النساء · الآية 170

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ»: رَسولٌ مَعهودٌ يُحضِرُ الحَقّ

يَعودُ في الآيةِ النِّداءُ الذي افتُتِحَت بِه السّورة: «يا أيُّها النّاسُ»، ولم يَرِدْ بِهذه الصّيغةِ بَينَهُما، وجاءَ «أيُّها النّاسُ» بِلا «يا» في أثناءِ شَرطٍ في الآيةِ الثّالِثةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، ثُمَّ يَتَكَرَّرُ النِّداءُ بَعدَ هذه في الآيةِ الرّابِعةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. فالخِطابُ يَتَّسِعُ، بَعدَ حَديثٍ عن أهلِ الكِتابِ وعن الذينَ كَفَروا، حتّى يَعُمَّ النّاسَ جَميعاً. ويَتبَعُ النِّداءَ خَبَرٌ بِـ«قد» والماضي: «قد جاءَكُمُ الرَّسولُ»، فالمَجيءُ قد وَقَعَ وتَمَّ قَبلَ أن يُطلَبَ مِنهُم شَيء.

و«الرَّسولُ» مُعَرَّفٌ بِاللّامِ بَعدَ أن ذُكِرَ الرُّسُلُ نَكِراتٍ في الآيَتَينِ الرّابِعةِ والخامِسةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، فاللّامُ تُحيلُ إلى رَسولٍ مَعهودٍ في الكَلام، ومَعهودُه في هذا المَقطَعِ المُخاطَبُ بِالكافِ في بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة. والمَجيءُ من ج-ي-ء، حُضورٌ يَنبَثِقُ بَعدَ غَيبة، والباءُ في «بِالحَقِّ» تُعَدّي المَجيءَ إلى الحَقّ، فالرَّسولُ أحضَرَ الحَقَّ إلَيهِم. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أيضاً أن يَكونَ «بِالحَقِّ» حالاً من «الرَّسولُ» والباءُ لِلمُلابَسة، فيَكونَ المَعنى: جاءَكُم مُتَلَبِّساً بِالحَقّ. والحَقُّ من ح-ق-ق، ما ثَبَتَ في مَقَرِّه فلا يُزاح، و«مِن رَبِّكُم» تُعَيِّنُ مَصدَرَه، والرَّبُّ من ر-ب-ب مَن يَتَعَهَّدُ الشَّيءَ ويُنَمّيه، وإضافَتُه إلى ضَميرِ النّاسِ تَجعَلُ الحَقَّ آتِياً إلَيهِم من الذي يَتَعَهَّدُهُم.

«فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ»: ثِقةٌ يَعودُ خَيرُها على أصحابِها

ثُمَّ يَتَرَتَّبُ الأمرُ على المَجيءِ بِالفاء: «فآمِنوا»، فالثِّقةُ مَطلوبةٌ عَقِبَ حُضورِ الحَقّ. والإيمانُ من أ-م-ن، سُكونٌ يُمسَكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَنبَعِثُ أماناً إلى ما حَولَه، والفِعلُ هُنا بِلا مُتَعَلَّق، ويَدُلُّ السِّياقُ على ما يُوثَقُ بِه: الرَّسولُ والحَقُّ الذي جاءَ بِه.

و«خَيراً» مَنصوبٌ بَعدَ الأمرِ بِلا عامِلٍ ظاهِر، ويَحتَمِلُ نَصبُه ثَلاثةَ أوجُه: أن يَكونَ مَفعولاً لِفِعلٍ مَطوِيٍّ يَدُلُّ عَلَيه الأمر، والتَّقديرُ «فآمِنوا وأْتوا خَيراً لَكُم»؛ وأن يَكونَ صِفةً لِمَصدَرٍ مَطوِيّ، «فآمِنوا إيماناً خَيراً لَكُم»؛ وأن يَكونَ خَبَراً لِـ«كانَ» مَطوِيّةٍ مَعَ اسمِها، «يَكُنِ الإيمانُ خَيراً لَكُم». فالخَيرُ على الأوَّلِ غايةٌ يُقصَدُ إلَيها بِالثِّقة، وعلى الثّاني صِفةٌ لِلثِّقةِ نَفسِها، وعلى الثّالِثِ ثَمَرةٌ تَعقُبُها، وفي الأوجُهِ كُلِّها يَعودُ الخَيرُ على المُخاطَبين: «لَكُم». والخَيرُ من خ-ي-ر نَفعٌ يَنفُذُ إلى صاحِبِه ثُمَّ يَجري فيه، فالثِّقةُ على الأوجُهِ الثَّلاثةِ شَيءٌ يَسري نَفعُه في مَن أعطاها. ويَعودُ التَّركيبُ نَفسُه في الآيةِ التّالِيةِ بَعدَ أمرٍ بِالانتِهاء: انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾.

«وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: سَترٌ يَترُكُ المِلكَ على حالِه

ثُمَّ يَأتي الوَجهُ المُقابِل: «وإن تَكفُروا». والكُفرُ من ك-ف-ر غِطاءٌ يُلقى على ما جاءَ ظاهِراً فيُحجَب، ويَقَعُ هُنا في مُقابِلِ الأمرِ بِالثِّقة، فالمُخاطَبونَ بَينَ أن يَفتَحوا لِلحَقِّ الذي جاءَهُم وأن يَستُروه. وما بَعدَ الفاءِ جُملةٌ ثابِتةٌ قَبلَ الشَّرطِ وبَعدَه: «فإنَّ لِلّهِ ما في السَّماواتِ والأرض»، فيَحتَمِلُ أن تَكونَ هي الجَوابَ على مَعنى: فاعلَموا أنَّ لِلّهِ ما في السَّماواتِ والأرض؛ ويَحتَمِلُ أن يَكونَ الجَوابُ مَطوِيّاً وهي عِلَّتُه، والتَّقديرُ: فاللهُ غَنيٌّ عَنكُم، لِأنَّ لَه ما في السَّماواتِ والأرض. وقد جاءَ هذا المَطويُّ صَريحاً في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾.

واللّامُ في «لِلّه» لامُ المِلك، وتُقابِلُ اللّامَ في «خَيراً لَكُم»: ثِقَتُهُم خَيرٌ يَعودُ إلَيهِم، وسَترُهُم يَترُكُ ما لِلّهِ على حالِه. وقد جاءَ هذا الشَّرطُ بِجَوابِه في الآيةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة: وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وفيها «ما» مُعادةٌ مَعَ الأرض، وهي هُنا «ما» واحِدةٌ تَجمَعُ السَّماواتِ والأرض، وتِلكَ خُتِمَت بِـ«غَنيّاً حَميداً»، وهذه تُختَمُ بِـ«عَليماً حَكيماً».

«وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»: عِلمٌ يَعرِفُ الواثِقَ والسّاتِر

والعِلمُ من ع-ل-م إدراكٌ يَبلُغُ الخَفيَّ فيُمسِكُه، والحِكمةُ من ح-ك-م، إحاطةٌ تُمسِكُ الشَّيءَ على وَجهِه فلا يَخرُجُ عَنه. وخِتامُ الآيةِ بِهِما بَعدَ الشَّرطِ يَضَعُ الفَريقَينِ تَحتَ عِلمٍ يَعرِفُ مَن وَثِقَ ومَن سَتَر، وحِكمةٍ تُمسِكُ كُلّاً على وَجهِه. ويَلتَقي الخِتامُ بِما قالَتْه الآيةُ السّادِسةُ والسِّتّونَ بَعدَ المِئةِ في ما أُنزِلَ إلى المُخاطَب: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فالعِلمُ الذي صَحِبَ الإنزالَ هُناكَ يُختَمُ بِه الخِطابُ لِلنّاسِ هُنا.


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ نِداءَ النّاسِ الذي افتُتِحَت بِه السّورة، وتُخبِرُهُم بِمَجيءٍ من ج-ي-ء قد تَمّ: رَسولٌ مَعهودٌ في الكَلامِ أحضَرَ إلَيهِمُ الحَقَّ، والحَقُّ من ح-ق-ق ما ثَبَتَ في مَقَرِّه، آتِياً من رَبِّهِمُ الذي يَتَعَهَّدُهُم. ثُمَّ تَأمُرُهُم بِالثِّقةِ من أ-م-ن، سُكونٍ يَنبَعِثُ أماناً، وتُتبِعُها «خَيراً لَكُم» مَنصوباً يَحتَمِلُ أن يَكونَ غايةً تُقصَدُ أو صِفةً لِلثِّقةِ أو ثَمَرةً تَعقُبُها، والخَيرُ من خ-ي-ر نَفعٌ يَسري في صاحِبِه، ويَعودُ على المُخاطَبينَ في الأوجُهِ كُلِّها. وتَضَعُ في المُقابِلِ السَّترَ من ك-ف-ر، ويَتلوه «فإنَّ لِلّهِ ما في السَّماواتِ والأرض»، جُملةٌ ثابِتةٌ قَبلَ الشَّرطِ وبَعدَه، هي الجَوابُ أو عِلّةُ جَوابٍ مَطويّ. ثُمَّ تَختِمُ بِعِلمٍ من ع-ل-م وحِكمةٍ من ح-ك-م يَقَعُ تَحتَهُما الواثِقُ والسّاتِر، ويَعودُ فيهِما العِلمُ الذي صَحِبَ الإنزالَ في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة.