النساء · الآية 44

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ»: بَصَرٌ يُساقُ إلى قَومٍ بِصِفَتِهِم

تَنتَقِلُ السّورةُ بَعدَ ما خاطَبَت بِه الَّذينَ آمَنوا في شَأنِ الصَّلاةِ إلى مَشهَدٍ يُعرَضُ على مُخاطَبٍ واحِد: «أَلَمْ تَرَ». والسُّؤالُ المَعقودُ على «لَم» يَحمِلُ المُخاطَبَ على أن يُقِرَّ بِما يُعرَضُ عَلَيه، فهو حَثٌّ على النَّظَرِ في صورةِ سُؤال. و«تَرَ» من ر-أ-ي، وقد وُصِلَ بِـ«إلى» فصارَتِ الرُّؤيةُ تَوَجُّهاً بِالبَصَرِ نَحوَ قَومٍ يُشارُ إلَيهِم بِصِفَتِهِم، كأنَّهُم ماثِلونَ أمامَ العَين. وعلى هذا يَقومُ المَقطَعُ كُلُّه: تُفتَتَحُ بِـ«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ» هذه الآيةُ والتّاسِعةُ والأربَعونَ والحاديةُ والخَمسون، وتَقَعُ في الخَمسينَ بَينَ الأخيرَتَينِ «انظُرْ». والخِطابُ في «تَرَ» لِواحِد، ثُمَّ يَصيرُ في آخِرِ الآيةِ لِجَماعة: «أَن تَضِلُّوا»، فالمَشهَدُ يُعرَضُ على عَينٍ واحِدة، وما فيه من خَطَرٍ يَتَّجِهُ إلى الجَماعةِ كُلِّها.

«أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ»: حِصّةٌ أُقيمَت لَهُم من الكِتاب

ويُعرَفُ القَومُ بِما أُعطوه: «أوتوا»، والفِعلُ يَطوي المُعطيَ ويُظهِرُ العَطاء، فالوَصفُ الذي يُسَمَّونَ بِه هو ما وَقَعَ في أيديهِم. والنَّصيبُ من ن-ص-ب، حِصّةٌ تُقامُ ظاهِرةً وتُشَدُّ إلى صاحِبِها فتَصيرُ لَه، وقد جَرى في هذه السّورةِ على حِصَصِ الرِّجالِ والنِّساءِ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبون، وعلى حِصَصِهِم مِمّا اكتَسَبوا. وهو هُنا حِصّةٌ «مِنَ الكِتاب»، و«مِن» تَجعَلُها بَعضاً من كُلّ، وتَنكيرُ «نَصيباً» يَطوي مِقدارَها. فالسّورةُ التي أقامَت لِكُلِّ ذي حَقٍّ نَصيبَه من المالِ تَعرِضُ الآنَ قَوماً أُقيمَ لَهُم نَصيبٌ من الكِتاب، ثُمَّ تُريهِم ما صَنَعوا في جِوارِه.

«يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ»: صَفقةٌ يُسَمّى فيها المَأخوذ

ثُمَّ يَأتي ما صَنَعوه: «يَشتَرونَ الضَّلالة». والشِّراءُ من ش-ر-ي، شَيءٌ يَخرُجُ من يَدٍ ويَجري إلى يَدٍ أُخرى في مُقابِلِ شَيءٍ يَعود، و«يَشتَرونَ» على الافتِعالِ أخذٌ يَتَّخِذُه الآخِذُ لِنَفسِه، ومَجيئُه مُضارِعاً يَجعَلُ الصَّفقةَ عادةً قائمةً تَتَجَدَّد. والمَأخوذُ «الضَّلالة»، من ض-ل-ل، وهي أن يَخرُجَ السّائرُ إلى مُتَّسَعٍ لا مَعلَمَ فيه فيَنسابَ فيه حتّى يَفوتَه الطَّريق.

وقد جاءَت هذه الصَّفقةُ في الكِتابِ في مَوضِعَينِ آخَرَين، وسُمِّيَ فيهِما الثَّمَن: اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ﴾. أمّا هُنا فالآيةُ تُسَمّي المَأخوذَ وتَطوي الثَّمَن، وتَضَعُ إلى جِوارِ الصَّفقةِ ما وُصِفوا بِه في صَدرِها: حِصّةً من الكِتاب. فيَجتَمِعُ في آيةٍ واحِدةٍ ما في أيديهِم وما يَأخُذونَه لِأنفُسِهِم، ويُترَكُ لِلسّامِعِ أن يَزِنَ بَينَ الاثنَين.

«وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ»: ضَلالٌ يُؤخَذُ لِلنَّفسِ ثُمَّ يُرادُ لِلغَير

ويَعودُ الجِذرُ نَفسُه في آخِرِ الآية، فتَكونُ الضَّلالةُ في صَدرِها شَيئاً يَأخُذونَه، وتَكونُ في عَجُزِها فِعلاً يُريدونَه لِغَيرِهِم: «أَن تَضِلُّوا». و«أن» مَعَ الفِعلِ في مَعنى المَصدَر، فمُرادُهُم ضَلالُ المُخاطَبينَ نَفسُه، و«السَّبيلَ» يَقَعُ عَلَيه الفِعل، فالمَطلوبُ أن يَفوتَهُمُ الطَّريقُ ذاتُه. والسَّبيلُ من س-ب-ل، مَجرىً مَفتوحٌ يَمتَدُّ أمامَ السّائرِ ويُفضي بِه إلى غايَتِه، وتَعريفُه يَجعَلُه الطَّريقَ المَعلومَ الذي هُم عَلَيه. فالصَّفقةُ تَبدَأُ بِأصحابِها، ثُمَّ تَمتَدُّ إرادةً تَتَّجِهُ إلى الجَماعة.

وقد أرَتِ السّورةُ هذه الهَيئةَ من قَبل: إرادةَ اللهِ في السّادِسةِ والعِشرين يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾، ثُمَّ إرادةَ غَيرِه في السّابِعةِ والعِشرين وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. وإرادةُ هؤلاءِ تَأتي على هَيئةِ الثّانية: فِعلٌ يُرادُ لِلمُخاطَبينَ أن يَقَعَ مِنهُم، «أن تَميلوا» هُناكَ و«أن تَضِلّوا» هُنا. فالمُخاطَبونَ في السّورةِ قائمونَ بَينَ إرادَتَين: إرادةٍ تُبَيِّنُ لَهُم وتَهديهِم سُنَنَ مَن قَبلَهُم، وإراداتٍ تَطلُبُ لَهُمُ المَيلَ وفَواتَ الطَّريق.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ مَقطَعاً يَقومُ على النَّظَر، فتَسوقُ بَصَرَ مُخاطَبٍ واحِدٍ إلى قَومٍ يُعرَفونَ بِما أُعطوه: حِصّةٍ من الكِتاب، والنَّصيبُ من ن-ص-ب حِصّةٌ تُقامُ لِصاحِبِها وتُشَدُّ إلَيه كما أُقيمَت حِصَصُ المالِ في صَدرِ السّورة. ثُمَّ تَضَعُ إلى جِوارِ هذه الحِصّةِ صَفقَتَهُم: «يَشتَرونَ الضَّلالة»، أخذاً لِلتّيهِ يَتَجَدَّد، تُسَمّي فيه المَأخوذَ وتَطوي الثَّمَن. ثُمَّ يَعودُ الجِذرُ ض-ل-ل في آخِرِها إرادةً مُوَجَّهةً إلى الجَماعة: أن يَفوتَها السَّبيلُ الذي هي عَلَيه، فتَنضَمُّ هذه الإرادةُ إلى إرادةِ مُتَّبِعي الشَّهَواتِ في السّابِعةِ والعِشرين، ويَبقى المُخاطَبونَ بَينَ إرادةِ اللهِ أن يُبَيِّنَ لَهُم ويَهدِيَهُم، وإراداتٍ تَطلُبُ لَهُمُ التّيه.