النساء · الآية 130

﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا

«وَإِن يَتَفَرَّقَا»: فُرقةٌ يَفعَلُها الاثنان

بَعدَ صُلحٍ فُتِحَ بابُه لِلاثنَينِ في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة، وصورةِ المُعَلَّقةِ في الآيةِ التي تَليها، تَأتي هذه الآيةُ بِالحالِ الأُخرى: «وإن يَتَفَرَّقا». والفِعلُ مُثَنًّى يَعودُ إلى زَوجَين، وأقرَبُ مُثَنًّى قَبلَه في النَّصِّ «أن يُصلِحا بَينَهُما صُلحاً»، فالطَّريقانِ يَأتِيانِ في فِعلَينِ مُثَنَّيَين: يُصلِحا، يَتَفَرَّقا. والتَّفَرُّقُ من ف-ر-ق، والفَرقُ فَصلُ ما كانَ مُلتَئِماً حتّى يَبينَ كُلُّ طَرَفٍ عن صاحِبِه، وجاءَ الفِعلُ على «تَفَعَّل» مُسنَداً إلى الاثنَين، فالفُرقةُ في لَفظِ الآيةِ يَفعَلُها كِلاهُما، يَنفَصِلُ كُلُّ واحِدٍ عن الآخَر.

«يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ»: غِنىً يَبلُغُ كُلَّ واحِدٍ على حِدَة

وجاءَ الجَوابُ مَجزوماً: «يُغنِ اللهُ كُلّاً من سَعَتِه». والإغناءُ من غ-ن-ي، أن يُجعَلَ لِلمَرءِ ما يَكفيه فلا يَحتاجَ إلى غَيرِه، فالآيةُ تَضَعُ الغِنى في مَوضِعِ الحاجةِ التي تَترُكُها الفُرقة، وتُبقي ما يُغنى بِه مَفتوحاً في لَفظِها. و«كُلّاً» مُنَوَّنةٌ عِوَضاً من المُضافِ إلَيه، أي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، فالغِنى يَقَعُ على الاثنَينِ واحِداً واحِداً، المَرأةِ والرَّجُلِ على السَّواء. و«من سَعَتِه» تَرُدُّ هذا الغِنى إلى مَصدَرِه، والسَّعةُ من و-س-ع، سَقَطَت واوُها من أوَّلِها، وهي احتِواءٌ يَمتَدُّ فلا يَضيقُ بِما يَدخُلُه.

والكِتابُ يَعِدُ بِالإغناءِ عِندَ النِّكاحِ كما يَعِدُ بِه هُنا عِندَ الفُرقة: إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، والمَوضِعانِ يُختَمانِ بِاسمِ «الواسِع»: هُناكَ «واللهُ واسِعٌ عَليم»، وهُنا «وكانَ اللهُ واسِعاً حَكيماً». وقد ذَكَرَتِ الآيةُ الثّامِنةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئةِ شُحّاً تَحضُرُه الأنفُس، والشُّحُّ حَصرٌ يُضَيِّقُ على ما في اليَد، فجاءَت هذه الآيةُ بِما يُقابِلُه في المَعنى: سَعةٌ تَمتَدُّ، يُعطى مِنها كُلٌّ من الاثنَينِ ما يُغنيه.

«وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا»: سَعةٌ تُسَمّى مَرَّتَين، وحِكمةٌ تَضَعُ العَطاءَ في مَوضِعِه

ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِالجِذرِ نَفسِه اسماً لله: «وكانَ اللهُ واسِعاً»، فالسَّعةُ التي يُغنى مِنها الاثنانِ صِفةٌ قائمةٌ لِمَن يُغني. واقتَرَنَ بِها «حَكيماً»، والحَكيمُ من ح-ك-م مَن يُمسِكُ الأمرَ فيَضَعُه في مَوضِعِه فلا يَخرُجُ عن وَجهِه، فالسَّعةُ تُعطي، والحِكمةُ تَضَعُ العَطاءَ حَيثُ يَصلُح. والجِذرُ و-س-ع يَرِدُ في هذه السّورةِ قَبلَ ذلك في أمرِ الهِجرة: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾، ويَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، وهو في السّورةِ في هذه الآياتِ الثَّلاثِ وَحدَها، فالسَّعةُ فيها تَأتي حَيثُ يُفارِقُ المَرءُ ما كانَ فيه: أرضاً يَخرُجُ مِنها، أو زَوجاً يَتَفَرَّقُ عَنه.

وتَليها آيَتانِ تَبدَآنِ بِـوَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وتَتَكَرَّرُ العِبارةُ فيهِما ثَلاثَ مَرّات، وقد بَدَأَت بِها كذلك الآيةُ التي سَبَقَتِ السُّؤالَ في النِّساء، فالآياتُ الأربَعُ في النِّساءِ واليَتامى والزَّوجَينِ مُحاطةٌ من جانِبَيها بِما لِلّهِ في السَّماواتِ والأرض. ويُختَمُ أوَّلُ الآيَتَينِ بِـوَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، فالذي يُغني كُلّاً من سَعَتِه هو الغَنيُّ الذي لَه ما في السَّماواتِ والأرض.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ بِالطَّريقِ الأُخرى بَعدَ الصُّلح: فُرقةٌ من ف-ر-ق بِفِعلٍ مُثَنًّى على «تَفَعَّل» يَفعَلُها الاثنانِ مَعاً، يُقابِلُ «يُصلِحا» في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة. وجَوابُها إغناءٌ من غ-ن-ي يَقَعُ على كُلِّ واحِدٍ من الاثنَينِ على حِدَة، مَصدَرُه سَعةٌ من و-س-ع، والكِتابُ يَعِدُ بِالإغناءِ عِندَ النِّكاحِ وعِندَ الفُرقةِ ويَختِمُ المَوضِعَينِ بِالواسِع. ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ السَّعةَ ثانِيةً اسماً لله، وتَقرِنُها بِالحِكمة، من ح-ك-م إمساكُ الأمرِ على وَجهِه، فتُقابِلُ الشُّحَّ الذي حَضَرَتهُ الأنفُسُ بِسَعةٍ لا تَضيق، وتُسلِمُ الكَلامَ إلى آياتٍ تَبدَأُ بِما لِلّهِ في السَّماواتِ والأرض.