النساء · الآية 103

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا

«فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ»: فَراغٌ من الصَّلاةِ يَنفَتِحُ على الذِّكر

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها، و«الصَّلاة» مُعَرَّفةٌ أقرَبُ ما تَرجِعُ إلَيه الصَّلاةُ التي وَصَفَتها الآيةُ الثّانيةُ بَعدَ المِئة، ويَعودُ الخِطابُ إلى الجَماعة: «قَضَيتُم»، «فاذكُروا». والقَضاءُ من ق-ض-ي، قَطعٌ حاسِمٌ يَفُكُّ ما احتَبَسَ فيَمضي بِالأمرِ إلى آخِرِه، و«قَضى الشَّيءَ» أتَمَّه وفَرَغَ مِنه، فـ«قَضَيتُمُ الصَّلاةَ» بُلوغُها آخِرَها على الهَيئةِ التي أُدِّيَت بِها. ثُمَّ يَأتي الأمرُ بِالذِّكر، والذِّكرُ من ذ-ك-ر، إبرازُ ما احتُبِسَ في الباطِنِ وإجراؤه حاضِراً على القَلبِ واللِّسان. فالصَّلاةُ تُقضى ويَنتَهي أداؤها، والذِّكرُ يَبدَأُ عِندَ انتِهائها.

وعلى هذا التَّرتيبِ جاءَ الكِتابُ في غَيرِ مَوضِع: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وفَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ثُمَّ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فالفَراغُ من عِبادةٍ لَها هَيئةٌ مَحدودةٌ يُفضي في هذه المَواضِعِ إلى ذِكرٍ يَتَّسِعُ لِما بَعدَها.

«قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ»: الذِّكرُ في هَيئاتِ البَدَنِ كُلِّها

ثُمَّ تَذكُرُ الآيةُ ثَلاثَ هَيئاتٍ لِلذّاكِرين: «قِياماً» و«قُعوداً»، مَصدَرانِ يَصِفانِ ما يَكونُ عَلَيه الذّاكِرون، ثُمَّ «وعَلى جُنوبِكُم»، والجُنوبُ جَمعُ جَنب، من ج-ن-ب، شِقُّ البَدَنِ يَمتَدُّ مِنه ويَبقى مُتَّصِلاً بِه. فالهَيئاتُ الثَّلاثُ تَضُمُّ ما بَينَ انتِصابِ البَدَنِ واستِلقائه، فيَجري الذِّكرُ في كُلِّ ما يَكونُ عَلَيه البَدَن. وقد جاءَتِ الهَيئاتُ الثَّلاثُ نَفسُها وَصفاً في قَولِه الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾، وهي هُنا أمرٌ لِلمُخاطَبين.

و«قِياماً» من ق-و-م، الجِذرِ الذي جاءَ في الآيةِ قَبلَها في «فأقَمتَ» و«فلتَقُم»، ويَعودُ في هذه الآيةِ بَعدَ قَليلٍ في «فأقيموا». فالقِيامُ هُنا هَيئةُ بَدَنٍ يَذكُرُ صاحِبُه اللهَ فيها، والإقامةُ جَعلُ الصَّلاةِ قائمة. وفي تَرتيبِ الآيةِ أنَّ الصَّلاةَ التي وَصَفَتها الآيَتانِ قَبلَها، وقد رُفِعَ الجُناحُ عن قَصرِها في الأولى وقُسِّمَت بَينَ طائفَتَينِ والسِّلاحُ في الأيدي في الثّانية، يَتبَعُها ذِكرٌ لا يَحتاجُ إلى هَيئةٍ مَخصوصة، يَصحَبُ البَدَنَ حَيثُ كان.

«فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ»: سُكونٌ يَعودُ فتَعودُ الصَّلاةُ إلى قِيامِها

ثُمَّ تُقابِلُ الآيةُ حالاً بِحال: «فإذا اطمَأنَنتُم». والطُّمَأنينةُ من ط-م-ن، سُكونٌ يَنطَبِقُ على الشَّيءِ ويَستَقِرُّ في داخِلِه بَعدَ حَرَكة، ومنه «اطمَأنَّتِ الأرضُ» انخَفَضَت فاستَقَرَّ فيها ما يَصيرُ إلَيها، وفي الكِتابِ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وهي في الآيةِ سُكونٌ يَخلُفُ ما وَصَفَتْه الآيَتانِ قَبلَها من خَوفٍ وحِذر، و«إذا» تَجعَلُه حالاً تَأتي كما أتى الخُروجُ في الأرض.

والأمرُ عِندَه «فأقيموا الصَّلاة»، بِالفِعلِ الذي جاءَ في أوَّلِ الآيةِ قَبلَها «فأقَمتَ لَهُمُ الصَّلاة»، وقد صارَ الآنَ لِلجَماعةِ كُلِّها. والإقامةُ جَعلُ الشَّيءِ قائماً مُتَماسِكاً على هَيئَتِه، والآيةُ تَضَعُها بَعدَ السُّكونِ في مُقابِلِ ما سَبَقَها من قَصرٍ وتَناوُبٍ وسِلاح، وتَترُكُ تَفصيلَ ذلك في الفِعلِ نَفسِه. وفي الكِتابِ مِثلُ هذه المُقابَلةِ بَينَ الخَوفِ والأمن: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، ثُمَّ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

«إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا»: كِتابٌ مَضروبٌ لَه وَقت

ثُمَّ تَأتي الجُملةُ التي يَقومُ عَلَيها ما قَبلَها: «إنَّ الصَّلاةَ كانَت على المُؤمِنينَ كِتاباً مَوقوتاً». و«كانَت» تُثبِتُ الوَصفَ حالاً قائمة، و«على» تَجعَلُ الصَّلاةَ أمراً مَوضوعاً على المُؤمِنينَ يَحمِلونَه. و«كِتاباً» من ك-ت-ب، ضَمٌّ دَقيقٌ يُثبِتُ الشَّيءَ في مَوضِعِه فلا يَتَفَلَّت، والمَصدَرُ هُنا في مَوضِعِ المَكتوب، و«كُتِبَ عَلَيه» في الكِتابِ فُرِضَ عَلَيه ولَزِمَه، كما في كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. وقد جاءَ هذا المَصدَرُ مَعَ «على» في هذه السّورة: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.

و«مَوقوتاً» اسمُ مَفعولٍ من «وَقَتَ»، من و-ق-ت، والجِذرُ مِقدارٌ يُحاطُ بِه ويُقطَعُ من طَرَفَيه فيَصيرُ حَدّاً مَعلوماً، ومنه «الوَقت» و«المِيقات»، كما في فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، و«أُقِّتَت» بِمَعنى وُقِّتَت في وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. فالصَّلاةُ مُثبَتةٌ مَرَّتَين: بِالكِتابةِ التي تُلزِمُها، وبِالوَقتِ الذي يَحُدُّها، والآيةُ تَصِفُها بِالتَّوقيتِ وتَترُكُ الأوقاتَ غَيرَ مَعدودةٍ فيها. وبِهذا الوَصفِ يَنعَقِدُ ما مَضى في الآياتِ الثَّلاث: صَلاةٌ رُفِعَ الجُناحُ عن قَصرِها في الخُروجِ والخَوف، وأُقيمَت بَينَ طائفَتَينِ والسِّلاحُ في الأيدي، ثُمَّ أُمِرَ بِإقامَتِها عِندَ السُّكون، وهي في ذلك كُلِّه كِتابٌ مَضروبٌ لَه وَقت.


حَصيلة

تَصِلُ الآيةُ الفَراغَ من الصَّلاةِ بِذِكرٍ يَجري في البَدَنِ قائماً وقاعِداً ومُضطَجِعاً، فالصَّلاةُ التي تَغَيَّرَت هَيئَتُها في الخَوفِ يَتبَعُها ذِكرٌ لا يَحتاجُ إلى هَيئةٍ مَخصوصة. ثُمَّ تُقابِلُ الخَوفَ والحِذرَ بِالطُّمَأنينة، وتَأمُرُ عِندَها بِإقامةِ الصَّلاةِ بِالفِعلِ الذي أُقيمَت بِه لِلطّائفَتَين، وقد صارَ لِلجَماعةِ كُلِّها. وتَختِمُ بِما يَقومُ عَلَيه ذلك كُلُّه: الصَّلاةُ على المُؤمِنينَ كِتابٌ أُثبِتَ عَلَيهِم ووَقتٌ مَضروبٌ لَها، يَتَغَيَّرُ امتِدادُها وهَيئَتُها بِالسَّفَرِ والخَوف، ويَبقى وَصفُها كِتاباً مَوقوتاً.