوبِهِم هُنا يُقابِلُ ما على ألسِنَتِهِم من الحَلِف، فبَينَ القَولِ المَحلوفِ عَلَيه وما في القَلبِ مَسافةٌ يَعلَمُها الله، والإرادةُ التي حَلَفوا عَلَيها مَوضِعُها القَلب.

«فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ»: جانِبٌ يُوَلّى والكَلامُ باقٍ

ثُمَّ يُؤمَرُ المُخاطَبُ بِثَلاثةِ أوامِرَ مُتَعاطِفة: «فأعرِضْ عَنهُم وعِظهُم وقُل لَهُم». والإعراضُ من ع-ر-ض، أن يُوَلِّيَ المَرءُ الشَّيءَ عُرضَه، أي جانِبَه، فيَنصَرِفَ عَنه بِوَجهِه. وقد جاءَ الإعراضُ في الآيةِ مَقروناً بِالوَعظِ والقَول، فهو تَوليةُ جانِبٍ يَبقى مَعَها الكَلامُ قائماً، إذ الأمرانِ بَعدَه كِلاهُما كَلامٌ يُوَجَّهُ إلَيهِم، وما يُعرَضُ عَنه مِنهُم مَفتوحٌ في الآية. وفي «أعرِضْ عَنهُم» ما يُقابِلُ «يَصُدّونَ عَنكَ» في الآيةِ الحاديةِ والسِّتّين: انصَرَفوا عَنه، ويُؤمَرُ هو أن يُوَلِّيَهُم جانِبَه، غَيرَ أنَّ انصِرافَهُم قَطَعَهُم عمّا دُعوا إلَيه، وإعراضَه يَصحَبُه الوَعظُ والقَول.

«وَعِظْهُمْ»: وَعظٌ يَعودُ من الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسين

والأمرُ الثّاني «وعِظهُم»، من و-ع-ظ، وهو الجِذرُ الذي جاءَ في الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسين: «إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُم بِه». فالوَعظُ الذي جاءَ هُناكَ من اللهِ لِلمُخاطَبينَ في الأمانةِ والعَدلِ يَعودُ هُنا أمراً لِلمُخاطَبِ بِأن يَعِظَ هؤلاءِ الذينَ صَدّوا عَنه. والوَعظُ كَلامٌ يَبلُغُ داخِلَ السّامِعِ فيُحيطُ بِه ويَحجُزُه، فالآيةُ تَجعَلُ لِمَن أعرَضَ عن الدَّعوةِ نَصيباً من الكَلامِ الذي يُراجِعُ القَلب.

«وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا»: قَولٌ يَبلُغُ مُنتَهاه

والأمرُ الثّالِثُ «وقُل لَهُم في أنفُسِهِم قَولاً بَليغاً». و«في أنفُسِهِم» يَحتَمِلُ في الآيةِ وَجهَين: أن يَكونَ القَولُ في شَأنِ أنفُسِهِم وما هي عَلَيه، وأن يَكونَ قَولاً يُقالُ لَهُم خالِياً بِهِم دونَ غَيرِهِم، والآيةُ تَترُكُ الوَجهَينِ مَفتوحَين. والنَّفسُ من ن-ف-س، ذاتُ الحَيِّ في داخِلِه، وقد ذُكِرَت بَعدَ القُلوب، فالكَلامُ يَنتَقِلُ من باطِنٍ يَعلَمُه اللهُ إلى ذَواتٍ يُؤمَرُ المُخاطَبُ أن يُكَلِّمَها. وتَعودُ «في أنفُسِهِم» في الآيةِ الخامِسةِ والسِّتّين: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾، فالأنفُسُ في المَوضِعَينِ مَكانُ ما يُطلَبُ أن يَقَعَ فيها.

والقَولُ مَوصوفٌ بِـ«بَليغاً»، من ب-ل-غ، والبُلوغُ الوُصولُ إلى الغايةِ والانتِهاءُ إلَيها، فالقَولُ البَليغُ ما يَصِلُ إلى المَوضِعِ الذي قُصِدَ بِه. وعلى الوَجهَينِ في «أنفُسِهِم» تَبقى النَّفسُ هي الغاية: قَولٌ في شَأنِها أو قَولٌ يُقالُ لَها على انفِراد، وهو في الحالَينِ قَولٌ يَبلُغُها. وبِهذا يُقابِلُ القَولُ البَليغُ يَمينَهُم: قَولُهُم شُدَّ بِالحَلِفِ لِيُقبَل، والقَولُ المَأمورُ بِه يُطلَبُ مِنه أن يَبلُغَ مُنتَهاه.


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ الذينَ يَزعُمونَ ويَصُدّونَ ويَحلِفونَ تَحتَ إشارةٍ واحِدة: «أولئكَ»، قَومٌ يَعلَمُ اللهُ ما في قُلوبِهِم، والقَلبُ من ق-ل-ب مَوضِعُ التَّقَلُّبِ الذي يَفتَرِقُ فيه الباطِنُ عن اليَمين. ثُمَّ تَأمُرُ المُخاطَبَ بِثَلاثة: إعراضٍ، من ع-ر-ض، يُوَلّيهِم فيه جانِبَه ويَبقى مَعَه الكَلام، ووَعظٍ، من و-ع-ظ، يَعودُ فيه جِذرُ «نِعِمّا يَعِظُكُم بِه» من الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسين، وقَولٍ بَليغٍ، من ب-ل-غ، يَبلُغُ أنفُسَهُم، من ن-ف-س، سَواءٌ أكانَ في شَأنِها أم خالِياً بِها. فاليَمينُ التي شُدَّت بِاسمِ اللهِ يُقابِلُها عِلمُ اللهِ بِالقُلوب، ويُقابِلُها قَولٌ يَصِلُ إلى الأنفُس.