النساء · الآية 104

﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

«وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ»: وَهنٌ يَبدَأُ من الداخِل

تَنتَقِلُ الآياتُ من الصَّلاةِ في الخَوفِ إلى مَيدانِ الطَّلَبِ نَفسِه، فتَبدَأُ هذه الآيةُ بِنَهي: «ولا تَهِنوا». والوَهنُ من و-ه-ن، تَماسُكٌ يَرِقُّ من داخِلِه فيَخفُتُ ما كانَ يَشُدُّه، ومنه وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾، ووَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾، أي أرَقُّ البُيوتِ نَسجاً وأضعَفُها تَماسُكاً. وقد عَطَفَ الكِتابُ على الوَهنِ أمرَينِ آخَرَينِ في قَولِه فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، فجَعَلَه أوَّلَ ثَلاثة، والنَّهيُ هُنا يَقَعُ على هذا الأوَّل، على الارتِخاءِ الذي يَبدَأُ في الباطِن.

و«في ابتِغاءِ القَوم» تَجعَلُ الطَّلَبَ هو المَوضِعَ الذي يُخشى فيه الوَهن. والابتِغاءُ من ب-غ-ي، والجِذرُ تَمَسُّكٌ يَتَّصِلُ بِما غارَ ولم يَظهَر ثُمَّ يَسري إلَيه، فهو قَصدٌ إلى ما لم يُنَلْ بَعدُ، وبِناؤه على الافتِعالِ يَزيدُه جِدّاً وتَكَلُّفاً. وقد جاءَ البِناءُ نَفسُه في الآيةِ الرّابِعةِ والعِشرين: أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾، طَلَباً آلَتُه المال، وهو هُنا طَلَبٌ مُتَعَلَّقُه «القَوم». و«القَوم» مُعَرَّف، جَماعةٌ يَعرِفُها المُخاطَبون، والآيةُ تَصِفُهُم بَعدَ ذلك بِما يَجمَعُهُم بِالمُخاطَبينَ وبِما يُفَرِّقُهُم عَنهُم: ألَمٍ مُشتَرَك، ورَجاءٍ غائبٍ عَنهُم.

«إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ»: ألَمٌ واحِدٌ في الجِهَتَين

ثُمَّ يَأتي ما يَقومُ عَلَيه النَّهي: «إن تَكونوا تَألَمون». و«إن» تَضَعُ الألَمَ فَرضاً يُحسَبُ حِسابُه، و«تَكونوا» مَعَ الفِعلِ بَعدَها تَجعَلُه حالاً مُمتَدّةً يَعيشونَها. والألَمُ من أ-ل-م، وَخزةٌ حادّةٌ تَنبَثِقُ فتَعلَقُ بِالحِسِّ وتَسكُنُ فيه، وهو الجِذرُ الذي وُصِفَ بِه العَذابُ في الآيةِ الثّامِنةَ عَشْرةَ: عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ويَأتي الجَوابُ خَبَراً عن الطَّرَفِ الآخَرِ مُؤَكَّداً بِـ«إنّ»: «فإنَّهُم يَألَمونَ كما تَألَمون».

فالجِذرُ يَتَكَرَّرُ في الجُملةِ ثَلاثاً، مَرَّتَينِ لِلمُخاطَبينَ ومَرّةً لِلقَوم، والفِعلُ في المَرّاتِ الثَّلاثِ مُضارِعٌ على وَزنٍ واحِد، و«كما» تَجعَلُ ألَمَهُم على هَيئةِ ألَمِ المُخاطَبين. فالآيةُ تُسَوّي بَينَ الفَريقَينِ فيما يُصيبُهُما، وتَنقُلُ الألَمَ من سَبَبٍ لِلوَهنِ إلى حالٍ يَشتَرِكُ فيها الطّالِبُ والمَطلوب. وفي الكِتابِ نَظيرُ هذه التَّسويةِ بَعدَ النَّهيِ نَفسِه: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، ثُمَّ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾.

«وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ»: ما يَفتَرِقُ فيه الفَريقان

وبَعدَ أن سَوَّتِ الآيةُ بَينَ الفَريقَينِ في الألَمِ ذَكَرَت ما يَفتَرِقانِ فيه: «وتَرجونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرجون». والرَّجاءُ من ر-ج-و، تَطَلُّعٌ يَجري في الباطِنِ خَفِيّاً ويَمتَدُّ إلى ما لم يَأتِ بَعدُ، و«مِنَ اللهِ» تُسَمّي الجِهةَ التي يُرجى مِنها، و«ما» تُبقي المَرجُوَّ مُبهَماً واسِعاً، فالآيةُ تُثبِتُ الرَّجاءَ ومَصدَرَه وتَترُكُ المَرجُوَّ مَفتوحاً.

وقد جاءَ الفِعلانِ على صورةٍ واحِدة: «يَألَمونَ كما تَألَمون» في الألَم، و«تَرجونَ ... ما لا يَرجون» في الرَّجاء، فاللَّفظُ الذي سَوّى بَينَ الفَريقَينِ في الأوَّلِ هو الذي فَرَّقَ بَينَهُما في الثّاني، بِإثباتِه لِلمُخاطَبينَ ونَفيِه عن القَوم. فكِفّةُ الألَمِ واحِدةٌ في الجِهَتَين، وكِفّةُ الرَّجاءِ في جِهةٍ واحِدة، وعلى هذا الفَرقِ يَقومُ النَّهيُ عن الوَهن.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا»: عِلمٌ بِما في الجِهَتَين

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ عَليماً حَكيماً». والعِلمُ من ع-ل-م، ما يَبرُزُ من خَفائه فيُدرَكُ ويُمسَك، والآيةُ ذَكَرَت أمرَينِ خَفِيَّين: ألَماً يَجِدُه كُلُّ فَريقٍ في نَفسِه، ورَجاءً يَجري في باطِنِ فَريقٍ دونَ الآخَر، فعِلمُ اللهِ مُحيطٌ بِهِما. والحِكمةُ من ح-ك-م، إمساكُ الأمرِ على وَجهِه حتّى لا يَنفَلِت، والنَّهيُ عن الوَهنِ في مَوضِعٍ يَستَوي فيه الألَمُ ويَفتَرِقُ فيه الرَّجاءُ أمرٌ مُمسَكٌ على وَجهِه.


حَصيلة

تَنهى الآيةُ عن الوَهنِ في طَلَبِ القَوم، والوَهنُ تَماسُكٌ يَرِقُّ من داخِلِه، ثُمَّ تَضَعُ الألَمَ فَرضاً وتُجيبُ عَنه بِخَبَرٍ عن الطَّرَفِ الآخَر: هُم يَألَمونَ كما يَألَمُ المُخاطَبون، والجِذرُ نَفسُه يَجري في الفَريقَينِ على وَزنٍ واحِد. ثُمَّ تَذكُرُ ما يَفتَرِقُ فيه الفَريقان: رَجاءٌ من اللهِ ثابِتٌ لِلمُخاطَبينَ مَنفِيٌّ عن القَوم، ومَرجُوٌّ مُبهَمٌ في «ما». فالألَمُ واحِدٌ في الجِهَتَينِ والرَّجاءُ في جِهةٍ واحِدة، وعلى هذا يَقومُ النَّهي، واللهُ عَليمٌ بِما يَجِدُه كُلُّ فَريقٍ وما يَرجوه، حَكيمٌ يُمسِكُ الأمرَ على وَجهِه.