النساء · الآية 64

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا

«وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ»: رِسالةٌ غايَتُها أن تُتَّبَع

تَأتي هذه الآيةُ بَعدَ آياتٍ وَصَفَت قَوماً يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، ويَصُدّونَ عن الرَّسولِ إذا دُعوا إلَيه، ثُمَّ يَجيئونَه حالِفين. فتَبدَأُ بِقاعِدةٍ تَحكُمُ ذلك كُلَّه: «وما أرسَلنا من رَسولٍ إلّا لِيُطاع». و«مِن» تَستَغرِقُ الجِنس، فالكَلامُ يَعُمُّ كُلَّ رَسولٍ بُعِث، والقَصرُ بِـ«ما» و«إلّا» يَجعَلُ الطّاعةَ غايةَ الإرسالِ كُلِّه. والرَّسولُ من ر-س-ل، مَن يُطلَقُ بِكَلامٍ يَجري في مَسلَكٍ مُتَّصِلٍ حتّى يَبلُغَ مَن قُصِدَ بِه، فالبَلاغُ أوَّلُ الإرسال، وتَمامُه أن يُطاعَ الرَّسولُ فيما بَلَّغ. والطّاعةُ من ط-و-ع، انقيادٌ يَمضي فيه المُطيعُ مَعَ غَيرِه في المَسلَكِ الذي رُسِمَ لَه، وقد جاءَ الفِعلُ مَبنِيّاً لِلمَجهول: «لِيُطاع»، فالمُطيعونَ كُلُّ مَن بَلَغَتهُمُ الرِّسالةُ من غَيرِ حَصرٍ في فَريق.

ثُمَّ قُيِّدَتِ الطّاعةُ بِقَولِه «بِإذنِ الله»، وهو يَلي «لِيُطاعَ» فيَتَعَلَّقُ بِه في أقرَبِ الوَجهَين: الرَّسولُ يُطاعُ لِأنَّ اللهَ أذِنَ في طاعَتِه، فالطّاعةُ تَجري في مَجرىً فَتَحَه اللهُ وتَعبُرُ شَخصَ المُطاعِ إلى مَن أرسَلَه. والإذنُ من أ-ذ-ن، إطلاقٌ يَفتَحُ لِلشَّيءِ طَريقاً كانَ مَحبوساً دونَه، وهو إطلاقٌ مَحدودٌ بِحَدِّ مَن أذِن. وبِهذا القَيدِ تَجتَمِعُ في الجُملةِ الأولى جِهَتان: رَسولٌ يُطاعُ حَقّاً، وطاعةٌ مَردودةٌ إلى اللهِ الذي أرسَلَه.

«وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ»: حِجابٌ ضَرَبوه على ذَواتِهِم

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ من القاعِدةِ العامّةِ إلى «هُم»، والضَّميرُ يَصِلُ الكَلامَ بِالقَومِ الذينَ وَصَفَتهُمُ الآياتُ قَبلَها. و«لو» تَذكُرُ طَريقاً لم يَسلُكوه، فهي تَرسُمُ ما كانَ يَنبَغي أن يَكونَ ساعةَ الخَطَإ، و«إذ» تُعَيِّنُ تِلكَ السّاعة: حينَ ظَلَموا أنفُسَهُم. والظُّلمُ من ظ-ل-م، غِشاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ فيَحجُبُه ويُلزِمُه غَيرَ مَوضِعِه، وقد وَقَعَ الفِعلُ هُنا على «أنفُسَهُم»، فالخَطَأُ الذي أتَوه مُسَمًّى بِمَوقِعِه: عادَ حِجاباً على ذَواتِهِم. وكانَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والسِّتّونَ قد جَعَلَتِ النَّفسَ مَوضِعَ القَولِ لَهُم: وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، فالنَّفسُ في الآيَتَينِ مَوضِعُ الأمر: إلَيها يُوَجَّهُ القَولُ البَليغ، وعلَيها يَقَعُ ظُلمُ صاحِبِها.

«جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ»: مَجيءٌ غَيرُ المَجيءِ الأوَّل

وأوَّلُ ما يَرسُمُه الشَّرطُ بَعدَ الظُّلمِ مَجيءٌ: «جاءوكَ». والفِعلُ نَفسُه وَرَدَ في الآيةِ الثّانيةِ والسِّتّين: ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، فذلك مَجيءٌ تَسوقُه «إذا» سَوقَ ما يَقَعُ ويَحمِلُ يَميناً على حُسنِ القَصد، وهذا مَجيءٌ تَصِفُه «لو» ويَحمِلُ طَلَبَ مَغفِرة. واسمُ اللهِ حاضِرٌ في المَجيئَين: في الأوَّلِ يُحلَفُ بِه على البَراءة، وفي الثّاني يُسأَلُ مِنه السِّترُ على الخَطَإ. والفاءُ في «فاستَغفَروا» تُعقِبُ المَجيءَ بِالطَّلَبِ من غَيرِ مُهلة، والطَّلَبُ مُتَوَجِّهٌ إلى الله. والاستِغفارُ من غ-ف-ر، طَلَبُ غِطاءٍ يُسدَلُ على الشَّيءِ فيَستُرُه ويَقيه، ومنه «المِغفَر» يُلبَسُ على الرَّأسِ فيَحميه.

ثُمَّ عُطِفَ على استِغفارِهِم استِغفارٌ آخَر: «واستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسول». وعُدِلَ فيه عن ضَميرِ الخِطابِ الذي في «جاءوكَ» إلى الاسمِ الظّاهِر، فسُمِّيَ المُخاطَبُ بِالوَصفِ الذي افتُتِحَت بِه الآية: «وما أرسَلنا من رَسول». فالذي أُرسِلَ لِيُطاعَ هو نَفسُه الذي يَستَغفِرُ لِمَن ظَلَمَ نَفسَه، واللّامُ في «لَهُم» تَجعَلُ استِغفارَه طَلَباً لِأجلِهِم. وبِذلك يَرسُمُ الشَّرطُ طَريقَ العَودةِ في ثَلاثِ خُطُوات: مَجيءٌ إلى المُخاطَب، واستِغفارٌ يَتَوَجَّهونَ بِه إلى الله، واستِغفارٌ من الرَّسولِ لَهُم.

«لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا»: لِقاءُ ما كانَ قائماً

وجاءَ جَوابُ «لو» بِفِعلِ الوِجدان: «لَوَجَدوا»، والوِجدانُ من و-ج-د لِقاءٌ يَنعَقِدُ ويَثبُت، يُقالُ «وَجَدَ الضّالّةَ» إذا لَقِيَها بَعدَ طَلَب. فالتَّوبةُ والرَّحمةُ في الآيةِ شَيءٌ يَلقاه الآتي، كأنَّهُما قائمتانِ قَبلَ مَجيئِه تَنتَظِرانِ مَن يَسلُكُ إلَيهِما الطَّريق. والتَّوّابُ من ت-و-ب، والتَّوبةُ انفِلاتٌ من حالٍ وعَودةٌ تَمتَدُّ إلى ما تُرِك، وبِناءُ «فَعّال» يُكثِرُ هذا الرُّجوعَ ويُديمُه، فهو رُجوعٌ من اللهِ إلى عِبادِه يَتَجَدَّدُ كُلَّما جاءوا. وقُرِنَ بِه «رَحيماً»، والاسمانِ مَعاً خَتَما الآيةَ السّادِسةَ عَشْرةَ من هذه السّورة: إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، وهُناكَ جاءا بَعدَ رُجوعٍ وإصلاح، وهُنا بَعدَ مَجيءٍ واستِغفار.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ في صَدرِها قاعِدةً تَعُمُّ الرُّسُلَ كُلَّهُم: ما أُرسِلَ رَسولٌ إلّا لِيُطاع، وطاعَتُه جارِيةٌ بِإذنِ اللهِ مَردودةٌ إلَيه. ثُمَّ تَرسُمُ لِمَن ظَلَموا أنفُسَهُم طَريقاً لم يَسلُكوه: مَجيئاً إلى المُخاطَبِ يَحمِلُ استِغفاراً يَتَوَجَّهونَ بِه إلى الله، ويَنضَمُّ إلَيه استِغفارُ الرَّسولِ لَهُم، وهو مَجيءٌ يُقابِلُ المَجيءَ الذي حَمَلَ الأَيمانَ في الآيةِ الثّانيةِ والسِّتّين. وجَوابُ ذلك كُلِّه لِقاء: يَجِدونَ اللهَ تَوّاباً يُكثِرُ الرُّجوعَ إلى عِبادِه، رَحيماً بِهِم. فالظُّلمُ في الآيةِ حِجابٌ ضَرَبَه أصحابُه على أنفُسِهِم، والاستِغفارُ طَلَبُ سِترٍ من اللهِ يَنتَهي بِصاحِبِه إلى رُجوعٍ يَلقاه حينَ يَجيء.