النساء · الآية 83

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا

«وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ»: شَأنٌ يُسكِنُ أو يُفزِع

بَعدَ أن سَأَلَتِ الآيةُ السّابِقةُ عن تَتَبُّعِ الكَلامِ إلى أعقابِه، تَصِفُ هذه ما يُصنَعُ بِالأمرِ حينَ يَجيء: «وإذا جاءَهُم أمرٌ من الأمنِ أو الخَوف». و«إذا» مَعَ الماضي تَضَعُ ما يَقَعُ كُلَّما تَحَقَّقَ شَرطُه، فالآيةُ تَرسُمُ صَنيعاً يَتَكَرَّرُ عِندَ مَجيءِ الأخبار. والأمرُ من أ-م-ر، الشَّأنُ الذي يُحسَمُ فتَجتَمِعُ عَلَيه الأطرافُ ثُمَّ يَمضي، وقد جاءَ نَكِرةً تَعُمُّ كُلَّ شَأن، ثُمَّ وُصِفَ بِما يَنتَسِبُ إلَيه: «من الأمنِ أو الخَوف».

والأمنُ من أ-م-ن، سُكونُ النَّفسِ وزَوالُ ما تَحذَرُه، والخَوفُ من خ-و-ف، تَخَلخُلٌ يُفَرِّقُ تَماسُكَها حينَ تَتَوَقَّعُ المَكروه، وقد جَمَعَتِ الآيةُ الطَّرَفَينِ بِـ«أو»، فالشَّأنُ الذي يَجيءُ إمّا خَبَرٌ يُسكِنُ وإمّا خَبَرٌ يُفزِع. ثُمَّ الجَواب: «أذاعوا بِه». والإذاعةُ من ذ-ي-ع، وذاعَ الخَبَرُ إذا فَشا وانتَشَر، ويُقالُ أذاعَه وأذاعَ بِه إذا أفشاه ونَشَرَه في النّاس، فالأمرُ يَصِلُ إلَيهِم فيَخرُجُ من أيديهِم مَنثوراً قَبلَ أن يُعرَفَ وَجهُه.

«وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ»: شَأنٌ يُعادُ إلى أصحابِ الشَّأن

ثُمَّ تَضَعُ الآيةُ بِـ«لو» مَسلَكاً آخَرَ لم يَسلُكوه: «ولو رَدّوه إلى الرَّسولِ وإلى أولي الأمرِ مِنهُم». والرَّدُّ من ر-د-د، إرجاعُ الشَّيءِ عن الوِجهةِ التي كانَ يَمضي فيها إلى مَوضِعٍ يَقِفُ عِندَه، فالأمرُ الذي كانَ سيَمضي مَنثوراً في النّاسِ يُوقَفُ ويُعادُ إلى جِهةٍ مُسَمّاة. وقد جاءَ الرَّدُّ في الآيةِ التّاسِعةِ والخَمسينَ لِما يُتَنازَعُ فيه: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ويَجيءُ هُنا لِما يُذاعُ من الأمر، ومَرجِعُه الرَّسولُ وأولو الأمرِ مِنهُم، وقد أُعيدَت «إلى» قَبلَ «أولي الأمر»، فلِكُلٍّ من المَرجِعَينِ حَرفُه.

و«أولو الأمرِ» أصحابُ الأمر، والجِذرُ الذي جاءَ في أوَّلِ الآيةِ نَكِرةً، «أمرٌ»، يَعودُ هُنا مُعَرَّفاً، فالأمرُ الذي يَأتي يُرَدُّ إلى أصحابِ الأمر. و«مِنهُم» تَجعَلُهُم من الجَماعةِ التي جاءَها الأمر، كما جَعَلَت «مِنكُم» أولي الأمرِ في الآيةِ التّاسِعةِ والخَمسينَ من المُنادَين. والآيةُ تَصِفُهُم بِهذَينِ الوَصفَين، أنَّهُم أصحابُ الأمرِ وأنَّهُم مِنهُم، وتَبقى أعيانُهُم مَفتوحةً في العِبارة.

«لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ»: عِلمٌ يُستَخرَجُ من قَعرِ الأمر

وجَوابُ «لو»: «لَعَلِمَه الذينَ يَستَنبِطونَه مِنهُم». والاستِنباطُ من ن-ب-ط، والنَّبَطُ الماءُ الذي يَخرُجُ من قَعرِ البِئرِ إذا حُفِرَت، ونَبَطَ الماءُ إذا نَبَعَ، واستَنبَطَه إذا استَخرَجَه، وفي «استَفعَلَ» طَلَبٌ ومُعاناة، فالمُستَنبِطُ يَحفِرُ في الأمرِ حتّى يُخرِجَ ما في قَعرِه كما يُخرَجُ الماءُ من البِئر. ولا يَرِدُ هذا الجِذرُ في الكِتابِ إلّا في هذه الآية، وبِه يَصيرُ لِلأمرِ الذي جاءَ ظاهِرٌ يُذاعُ وقَعرٌ لا يُبلَغُ إلّا بِالحَفر.

و«مِنهُم» الثّانيةُ تَحتَمِلُ أن تَجعَلَ المُستَنبِطينَ بَعضاً من جَماعةٍ سَبَقَ ذِكرُها، فيَكونوا من أولي الأمرِ الذينَ رُدَّ إلَيهِمُ الأمر، أو من الجَماعةِ التي جاءَها الأمرُ عامّةً، وتَحتَمِلُ أن تَتَعَلَّقَ بِـ«يَستَنبِطونَه»، فيَكونَ الرَّسولُ وأولو الأمرِ الجِهةَ التي يُستَنبَطُ مِنها عِلمُه، والوُجوهُ كُلُّها قائمةٌ في اللَّفظ. وفي كُلِّ وَجهٍ يَجعَلُ الجَوابُ العِلمَ ثَمَرةَ الرَّدّ، والعِلمُ من ع-ل-م، خَفِيٌّ يَظهَرُ لِمَن يَطلُبُه فيَستَقِرُّ عِندَه، فما أُذيعَ مَضى بِظاهِرِه، وما يُرَدُّ يَبلُغُ مَن يُخرِجُ قَعرَه.

«وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ»: فَضلٌ يَحولُ دونَ الاتِّباع

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من الغَيبةِ إلى الخِطاب، فبَعدَ «جاءَهُم» و«أذاعوا» و«رَدّوه» تَأتي «عَلَيكُم» و«لاتَّبَعتُم». و«لولا» تَربِطُ امتِناعَ شَيءٍ بِوُجودِ غَيرِه: الاتِّباعُ امتَنَعَ لِأنَّ الفَضلَ والرَّحمةَ قائمان. والفَضلُ من ف-ض-ل، زِيادةٌ تَفيضُ عن المِقدار، والرَّحمةُ من ر-ح-م، احتِضانٌ رَقيقٌ يَنضَمُّ على ما فيه. والاتِّباعُ من ت-ب-ع على «افتَعَلَ»، مَشيٌ خَلفَ مُتَقَدِّمٍ يَلحَقُه المَرءُ بِجُهدِه، والمُتَقَدِّمُ الذي كانَ الاتِّباعُ سيَقَعُ خَلفَه هو الشَّيطان، من ش-ط-ن، البَعيدُ المُمتَدُّ عن أصلِه.

والاستِثناءُ «إلّا قَليلاً» في آخِرِ الآيةِ يَلي «لاتَّبَعتُمُ الشَّيطان»، وأقرَبُ ما يَتَعَلَّقُ بِه هو، فيَكونُ القَليلُ مِمَّن لم يَكونوا لِيَتبَعوه لو لم يَكُنِ الفَضل، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَرجِعَ الاستِثناءُ إلى ما قَبلَه، إلى الإذاعةِ أو إلى العِلم، والعِبارةُ تَحمِلُ ذلك كُلَّه.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ صَنيعاً يَتَكَرَّرُ كُلَّما جاءَ أمرٌ، من أ-م-ر، يَحمِلُ أمناً أو خَوفاً: الإذاعةَ، من ذ-ي-ع، نَشرَ الأمرِ على ظاهِرِه قَبلَ أن يُعرَفَ وَجهُه. ثُمَّ تَضَعُ بِـ«لو» المَسلَكَ الآخَر: رَدَّ الأمرِ، من ر-د-د، إلى الرَّسولِ وإلى أصحابِ الأمرِ مِنهُم، فيَعلَمُه الذينَ يَستَنبِطونَه، من ن-ب-ط، يُخرِجونَ ما في قَعرِه كما يُخرَجُ الماءُ من البِئر، وأعيانُ أصحابِ الأمرِ والمُستَنبِطينَ مَفتوحةٌ في العِبارة. ثُمَّ تَنتَقِلُ إلى الخِطاب، فتَجعَلُ فَضلَ اللهِ ورَحمَتَه ما حالَ دونَ اتِّباعِ الشَّيطان، والاستِثناءُ «إلّا قَليلاً» يَلي الاتِّباعَ ويَحتَمِلُ ما قَبلَه. فالأمرُ الواحِدُ يُنثَرُ على وَجهِه أو يُرَدُّ فيُستَخرَجُ من قَعرِه، وبَينَ الإذاعةِ والاستِنباطِ يَقَعُ الفَرقُ بَينَ خَبَرٍ يَنتَشِرُ وعِلمٍ يُستَخرَج.