البقرة · الآية 273

﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

(ح ص ر) الحَصرُ كَظَرفٍ قَسريّ

و«أُحصِروا» فِعلٌ ماضٍ مَبنيٌّ للمَجهول، أي أنَّ الحاصِرَ ظَرفٌ خارِجيّ، وليسَ ذاتَهم. ومَدارُ (ح ص ر) في العَرَبيَّةِ على التَّضييقِ عَلى الشَّخصِ حتّى لا يَستَطيعَ الحَرَكة، وهؤلاءِ الفُقَراءُ ضُيِّقَ عَلَيهم ولم يَختاروا الفَقر. وهذا مُهِمّ: الآيةُ تَرفُضُ فَرضيَّةَ أنَّ الفَقيرَ مَسؤولٌ عن فَقرِه دائِمًا، والفَقرُ يَكونُ أحيانًا نَتيجةَ حَصرٍ ظُروفيٍّ لا ذَنبَ لصاحِبِه فيه.

«في سَبيلِ الله» قَيدٌ شَرَفيّ

و«في سَبيلِ الله» يُشيرُ إلى أنَّ الحَصرَ جاءَ بسَبَبِ التِزامٍ أخلاقيٍّ أو جِهاديٍّ أو عِلميّ، والمَقصودُ الذينَ حَصَرَهمُ التِزامُهم بالحَقِّ عن مُمارَسةِ أسبابِ الكَسبِ العاديَّة، وليسَ كُلُّ مَحصورٍ كذلك: المُجاهِدُ المُرابِط، والعالِمُ المُتَفَرِّغُ للعِلم، والدّاعيَةُ المُنشَغِلُ بالدَّعوة، وهَؤلاءِ تَحَصَّنوا بأعمالِهم عن الانتِقالِ والتَّوَسُّعِ في الرِّزق، وفَقرُهم أثَرُ التِزامٍ نَبيلٍ اختاروه، لا نَتيجةُ كَسَل.

(ض ر ب)+(أ ر ض) الضَّربُ في الأرض

و«ضَربًا في الأرض» مُصطَلَحٌ قُرآنيٌّ للسَّفَرِ التِّجاريِّ أو بَحثِ الرِّزق، والضَّربُ هنا الحَرَكةُ المُتَنَقِّلةُ بقُوَّةٍ وتَصميم، فالذي يَضرِبُ في الأرضِ هو الذي يَتَحَرَّكُ بَينَ البُلدانِ للتِّجارة، يَنزِلُ في سوقٍ ويُقيمُ في آخَر. وهَؤُلاءِ الفُقَراءُ عاجِزونَ عن ذلك بحُكمِ مَوقِعِهم المُلتَزِمِ في سَبيلِ الله، فلا يَنفَعُهم حَلُّ «ابحَث عن عَمَل»، لأنَّ العَمَلَ الذي يَلزَمُه سَفَرٌ لا يَستَطيعونَه.

(ح س ب)+(ج ه ل) ظَنُّ الجاهِل

وفي «يَحسَبُهمُ الجاهِلُ أغنياءَ» مادّتانِ: (ح س ب)، وهي الظَّنُّ مع قِلَّةِ التَّحَقُّق، و(ج ه ل)، وهي الجَهلُ بالحَقيقة. والآيةُ تَرسُمُ نَمَطَ القارِئِ السَّطحيِّ للمَشهَدِ الاجتِماعيّ، يَرى ظَواهِرَ (مَلابِسَ نَظيفة، سُلوكًا مُتَماسِكًا، كَلامًا مُهَذَّبًا) فيَقضي بالثَّراء. والجَهلُ هنا جَهلٌ ظاهِراتيٌّ بقِراءةِ الواقِع، وليسَ جَهلًا بالعِلمِ الشَّرعيّ، والقُرآنُ يُعَلِّمُ ألّا يُكتَفى بالظّاهِرِ في تَقديرِ فَقرِ النّاس.

(ع ف ف) التَّعَفُّفُ كَسَبَبِ الالتِباس

و«مِنَ التَّعَفُّف» هي العِلَّةُ الدَّقيقةُ للِالتِباس، و(ع ف ف) الامتِناعُ عَمّا لا يَجوزُ أو لا يَليق، والتَّعَفُّفُ هنا امتِناعٌ عن الاستِجداء، فيَحسَبُهمُ الجاهِلُ أغنياءَ بسَبَبِه. وهذا نَقدٌ مَفتاحيٌّ لثَقافةِ تَقييمِ الفَقرِ بالصَّوت: يُظَنُّ أنَّ الفَقيرَ مَن يَبكي ويَستَجدي، في حينِ أنَّ أفقَرَ الفُقَراءِ قد يَكونُ أكثَرَهم صَمتًا، والصَّمتُ هو الذي يَخدَعُ الجاهِل.

(ع ر ف)+(س و م) المَعرِفةُ بالسِّيما

و«تَعرِفُهم بسِيماهم» من (س و م)، وهو العَلامةُ الخَفيفةُ الظّاهِرةُ عَلى الشَّخص، والسِّيما إشاراتٌ دَقيقةٌ غَيرُ الاعتِرافِ اللَّفظيِّ والشَّكوى: رُبَّما تَعَبُ الوَجه، أو انكِماشُ اليَدَين، أو تَراجُعٌ عَن أكلةٍ مُستَفيضة. والآيةُ تُخاطِبُ «أنتَ» مُفرَدًا في «تَعرِفُهم»، كأنَّها تُكَلِّفُ كلَّ مؤمِنٍ بالبَصيرةِ الشَّخصيَّة، والقِراءةُ الاجتِماعيَّةُ مَسؤوليَّةٌ فَرديَّةٌ يَتَدَرَّبُ عَلَيها المؤمِن، ولا تَقِفُ عِندَ كَونِها مَسؤوليَّةً جَماعيَّة.

(س أ ل)+(ل ح ف) نَفيُ الإلحاف

وفي «لا يَسألونَ النّاسَ إلحافًا» (س أ ل)، وهو طَلَبُ المالِ من الغَير، و(ل ح ف)، وهو التَّغَطيةُ والتَّكَرُّرُ بضَغط، والإلحافُ التَّشَدُّدُ في السؤال. والمَنفيُّ عَنهُم في الآيةِ السؤالُ الإلحافيُّ المُلِحّ، دونَ السؤالِ مُطلَقًا، وهذا دَقيقٌ لأنَّ الضَّرورةَ تَدفَعُ الإنسانَ أحيانًا إلى السُّؤالِ مَرَّةً، غَيرَ أنَّها لا تُبرِّرُ الإلحاح. والنّاسُ الذينَ يَتَعَفَّفونَ في ظُروفٍ مُعيَّنةٍ رُبَّما يَسألونَ سؤالًا واحِدًا هادِئًا ثمَّ يَصمُتون، وهَؤلاءِ لا إلحافَ عِندَهم.

الدَّرسُ العَمَليُّ للمُنفِق

والآيةُ تُحَوِّلُ المُنفِقَ من مُستَقبِلٍ سَلبيٍّ للسّائِلين إلى باحِثٍ نَشِطٍ عن المَستورين، والصَّدَقةُ السِّرِّيَّةُ (المُوصى بها في 271) تُستَكمَلُ هنا بمَبدأِ البَحثِ السِّرِّيّ: فكَما لا يُعلِنُ المُنفِقُ صَدَقَتَه، كذلكَ لا يَنتَظِرُ من المُحتاجِ أن يُعلِنَ حاجَتَه. والبَحثُ الإيجابيُّ عن الفَقيرِ المَستورِ هو قِمَّةُ الإنفاقِ الحَكيم.

(ع ل م) خَتمُ الشَّهادةِ المُتَكَرِّر

وخَتمُ الآيةِ «فإنَّ اللهَ به عَليم» يَعودُ إلى الخَتمِ الذي وَرَدَ في 270 («فإنَّ اللهَ يَعلَمُه»)، والتَّكرارُ مَقصود: الآياتُ 270-273 كلُّها تُبنى عَلى مَبدأ العِلمِ الإلهيِّ الذي لا يَحتاجُ إلى شَهادةِ أحَد، ومَهما كانَ الإنفاقُ خَفيفًا أو ثَقيلًا، ومَهما كانَ المُستَفيدُ مَشهورًا أو مَستورًا، فاللهُ يَعلَم. وهذا يُحَرِّرُ المُنفِقَ من كلِّ قَلَقٍ حَولَ تَسجيلِ أثَرِ إنفاقِه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «البَحثِ الإيجابيِّ عن الفَقيرِ المَستورِ» يَسبِقُ دَورَ «الاستِجابةِ للسّائِلِ الصّائِح»، ودَورُ «قِراءةِ السِّيما بتَأمُّل» يَسبِقُ دَورَ «الحُكمِ بظاهِرِ المَلبَس».


حَصيلة

تُصَوِّرُ الآيةُ فِئةَ الفُقَراءِ الأشَدِّ حاجةً إلى عَينٍ يَقِظة، وهُمُ الذينَ أُحصِروا (ح-ص-ر) في سَبيلِ الله، والحَصرُ بِالمَبنيِّ لِلمَجهولِ يَكشِفُ أنَّ الظَّرفَ قَسريٌّ لا اختِيارِيّ. وقَيدُ «في سَبيلِ الله» يُضيفُ شَرَفًا: هُم فَقَراءُ لِأنَّ التِزامَهم بِالحَقِّ حالَ بَينَهم وبَينَ أسبابِ الكَسبِ العاديَّة. وهُم لا يَسأَلونَ إلحافًا (ل-ح-ف)، والعَفافُ (ع-ف-ف) يَجعَلُ الجاهِلَ (ج-ه-ل) يَحسَبُهم أغنياء، غَيرَ أنَّ أهلَ البَصيرةِ يَعرِفونَهم بِسِيماهم (س-و-م)، وهي عَلامةٌ ظاهِرةٌ في الهيئةِ والوَجه. والتَّحَدِّي الضَّمنيُّ للمُنفِقِ أنَّ هَؤلاءِ لن يَأتوا إلَيه، فعَلَيه أن يَبحَثَ هو عَنهم، والصَّدَقةُ السِّرِّيَّةُ في 271 وَجَدَت مَوضِعَها الطَّبيعيَّ هُنا: مَن لا يَسألُ يَستَحِقُّ مَن يَسأَلُ عَنه. وتُختَمُ الآيةُ بِـوَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، وهو عِلمٌ (ع-ل-م) يَشمَلُ ما يُعطى لِلعافِفِ المَستور، فالبَحثُ عَنه مَرصودٌ مَعروف.