النساء · الآية 4

﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا

«وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ»: عَطاءٌ يُضافُ إلى صاحِباتِه قَبلَ أن يَصِلَ إلَيهِنّ

تَعودُ الآيةُ إلى الفِعلِ الذي فُتِحَت بِه آيةُ اليَتامى، «وآتوا»، وعلى الهَيئةِ نَفسِها: الإيتاء، ثُمَّ مَن يُؤتى، ثُمَّ ما هو لَه مُضافاً إلَيه، «أموالَهُم» هُناك و«صَدُقاتِهِنَّ» هُنا. فآيةُ النِّكاحِ التي بَينَهُما مَحفوفةٌ بِأمرَينِ بِالإيتاء: قَبلَها لِليَتامى، وبَعدَها لِلنِّساء. وإضافةُ الصَّدُقاتِ إلَيهِنَّ تَجعَلُ هذا العَطاءَ مِلكاً لَهُنَّ قَبلَ أن يَصِلَ إلَيهِنّ، فالمُخاطَبونَ يُعطونَ النِّساءَ ما هو لَهُنّ.

والصَّدُقاتُ جَمعُ صَدُقة، من ص-د-ق، والجِذرُ يَدورُ على الصَّلابةِ التي يَستَوي فيها الظّاهِرُ والباطِن، ومنه «الصِّدقُ» في القَول، و«رُمحٌ صَدقٌ» إذا كانَ صُلباً مُستَوِياً. فالصَّدُقةُ عَطاءٌ يُصَدِّقُ ما عُقِدَ بِالقَولِ ويُثَبِّتُه في المال، والآيةُ تُسَمّي هذا العَطاءَ بِاسمٍ من جِذرِ الصِّدق، ثُمَّ تَصِفُ إيتاءَه بِالنِّحلة.

«نِحْلَةً»: إيتاءٌ خالِصٌ يَخرُجُ بِلا مُقابِل

و«نِحلةً» من ن-ح-ل، والنِّحلةُ العَطِيّةُ تُعطى خالِصةً بلا عِوَضٍ يُطلَب، ومنه «نَحَلَه» إذا أعطاه عَطِيّةً من غَيرِ مُقابِل. ونَصبُها بَعدَ «صَدُقاتِهِنَّ» يَجعَلُها هَيئةً لِلإيتاءِ نَفسِه: تُؤتى الصَّدُقاتُ نِحلة، أي عَطاءً خالِصاً تَخرُجُ بِه يَدُ المُعطي راضِية. فالآيةُ تَصِفُ من جِهةِ الرَّجُلِ كَيفَ يُعطي، ثُمَّ تَصِفُ من جِهةِ المَرأةِ كَيفَ يَعودُ إلَيه شَيءٌ مِمّا أعطى.

«فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا»: الرِّضا مَوضِعُه النَّفس

والفِعلُ «طِبنَ» مُسنَدٌ إلى النِّساء، ونونُه نونُ النِّسوة، فالطِّيبُ هُنا طيبُهُنّ. وهو من ط-ي-ب، الجِذرِ الذي جاءَ في الآيةِ السّابِقةِ لِلرِّجال: «مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ»، فانتَقَلَ الطِّيبُ من اختيارِ الرِّجالِ إلى رِضا النِّساء، ووُصِفَ الجانِبانِ بِفِعلٍ واحِد. و«عن» تَدُلُّ على المُجاوَزة، فطيبُ النَّفسِ عن الشَّيءِ أن تَسمَحَ بِتَركِه وتُجاوِزَه، و«شَيءٍ مِنه» بَعضٌ مِمّا أُعطينَه.

و«نَفساً» تُبَيِّنُ مَوضِعَ هذا الطِّيب: هو في النَّفس، فالعِبرةُ بِسَماحِ الذّاتِ من داخِلِها. والنَّفسُ من ن-ف-س، وقد سَمّى أوَّلُ السّورةِ بِهذا الجِذرِ أصلَ النّاسِ جَميعاً في «مِن نَفسٍ واحِدة»، وهُنا يَقِفُ الجِذرُ نَفسُه على رِضا المَرأة، فيَكونُ رِضاها البابَ الذي يَعودُ مِنه إلى الرَّجُلِ شَيءٌ مِمّا أعطى.

«فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا»: أكلٌ يَفتَحُه الرِّضا

ويَعودُ فِعلُ الأكلِ الذي نَهَت عَنه آيةُ اليَتامى، «ولا تَأكُلوا أموالَهُم إلى أموالِكُم»، فيَأتي هُنا أمراً: «فكُلوه». والفِعلُ واحِد، ويَفرُقُ بَينَ حُكمَيهِ صاحِبُ المال: هُناكَ مالُ يَتيمٍ يُضَمُّ إلى مالِ غَيرِه لِيَذوبَ فيه، وهُنا امرَأةٌ طابَت نَفسُها بِشَيءٍ مِمّا هو لَها. والفاءُ في «فكُلوه» تَجعَلُ الإذنَ مُرَتَّباً على رِضاها لاحِقاً لَه.

و«هَنيئاً» من ه-ن-أ، ما يَأتي بلا مَشَقّةٍ ولا كَدَر، و«مَريئاً» من م-ر-أ، ما يَسوغُ في مَجراه ويَحسُنُ أثَرُه بَعدَه، ومنه «المَريء» مَجرى الطَّعامِ إلى الجَوف. فالأوَّلُ وَصفٌ لِلأكلِ في أخذِه، والثّاني وَصفٌ لَه فيما يَعقُبُه. ولَفظُ «هَنيئاً» يَرِدُ في الكِتابِ مَعَ أكلِ أهلِ الجَنّةِ وشُربِهِم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و«مَريئاً» لا يَرِدُ إلّا هُنا، فيُشارِكُ ما طابَت بِه نَفسُ صاحِبَتِه طَعامَ الجَنّةِ في وَصفِه الأوَّل.


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ الأمرَ بِالإيتاءِ على الهَيئةِ التي فُتِحَ بِها حَقُّ اليَتامى، فتُضيفُ الصَّدُقاتِ إلى النِّساءِ قَبلَ أن تَصِلَ إلَيهِنّ، وتُسَمّيها من ص-د-ق، الجِذرِ الذي يَستَوي فيه الظّاهِرُ والباطِن، وتَصِفُ إيتاءَها بِالنِّحلة، وهي عَطِيّةٌ خالِصةٌ بلا عِوَض. ثُمَّ تَفتَحُ لِرُجوعِ شَيءٍ مِنها إلى الرَّجُلِ باباً واحِداً، هو طيبُ نَفسِها: فالفِعلُ «طِبنَ» فِعلُهُنّ، و«نَفساً» تُسكِنُه في الذّات. وبِذلك يَصيرُ الأكلُ، وهو المَنهيُّ عَنه في مالِ اليَتامى، أكلاً مَأذوناً فيه هُنا، هَنيئاً في أخذِه مَريئاً في عاقِبَتِه، والفارِقُ بَينَهُما رِضا صاحِبِ المالِ من داخِلِ نَفسِه. ويَجري الجِذرُ ط-ي-ب في الآياتِ الثَّلاث: طَيِّبٌ يُحفَظُ لِليَتامى، ثُمَّ ما يَطيبُ لِلرِّجالِ من النِّساء، ثُمَّ ما تَطيبُ بِه نُفوسُ النِّساءِ لِلرِّجال.