النساء · الآية 45

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا

«وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ»: عِلمٌ يَسبِقُ عِلمَ المُخاطَبينَ بِمَن يُعاديهِم

بَعدَ أن عُرِضَ قَومٌ يُريدونَ لِلمُخاطَبينَ أن يَضِلّوا السَّبيل، تَبدَأُ هذه الآيةُ بِاسمِ الله: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ». وقد جاءَ التَّرتيبُ في السّابِعةِ والعِشرينَ على عَكسِ هذا: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أوَّلاً، ثُمَّ إرادةُ مُتَّبِعي الشَّهَوات. أمّا هُنا فتُعرَضُ إرادةُ القَومِ أوَّلاً، ثُمَّ يَرجِعُ الكَلامُ إلى اسمِ الله، فيَأتي بَعدَ الإرادةِ عِلمٌ بِأصحابِها وكِفايةٌ لِمَن أُريدَ بِه. و«أعلَمُ» على التَّفضيل، والمُفَضَّلُ عَلَيه مَطويّ، فعِلمُ اللهِ بِالأعداءِ أتَمُّ من عِلمِ المُخاطَبينَ بِهِم، وفي هذا التَّفضيلِ إيماءٌ إلى أنَّ العَداوةَ قد تَخفى على مَن تَتَّجِهُ إلَيه.

و«أعدائِكُم» جَمعُ عَدُوّ، من ع-د-و، وهو جَرْيٌ نافِذٌ يَتَجاوَزُ مَوضِعَه إلى غَيرِه، فالعَدُوُّ مَن يَندَفِعُ إلى غَيرِه مُجاوِزاً ما بَينَهُما. وقد جاءَ الجِذرُ في السّورةِ مُجاوَزةً لِلحُدودِ في الرّابِعةَ عَشْرةَ: وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾، واعتِداءً في الثَّلاثين: عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾، وهو هُنا اسمٌ لِأشخاصٍ يَتَّجِهُ اندِفاعُهُم إلى المُخاطَبين. والاسمُ عامٌّ يَشمَلُ كُلَّ مَن يُعاديهِم، وقد جاءَ بَعدَ مَشهَدِ قَومٍ يُريدونَ لِلمُخاطَبينَ أن يَضِلّوا السَّبيل، والآيةُ تَرُدُّ العِلمَ بِالأعداءِ إلى الله.

«وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا»: قُربٌ يَسُدُّ الخَلّة

ثُمَّ تَأتي الكِفاية: «وَكَفى بِاللهِ وَليّاً». والكِفايةُ من ك-ف-ي، سَدُّ الخَلّةِ حتّى لا يُحتاجَ مَعَ السّادِّ إلى غَيرِه، واسمُ اللهِ تَدخُلُ عَلَيه الباءُ فيَكونُ هو الكافي، و«وَليّاً» تُبَيِّنُ الجِهةَ التي يَكفي فيها. والوَليُّ من و-ل-ي، قُربٌ يَلي الشَّيءَ بِلا فاصِلٍ ويَقومُ بِأمرِه، وقد جاءَ الجِذرُ في الثّالِثةِ والثَّلاثينَ لِمَن يَلونَ المَيِّتَ في مالِه: «مَوالِيَ». فأمامَ عَدُوٍّ يَندَفِعُ إلى المُخاطَبينَ يَقومُ وَليٌّ يَلزَمُهُم ولا يَفصِلُه عَنهُم فاصِل.

وقد خَتَمَتِ السّورةُ آيةً قَبلَ هذه بِالتَّركيبِ نَفسِه: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، في الآيةِ السّادِسةِ عِندَ دَفعِ أموالِ اليَتامى إلَيهِم. فالتَّركيبُ يَعودُ في السّورةِ ويَأخُذُ في كُلِّ مَوضِعٍ الاسمَ الذي تَطلُبُه الحاجةُ فيه: حَسيباً حينَ يُسَلَّمُ المالُ ويُشهَدُ عَلَيه، ووَليّاً ونَصيراً حينَ يَكونُ في الطَّريقِ عَدُوّ.

«وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا»: كِفايةٌ ثانيةٌ في جُملةٍ تامّة

ويَتَكَرَّرُ القَولُ كُلُّه قَبلَ الاسمِ الثّاني: «وَكَفى بِاللهِ نَصيراً»، فلم يُجمَعِ الاسمانِ تَحتَ فِعلٍ واحِد. وقد جَمَعَ الكِتابُ اسمَينِ تَحتَ «كَفى» واحِدةٍ في غَيرِ هذا المَوضِع: وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، أمّا هُنا فلِكُلِّ اسمٍ جُملَتُه التّامّة، فالوِلايةُ كافيةٌ في بابِها، والنُّصرةُ كافيةٌ في بابِها، وكُلٌّ مِنهُما يَسُدُّ الخَلّةَ وَحدَه.

والنَّصيرُ من ن-ص-ر، قِيامٌ ظاهِرٌ ثابِتٌ يَلتَحِمُ بِمَن يُعانُ فيَشُدُّه في وَجهِ ما يُواجِهُه، وبِناءُ «فَعيل» يُديمُ هذا القِيام. والاسمانِ يُقابِلانِ ما في الآيَتَين: قَومٌ يُريدونَ أن يَفوتَ المُخاطَبينَ الطَّريق، وأعداءٌ يَندَفِعونَ إلَيهِم، واللهُ وَليٌّ يَلي أمرَهُم فلا يَترُكُهُم لِمَن يُريدُ تَضليلَهُم، ونَصيرٌ يَثبُتُ مَعَهُم في وَجهِ مَن يَندَفِعُ إلَيهِم.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ جَواباً عن المَشهَدِ الذي قَبلَها، قَومٍ يُريدونَ لِلمُخاطَبينَ أن يَضِلّوا، فتَرجِعُ إلى اسمِ اللهِ بَعدَ أن عُرِضَت إرادَتُهُم، على عَكسِ التَّرتيبِ في السّابِعةِ والعِشرين. وتَضَعُ أوَّلاً عِلماً أتَمَّ من عِلمِ المُخاطَبينَ بِأعدائِهِم، والعَدُوُّ من ع-د-و مَن يَندَفِعُ إلى غَيرِه مُجاوِزاً ما بَينَهُما، ثُمَّ تُكَرِّرُ الكِفايةَ في جُملَتَينِ تامَّتَين: اللهُ يَكفي وَليّاً يَلي أمرَهُم ويَلزَمُهُم، ويَكفي نَصيراً يَثبُتُ مَعَهُم، وكُلُّ كِفايةٍ تَسُدُّ الخَلّةَ وَحدَها. وسَيَعودُ الفِعلُ نَفسُه في الآيةِ الخَمسينَ مَعَ حِملٍ آخَر: «وَكَفى بِه إثماً مُبيناً».