النساء · الآية 43

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

«لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ»: قُربٌ يُحفَظُ بِحَدّ

تَنتَقِلُ السّورةُ بَعدَ مَشهَدِ الشُّهودِ إلى خِطابِ الذينَ أعطَوا ثِقَتَهُم: «يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا»، وقد عُرِضَ الإيمانُ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثينَ على مَن غابَ عَنهُم، ويُوَجَّهُ الأمرُ الآنَ إلى مَن آمَنوا في شَأنِ الصَّلاة. والنَّهيُ واقِعٌ على القُرب: «لا تَقرَبوا الصَّلاة»، والقُربُ من ق-ر-ب، صِلةٌ تُدني الشَّيءَ من غَيرِه حتّى يَتَّصِلَ بِه أو يَكاد. والنَّهيُ عن القُربِ يَأتي في الكِتابِ لِأشياءَ تُحفَظُ حُدودُها من بَعيد: وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾، والمَنهيُّ عن قُربِه هُنا الصَّلاةُ نَفسُها، في حالٍ مُعَيَّنةٍ وإلى غايةٍ مُعَيَّنة.

والصَّلاةُ من ص-ل-و، إمساكٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ بِما يَصِلُه، والواوُ في آخِرِ الجِذرِ تَمُدُّ هذا التَّعَلُّقَ وَصلاً لا يَنقَطِع، فهي صِلةٌ قائمةٌ دائمة. و«وأنتُم سُكارى» جُملةُ حالٍ تُقَيِّدُ النَّهي، و«سُكارى» جَمعُ سَكران، من س-ك-ر، وأصلُه السَّدُّ يُحبَسُ بِه جَرَيانُ الماء، وفي الكِتابِ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، أي سُدَّت فلا يَجري فيها النَّظَر. فالسُّكرُ في الآيةِ سَدٌّ يَقِفُ في مَجرى الإدراك، والآيةُ تُعطيه حَدّاً يُعرَفُ بِه: «حتّى تَعلَموا ما تَقولون». فغايةُ النَّهيِ عِلمُ المُصَلّي بِما يَقول، والصِّلةُ التي تُقامُ بِالقَولِ تُترَكُ ما دامَ القَولُ لا يَعلَمُه قائلُه.

«وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا»: جانِبٌ يُبعِدُ وغَسلٌ يُعيد

ثُمَّ «ولا جُنُباً»، مَنصوبٌ مَعطوفٌ على جُملةِ الحالِ قَبلَه، والمَعنى: ولا تَقرَبوها جُنُباً. والجُنُبُ من ج-ن-ب، والجِذرُ ناحيةٌ تَمتَدُّ من الجِسمِ وهي مُتَّصِلةٌ بِه، ومنه الجانِبُ والجَنب. و«جُنُب» هو اللَّفظُ نَفسُه الذي وُصِفَ بِه الجارُ في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثين: «والجارِ الجُنُب»، الجارِ الذي في ناحيةٍ أُخرى. فالجُنُبُ في الآيَتَينِ مَن صارَ في جانِبٍ بَعيد: هُناكَ جارٌ في ناحيةٍ غَيرِ ناحيةِ المُخاطَبين، وهُنا مَن هو في حالٍ تَضَعُه في جانِبٍ بَعيدٍ عن الصَّلاةِ حتّى يَغتَسِل. وجاءَ «جُنُباً» بِلَفظِ المُفرَدِ والمُخاطَبونَ جَمع، وهو لَفظٌ يَستَوي فيه الواحِدُ والجَمع.

واستُثنِيَ من ذلك «عابِري سَبيل». والعُبورُ من ع-ب-ر، مُجاوَزةٌ من ضِفّةٍ إلى ضِفّة، والسَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً مَمدودٌ مَفتوحٌ يُسلَك، فعابِرُ السَّبيلِ مَن يَقطَعُ طَريقاً ماضِياً فيه. ووَجهُ الاستِثناءِ مَفتوح: قد يَكونُ العُبورُ سَفَراً على الطَّريق، فيَكونُ المُستَثنى المُسافِر، وقد ذَكَرَتِ الآيةُ بَعدَه «أو على سَفَرٍ» بِلَفظٍ آخَر، وقد يَكونُ مُروراً يَعبُرُ ولا يَقِف. ثُمَّ الغايةُ «حتّى تَغتَسِلوا»، والاغتِسالُ من غ-س-ل على افتِعال، وبِناءُ افتِعالٍ يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه، فالمَغسولُ هو الغاسِلُ نَفسُه.

وبِهذا يَنتَهي النَّهيُ في الحالَينِ بِـ«حتّى»: «حتّى تَعلَموا ما تَقولون» و«حتّى تَغتَسِلوا». الغايةُ الأُولى في الدّاخِل: عِلمٌ يَعودُ إلى القَول، والثّانيةُ في الظّاهِر: ماءٌ يَغسِلُ البَدَن. فالقُربُ من الصَّلاةِ يُفتَحُ حينَ يَعودُ الإدراكُ إلى مَجراه، وحينَ يَعودُ البَدَنُ من جانِبِه البَعيد.

«وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ»: أربَعُ أحوالٍ تَكفي إحداها

ثُمَّ يَفتَحُ الشَّرطُ باباً لِمَن لا يَصِلُ إلى الماء: أربَعةُ أحوالٍ بَينَها «أو»، تَكفي إحداها. «مَرضى» جَمعُ مَريض، من م-ر-ض، و«على سَفَرٍ»: والسَّفَرُ من س-ف-ر كَشفٌ يَمضي، انكِشافُ المَرءِ عن مَوضِعِه ومُضِيُّه في أرضٍ مَكشوفة، و«على» تَجعَلُ المُسافِرَ فَوقَ سَفَرِه كأنَّه راكِبُه. ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الإسنادُ في الحالِ الثّالِثة: «أو جاءَ أحَدٌ مِنكُم من الغائط»، فالخِطابُ الذي كانَ بِـ«كُنتُم» يَصيرُ حَديثاً عن «أحَدٍ مِنكُم» بِلَفظِ الغائب، ثُمَّ يَعودُ الخِطابُ في «لامَستُم».

و«الغائطُ» من غ-و-ط، وحَرفاه الصَّحيحانِ غَورٌ في الباطِنِ يُطبِقُ عَلَيه غِطاء، فالغائطُ في الأصلِ أرضٌ مُنخَفِضةٌ تَستُرُ مَن نَزَلَها، و«جاءَ من الغائط» رُجوعٌ من ذلك المَوضِع، فالآيةُ تُسَمّي الحالَ بِالمَكانِ الذي يُرجَعُ مِنه. و«لامَستُمُ النِّساءَ» من ل-م-س، والمُلامَسةُ على فاعَلَ لَمسٌ يَقَعُ من الطَّرَفَينِ جَميعاً، ومَدى هذا اللَّمسِ مَفتوحٌ في لَفظِه: مَسٌّ بِاليَدِ أو ما هو أبلَغُ مِنه. و«النِّساء» اسمُ السّورةِ نَفسُه. وهذا المَقطَعُ من «وإن كُنتُم مَرضى» إلى «فامسَحوا بِوُجوهِكُم وأيديكُم» يَتَكَرَّرُ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ بِألفاظِه، وتُزادُ فيه هُناكَ «مِنه» في آخِرِه.

«فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ»: قَصدٌ إلى وَجهِ الأرضِ حينَ يُفقَدُ الماء

و«فلَم تَجِدوا ماءً» مَعطوفةٌ بِالفاءِ على الأحوالِ الأربَعة، و«ماءً» نَكِرةٌ تَعُمُّ كُلَّ ماء، ومَدى رُجوعِ هذا القَيدِ على الأحوالِ كُلِّها، المَريضِ والمُسافِرِ والجائي من الغائطِ والمُلامِس، مَفتوحٌ في اللَّفظ. ثُمَّ جَوابُ الشَّرطِ «فتَيَمَّموا»، والتَّيَمُّمُ من ي-م-م، القَصدُ إلى الشَّيءِ والتَّوَجُّهُ نَحوَه، وهو أخو «أَمَّ» بِمَعنى قَصَد، وفي الكِتابِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾، أي لا تَقصِدوا الرَّديءَ لِتُنفِقوا مِنه. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَحَ هُنا: «تَيَمَّموا» فِعلٌ مَعناه اقصِدوا، قَبلَ أن يَصيرَ اسماً لِعَمَلٍ مَخصوص.

والمَقصودُ «صَعيداً طَيِّباً». والصَّعيدُ من ص-ع-د، والجِذرُ صُعودٌ وارتِفاع، فالصَّعيدُ ما يَعلو من الأرضِ ويَظهَرُ على وَجهِها، وفي الكِتابِ صَعِيدًا جُرُزًا﴾ وصَعِيدًا زَلَقًا﴾ لِوَجهِ أرضٍ ذَهَبَ ما كانَ عَلَيه. و«طَيِّباً» من ط-ي-ب، ما يَنبَسِطُ ويَحسُنُ أثَرُه فيما حَولَه. ثُمَّ «فامسَحوا بِوُجوهِكُم وأيديكُم»، والمَسحُ من م-س-ح، إمرارُ اليَدِ على سَطحِ الشَّيء، والباءُ تُلصِقُ المَسحَ بِالوُجوهِ والأيدي. فالآيةُ تَنقُلُ ما يُفتَحُ بِه القُربُ من الصَّلاةِ من الماءِ إلى وَجهِ الأرض، ومن غَسلٍ إلى مَسحٍ يَقَعُ على الوَجهِ واليَدَين، فيَبقى بابُ الصَّلاةِ مَفتوحاً حينَ يُفقَدُ الماء.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا»: مَحوٌ وسَتر

وخُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَين: «عَفُوّاً غَفوراً». والعَفوُ من ع-ف-و، مَحوُ الأثَر، يُقالُ «عَفَتِ الرّيحُ الأثَرَ» إذا مَحَته، والغُفرانُ من غ-ف-ر سَترُ الشَّيءِ وتَغطيَتُه. وقد أمَرَتِ الآيةُ قَبلَ خِتامِها بِمَسحِ الوُجوهِ والأيدي، والمَسحُ إمرارٌ على السَّطح، ثُمَّ خُتِمَت بِاسمَينِ يَمُرّانِ على الأثَر: أحَدُهُما يَمحوه، والآخَرُ يَستُرُه. و«كانَ» تُثبِتُهُما صِفَتَينِ قائمَتَين، فالاسمانِ يَختِمانِ آيةً فَتَحَت لِمَن فَقَدَ الماءَ طَريقاً إلى الصَّلاة.


حَصيلة

يُخاطِبُ اللهُ الذينَ آمَنوا في شَأنِ الصَّلاة، من ص-ل-و، صِلةٍ تُمسَكُ وتُمَدّ، فيَنهاهُم عن القُربِ مِنها، من ق-ر-ب، في حالَينِ يَنتَهي كُلٌّ مِنهُما بِـ«حتّى»: حالُ «سُكارى»، من س-ك-ر، سَدٍّ يَقِفُ في مَجرى الإدراك، وغايَتُها أن يَعلَموا ما يَقولون، وحالُ «جُنُباً»، من ج-ن-ب، جانِبٍ يُبعِدُ عن الصَّلاة، وهو لَفظُ الجارِ الجُنُبِ في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثين، وغايَتُها الاغتِسال، ويُستَثنى «عابِري سَبيل» على وَجهٍ يَبقى مَفتوحاً. ثُمَّ أربَعةُ أحوالٍ بِـ«أو»: مَرَضٌ، وسَفَر، ومَجيءٌ من الغائط، من غ-و-ط، أرضٍ مُنخَفِضةٍ تَستُر، ومُلامَسةٌ من ل-م-س مَفتوحةُ المَدى. فإن فُقِدَ الماءُ فالأمرُ «فتَيَمَّموا»، من ي-م-م، اقصِدوا، «صَعيداً طَيِّباً»، وَجهَ أرضٍ يَعلو، ثُمَّ امسَحوا الوُجوهَ والأيدي. وتُختَمُ بِـ«عَفُوّاً غَفوراً»، مَحوٍ وسَتر، بَعدَ أن فَتَحَتِ الآيةُ لِمَن فَقَدَ الماءَ طَريقاً إلى الصَّلاة.