النساء · الآية 62

﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا

«فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ»: سُؤالٌ مُعَلَّقٌ فَوقَ المَشهَد

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالفاءِ و«كَيفَ»: «فكَيفَ إذا أصابَتهُم مُصيبةٌ»، والسُّؤالُ بِـ«كَيفَ» عن حالٍ آتِيةٍ يُطلِقُ الذِّهنَ في تَصَوُّرِها، والآيةُ تَترُكُ جَوابَه لِلسّامِع، فيَبقى مُعَلَّقاً فَوقَ المَشهَدِ كُلِّه. والمُصيبةُ من ص-و-ب، والإصابةُ بُلوغُ الشَّيءِ المَوضِعَ الذي قُصِدَ بِه، كالسَّهمِ يُصيبُ الرَّمِيّة، والمُصيبةُ ما يَنزِلُ بِالإنسانِ فيَقَعُ عَلَيه وُقوعَ ما يُصيبُ غَرَضَه. وجاءَت «مُصيبةٌ» نَكِرةً، فهي أيُّ ما يَنزِلُ بِهِم من هذا الجِنس.

«بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ»: ما أرسَلَتْه الأيدي أمامَها

وسَبَبُ الإصابةِ «بِما قَدَّمَت أيديهِم»، والباءُ لِلسَّبَب، و«قَدَّمَت» من ق-د-م، وتَقديمُ الشَّيءِ أن يُجعَلَ أمامَ صاحِبِه قَبلَ أن يَصِلَ هو إلَيه، فالأيدي أرسَلَت فِعلَها أمامَها، ثُمَّ لَحِقَ بِهِم ما أرسَلَتْه في صورةِ مُصيبة. ونُسِبَ الفِعلُ إلى الأيدي، وهي آلةُ العَمَل، فالمُصيبةُ في الآيةِ عائدةٌ عَلَيهِم مِمّا صَنَعوه. ويَلتَقي الجِذرانِ في صورةٍ واحِدة: ما قُدِّمَ يُصيبُ صاحِبَه، كَما يُصيبُ السَّهمُ الغَرَضَ الذي أُرسِلَ إلَيه.

«ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ»: مَجيءٌ إلى مَن صَدّوا عَنه

ويَلي الإصابةَ «ثُمَّ جاءوكَ»، و«ثُمَّ» تَضَعُ بَينَهُما مُهلة، فالمَجيءُ يَلحَقُ الإصابةَ ولا يُقارِنُها. والمَجيءُ إلى المُخاطَب، وهو الذي صَدّوا عَنه في الآيةِ السّابِقة: «يَصُدّونَ عَنكَ صُدوداً»، فالذينَ انصَرَفوا عَنه حينَ دُعوا يَأتونَه بَعدَ أن أصابَتْهُمُ المُصيبة. وتَذكُرُ الآيةُ الرّابِعةُ والسِّتّونَ مَجيئاً إلَيه على صورةٍ أُخرى لَو كانَ مِنهُم: جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾.

وحالُهُم في المَجيءِ «يَحلِفونَ بِاللهِ»، والحَلِفُ من ح-ل-ف، أن يَشُدَّ المَرءُ قَولَه بِعَهدٍ يَلزَمُه، ومنه «الحِلْف» عَقدٌ يَشُدُّ قَوماً إلى قَوم، فهُم يَشُدّونَ قَولَهُم بِاسمِ اللهِ لِيُقبَلَ مِنهُم. والفِعلُ مُضارِعٌ في مَوضِعِ الحال، فالحَلِفُ يُصاحِبُ مَجيئَهُم ويَملَأُه.

«إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا»: يَمينٌ تَقَعُ على الإرادة

ومَضمونُ الحَلِف: «إن أرَدنا إلّا إحساناً وتَوفيقاً»، و«إنْ» هُنا نافِيةٌ بِمَعنى «ما»، ومَعَ «إلّا» تَحصُرُ ما أرادوه في أمرَين. فاليَمينُ تَقَعُ على الإرادة، والإرادةُ من الجِذرِ الذي وَصَفَت بِه الآيةُ السِّتّونَ ما يُريدون: «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت»، فالآيتانِ تَتَقابَلان: إرادةٌ كَشَفَها الكَلام، وإرادةٌ يُثبِتونَها لِأنفُسِهِم بِاليَمين.

والإحسانُ من ح-س-ن، أن يُؤتى بِالفِعلِ على أجمَلِ وُجوهِه، وهو الجِذرُ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ التّاسِعةُ والخَمسون: «ذلك خَيرٌ وأحسَنُ تَأويلاً»، فالأحسَنُ هُناكَ في الرَّدِّ إلى اللهِ والرَّسول، والإحسانُ هُنا دَعوى يُحلَفُ عَلَيها. والتَّوفيقُ من و-ف-ق، أن يُجعَلَ المُتَباعِدانِ مُتَوافِقَين، وقد جاءَ في الآيةِ الخامِسةِ والثَّلاثين: إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وفيها إرادةُ إصلاحٍ يَتبَعُها تَوفيقٌ من الله، أمّا هُنا فالتَّوفيقُ مُرادٌ يُحلَفُ عَلَيه بَعدَ المُصيبة. والآيةُ التّاليةُ تَرُدُّ الحُكمَ في الإرادةِ إلى مَن يَعلَمُ ما في القُلوب.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ مَشهَداً يُسأَلُ عَنه بِـ«كَيف»: مُصيبةٌ، من ص-و-ب، تَبلُغُهُم كَما يَبلُغُ السَّهمُ غَرَضَه، سَبَبُها ما قَدَّمَتْه أيديهِم، من ق-د-م، ثُمَّ مَجيءٌ إلى المُخاطَبِ الذي صَدّوا عَنه، يَشُدّونَ فيه قَولَهُم بِالحَلِفِ بِاللهِ، من ح-ل-ف. وما يَحلِفونَ عَلَيه إرادَتُهُم: ما أرادوا إلّا الإحسانَ، من ح-س-ن، والتَّوفيقَ، من و-ف-ق، فتَقِفُ هذه الإرادةُ المَحلوفُ عَلَيها قُبالةَ الإرادةِ التي كَشَفَتْها الآيةُ السِّتّون، ويَقِفُ إحسانُهُمُ المُدَّعى قُبالةَ «أحسَنُ تَأويلاً». ويَبقى السُّؤالُ «فكَيفَ» مُعَلَّقاً فَوقَ المَشهَد، والآيةُ التّاليةُ تُجيبُ في أمرِ الإرادةِ بِأنَّ اللهَ يَعلَمُ ما في قُلوبِهِم.