النساء · الآية 84

﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا

«فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»: أمرٌ يَنتَقِلُ من الجَمعِ إلى الواحِد

تَبدَأُ الآيةُ بِالفاء: «فقاتِل»، فتَصِلُ الأمرَ بِما سَبَقَه، وقد جَرى ذِكرُ القِتالِ في هذا المَقطَعِ بِالجَمع: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ في الآيةِ السّادِسةِ والسَّبعين، ثُمَّ جاءَ الأمرُ هُنا بِالإفراد: «فقاتِلْ». والقِتالُ من ق-ت-ل، والقَتلُ إزهاقٌ يَقطَعُ على الحَيِّ حَياتَه، و«قاتَلَ» على فاعَل، فِعلٌ يَجري بَينَ طَرَفَينِ يَفعَلُه كُلٌّ مِنهُما بِالآخَر، فالمُقاتِلُ يُقاتَلُ كما يُقاتِل. ووُضِعَ القِتالُ «في سَبيلِ الله»، والسَّبيلُ من س-ب-ل، طَريقٌ مَمدودٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، فالقِتالُ مَسلَكٌ في طَريقٍ يُضافُ إلى الله.

«لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ»: حِملٌ يَقِفُ عِندَ صاحِبِه

ثُمَّ تَحُدُّ الآيةُ ما يُحَمَّلُه المُخاطَب: «لا تُكَلَّفُ إلّا نَفسَك». والتَّكليفُ من ك-ل-ف، والكُلفةُ ما يَشُقُّ على صاحِبِه فيَلتَفُّ عَلَيه ويَأخُذُ من طاقَتِه، ويُقالُ كَلِفَ بِالشَّيءِ إذا لَزِمَه وأُولِعَ بِه. والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالتَّكليفُ يَقَعُ على المُخاطَبِ ويَبقى المُكَلِّفُ خارِجَ اللَّفظ، والاستِثناءُ مُفَرَّغ، و«نَفسَك» هي المَفعولُ الثّاني، فالمَعنى: لا يُوضَعُ عَلَيكَ حِملٌ إلّا حِملُ نَفسِك. فالقِتالُ الذي أُمِرَ بِه مَطلوبٌ مِنه هو، وما يَفعَلُه غَيرُه أو يَترُكُه لا يُحَمَّلُه.

وقد جاءَ «تُكَلَّفُ» بِلَفظِه في سورةِ البَقَرة: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، والفِعلُ هُناكَ لِلغائبةِ «نَفسٌ»، والمُستَثنى «وُسعَها»، أي ما تَسَعُه طاقَتُها. وفي هذه الآيةِ صارَ الفِعلُ لِلمُخاطَب، وصارَتِ النَّفسُ هي ما يُكَلَّفُه. فهُناكَ حَدٌّ لِقَدرِ ما تُحَمَّلُه النَّفس، وهُنا حَدٌّ لِمَن يَحمِلُ المُخاطَبُ أمرَه: نَفسُه وَحدَها.

«وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ»: حَثٌّ يَشُدُّ ما كادَ يَنحَلّ

ثُمَّ يُعطَفُ على الأمرِ الأوَّلِ أمرٌ ثانٍ: «وحَرِّضِ المُؤمِنين». والتَّحريضُ من ح-ر-ض، والحَرَضُ في الكِتابِ مَن ذابَت قُوَّتُه حتّى أشرَفَ على الهَلاك: حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. و«حَرَّضَ» على فَعَّل، ويُحمَلُ على إزالةِ الحَرَضِ عن المَحثوث، كما يُقالُ قَذّى العَينَ إذا أزالَ عَنها القَذى، أو على حَثٍّ يُعلَمُ مَعَه أنَّ المُتَخَلِّفَ صائرٌ إلى ذلك الذَّوَبان، وفي الوَجهَينِ يَبقى التَّحريضُ حَثّاً يَرُدُّ إلى المَحثوثِ تَماسُكَه. ولا يَرِدُ الجِذرُ في الكِتابِ إلّا هُنا، وفي حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، وفي «حَرَضاً». والمُحَرَّضونَ هُمُ «المُؤمِنون»، الذينَ أعطَوا الثِّقة، والمُخاطَبُ يُؤمَرُ بِحَثِّهِم، وفِعلُهُم بَعدَ ذلك لَهُم، فالآيةُ تُعطيه أمرَين: فِعلاً في نَفسِه هو القِتال، وقَولاً إلى غَيرِه هو التَّحريض.

«عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا»: رَجاءٌ بِأن يُسَدَّ مَنفَذُ البَأس

ثُمَّ يَأتي الرَّجاء: «عَسى اللهُ أن يَكُفَّ بَأسَ الذينَ كَفَروا». و«عَسى» فِعلُ رَجاء، والمَرجُوُّ هُنا «أن يَكُفَّ»، «أن» والفِعل، أي كَفُّ البَأس. والكَفُّ من ك-ف-ف، إمساكٌ يَنطَبِقُ على الشَّيءِ فيَرُدُّه، ومنه الكَفُّ التي تَنقَبِضُ على ما فيها، وكَفَّ عن الأمرِ إذا أمسَكَ عَنه. وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ السّابِعةِ والسَّبعينَ أمراً لِقَومٍ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهو هُنا مَرجُوٌّ من اللهِ في بَأسِ الذينَ كَفَروا. والبَأسُ من ب-أ-س، قُوّةٌ تَحتَبِسُ ثُمَّ تَنفَجِرُ فتَبلُغُ ما تَلقاه، وهو شِدّةُ الحَربِ ووَقعُها، ومنه البَأساءُ لِلشِّدّة. والذينَ كَفَروا من ك-ف-ر، الذينَ غَطَّوا ما كانَ يَنبَغي أن يَظهَر.

«وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا»: بَأسٌ أشَدُّ ونَكالٌ أشَدّ

وتُختَمُ الآيةُ بِجُملةٍ اسمِيّة: «واللهُ أشَدُّ بَأساً وأشَدُّ تَنكيلاً». وقد تَكَرَّرَ البَأسُ في الآيةِ مَرَّتَين: بَأسُ الذينَ كَفَروا يُرجى كَفُّه، وبَأسُ اللهِ أشَدّ، فما يُخشى من البَأسِ الأوَّلِ يُقاسُ على ما هو أشَدُّ مِنه. و«أشَدُّ» من ش-د-د، والشِّدّةُ صَلابةٌ يَتَماسَكُ بِها الشَّيءُ فلا يَنحَلّ، وجاءَت على أفعَلَ لِلتَّفضيلِ مَرَّتَين.

والتَّنكيلُ من ن-ك-ل، والنِّكلُ القَيدُ الثَّقيل، وجَمعُه في الكِتاب: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾، ونَكَلَ عن الأمرِ إذا نَكَصَ عَنه كأنَّما قُيِّد، والنَّكالُ العُقوبةُ التي تَجعَلُ مَن يَراها يَنكُلُ عن مِثلِ ما جَرَّها، كما في فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. و«نَكَّلَ بِه» على فَعَّل، صَنَعَ بِه ما يَرتَدِعُ بِه غَيرُه. فالآيةُ تَختِمُ بِأنَّ اللهَ أشَدُّ من البَأسِ الذي يُخشى، وأشَدُّ في جَعلِ العاقِبةِ رادِعاً لِمَن بَعدَها.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ بِأمرِ القِتالِ من الجَمعِ إلى الواحِد: «فقاتِلْ في سَبيلِ الله»، وتَحُدُّ ما يُحَمَّلُه المُخاطَبُ بِنَفسِه: «لا تُكَلَّفُ إلّا نَفسَك»، والتَّكليفُ من ك-ل-ف حِملٌ يَلتَفُّ على صاحِبِه ويَأخُذُ من طاقَتِه، وهو هُنا مَحصورٌ فيه. ثُمَّ تَأمُرُه بِالتَّحريض، من ح-ر-ض، حَثّاً يَشُدُّ المَحثوثَ ويُبعِدُه عن الحَرَضِ الذي يَنحَلُّ فيه، ثُمَّ تَضَعُ الرَّجاءَ في أن يَكُفَّ اللهُ، من ك-ف-ف، بَأسَ الذينَ كَفَروا، والبَأسُ من ب-أ-س قُوّةٌ تَحتَبِسُ ثُمَّ تَنفَجِر، وتَختِمُ بِأنَّ اللهَ أشَدُّ بَأساً وأشَدُّ تَنكيلاً، والتَّنكيلُ من ن-ك-ل صَنيعٌ يُقَيِّدُ مَن يَراه عن مِثلِه. فالمُخاطَبُ يَحمِلُ نَفسَه ويَحُثُّ غَيرَه، والكَفُّ مَرجُوٌّ من الله، وبَأسُه أشَدّ.