النساء · الآية 85

﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا

«مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً»: واحِدٌ يَنضَمُّ إلى غَيرِه فيَصيرانِ شَفعاً

تَلي الآيةُ أمرَ المُخاطَبِ بِأن يُحَرِّضَ غَيرَه، ثُمَّ تَعُمُّ بِـ«مَن» كُلَّ مَن يَضُمُّ نَفسَه إلى أمرِ غَيرِه: «مَن يَشفَعْ شَفاعةً حَسَنة». والشَّفاعةُ من ش-ف-ع، والشَّفعُ خِلافُ الوَتر، أي الزَّوجُ من العَدَد، كما في وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، وشَفَعَ الشَّيءَ إذا ضَمَّ إلَيه مِثلَه فصارَ اثنَين. فالشّافِعُ يَضُمُّ صَوتَه أو سَعيَه إلى أمرِ غَيرِه، فيَصيرُ ذلك الأمرُ مَشفوعاً، يَقومُ فيه مَعَ صاحِبِه آخَر.

والفِعلُ «يَشفَعْ» مَجزومٌ بِالشَّرط، وبَعدَه «شَفاعةً» مَصدَرٌ من لَفظِه، ثُمَّ وُصِفَ المَصدَرُ بِـ«حَسَنة»، فالآيةُ تَصِفُ الشَّفاعةَ بِصِفَتِها وتُبقي مادَّتَها عامّة، فكُلُّ ما يُشفَعُ فيه يَدخُلُ تَحتَها إذا كانَ حَسَناً. والحَسَنُ من ح-س-ن، ما يَخلُصُ فيَلطُفُ وَقعُه في النَّفس. وقد جاءَتِ الحَسَنةُ والسَّيِّئةُ في الآيَتَينِ الثّامِنةِ والسَّبعينَ والتّاسِعةِ والسَّبعينَ مِمّا يُصيبُ النّاس: مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، وتَأتيانِ هُنا وَصفَينِ لِما يَفعَلُه المَرءُ نَفسُه إذا شَفَع.

«يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا»: حِصّةٌ تُنصَبُ لِصاحِبِها

وجَوابُ الشَّرطِ «يَكُنْ لَه نَصيبٌ مِنها». والنَّصيبُ من ن-ص-ب، ما يُنصَبُ لِصاحِبِه ويُقامُ لَه ظاهِراً ثابِتاً فيُعرَفُ أنَّه لَه، ومنه نَصَبَ العَلَمَ إذا أقامَه. وقد جَرى هذا الاسمُ في هذه السّورةِ من قَبلُ في غَيرِ مَوضِع، منها ما يَصيرُ إلى المَرءِ مِمّا تَرَكَ غَيرُه ومِمّا كَسَبَ هو: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ولِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا﴾، وهو هُنا نَصيبٌ «مِنها». والضَّميرُ في «مِنها» يَعودُ على الشَّفاعة، فالشّافِعُ يَأخُذُ حِصّةً مِمّا شَفَعَ فيه، كأنَّه صارَ شَريكاً في الأمرِ الذي ضَمَّ نَفسَه إلَيه.

«يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا»: حِصّةٌ تَلزَمُ حامِلَها

ثُمَّ الشَّرطُ المُقابِل: «ومَن يَشفَعْ شَفاعةً سَيِّئةً يَكُنْ لَه كِفلٌ مِنها». والسَّيِّئةُ من س-و-ء، ما يَسوءُ فيَقطَعُ على الشَّيءِ سَلامَتَه. وقد تَغَيَّرَ اسمُ الحِصّةِ في هذا الشَّطر، فجاءَ «كِفلٌ» مَكانَ «نَصيب». والكِفلُ من ك-ف-ل، والكَفالةُ أن يَأخُذَ المَرءُ الشَّيءَ في عُهدَتِه فيَلزَمَه ويَقومَ بِه، ومنه في الكِتابِ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، ووَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. فالكِفلُ حِصّةٌ تَعلَقُ بِصاحِبِها ويَحمِلُها، كأنَّه صارَ كَفيلاً بِما شَفَعَ فيه.

والكِفلُ لا يَختَصُّ بِالسَّيِّئ، فقد جاءَ في سورةِ الحَديدِ لِلرَّحمة: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾، فالفَرقُ بَينَ الاسمَينِ في الآيةِ فَرقٌ في الجِهةِ التي تُنظَرُ مِنها الحِصّة: النَّصيبُ حِصّةٌ تُنصَبُ لِصاحِبِها فتُرفَعُ لَه، والكِفلُ حِصّةٌ تَلزَمُ صاحِبَها فيَحمِلُها. والآيةُ تَضَعُ الأوَّلَ مَعَ الشَّفاعةِ الحَسَنة، والثّانيَ مَعَ السَّيِّئة، و«مِنها» في الشَّطرَينِ تَجعَلُ الحِصّةَ من الشَّفاعةِ نَفسِها.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا»: قِوامٌ يُمسَكُ على قَدرِه

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ على كُلِّ شَيءٍ مُقيتاً». والمُقيتُ من ق-و-ت، والقوتُ ما يُمسِكُ على الحَيِّ قِوامَه، القَدرُ الذي يَقومُ بِه بَدَنُه، وقاتَه يَقوتُه إذا أعطاه قوتَه، وأقاتَ فهو مُقيتٌ على أفعَل. ولا يَرِدُ الجِذرُ في الكِتابِ إلّا في هذه الآيةِ وفي وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، والأقواتُ هُناكَ مُقَدَّرةٌ في الأرض.

و«على كُلِّ شَيءٍ» تَجعَلُ هذه الإقاتةَ واقِعةً على الأشياءِ كُلِّها من فَوقِها، فالمُقيتُ على الشَّيءِ هو الذي يُمسِكُ عَلَيه قِوامَه ويَقدِرُ عَلَيه، ولِذلك يُقالُ أقاتَ على الشَّيءِ إذا اقتَدَرَ عَلَيه. والكَلِمةُ تَجمَعُ الإعطاءَ على القَدرِ والإمساكَ والقُدرة، وتُبقي هذه الوُجوهَ كُلَّها قائمةً فيها. وبِهذا الاسمِ خُتِمَت آيةُ الحِصَص: شَفاعةٌ لَها نَصيب، وشَفاعةٌ لَها كِفل، واللهُ على كُلِّ شَيءٍ يُعطي ويُمسِكُ بِقَدَر، و«كانَ» تُثبِتُ هذا الوَصفَ لَه.


حَصيلة

تَعُمُّ الآيةُ بِـ«مَن» كُلَّ مَن يَضُمُّ نَفسَه إلى أمرِ غَيرِه، والشَّفاعةُ من ش-ف-ع ضَمُّ الواحِدِ إلى الواحِدِ حتّى يَصيرا شَفعاً، وتَصِفُ الشَّفاعةَ بِصِفَتِها، حَسَنةً أو سَيِّئة، وتُبقي ما يُشفَعُ فيه عامّاً. ثُمَّ تَجعَلُ لِلشّافِعِ حِصّةً «مِنها»، من الشَّفاعةِ نَفسِها، وتُسَمّيها بِاسمَين: نَصيباً، من ن-ص-ب، يُنصَبُ لِصاحِبِ الشَّفاعةِ الحَسَنة، وكِفلاً، من ك-ف-ل، يَلزَمُ صاحِبَ السَّيِّئةِ فيَحمِلُه كما يَحمِلُ الكَفيلُ ما كَفَلَه، والكِفلُ في الكِتابِ يَكونُ من الرَّحمةِ أيضاً. وتَختِمُ بِأنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ مُقيت، من ق-و-ت، يُمسِكُ على الأشياءِ قِوامَها بِقَدَرٍ ويَقدِرُ عَلَيها، فتُغلَقُ آيةُ الحِصَصِ بِمَن يُعطي كُلَّ شَيءٍ قَدرَه.