النساء · الآية 5

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا

«وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ»: إيتاءٌ يُمسَكُ عَن الخِفّة

يَرجِعُ في هذه الآيةِ فِعلُ الإيتاءِ الذي بَدَأَ بِه حَقُّ اليَتامى، «وآتوا»، فيَأتي هُنا مَنهِيّاً عَنه: «ولا تُؤتوا». فالإيتاءُ الذي أُمِرَ بِه في أموالِ اليَتامى وفي صَدُقاتِ النِّساءِ يَلقى في هذه الآيةِ قَيداً من جِهةِ الآخِذ، وهو أن يَكونَ من السُّفَهاء. وقد سُمّوا بِصِفَتِهِم، فالنَّهيُ مَعقودٌ بِالسَّفَهِ نَفسِه، يَقَعُ حَيثُما وُجِدَ ويَرتَفِعُ إذا زال، والآيةُ التي تَليها تَضَعُ لِزَوالِه في اليَتامى عَلامةً هي الرُّشد.

والسُّفَهاءُ جَمعُ سَفيه، من س-ف-ه، والجِذرُ يَدورُ على خِفّةٍ لا ثِقَلَ مَعَها يُثَبِّتُ صاحِبَها، يُقالُ «تَسَفَّهَتِ الرِّيحُ الغُصونَ» إذا حَرَّكَتها واستَخَفَّتها، و«ثَوبٌ سَفيهٌ» إذا رَقَّ نَسجُه. فالسَّفيهُ مَن خَفَّ تَدبيرُه، فلا يَستَقِرُّ المالُ في يَدِه، ويَميلُ بِه كُلُّ داعٍ كما تَميلُ الغُصونُ مَعَ الرِّيح. وقد جاءَ هذا الوَصفُ في الكِتابِ في شَأنِ المالِ في آيةِ الدَّين: فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾، فالسَّفَهُ هُناكَ يَنقُلُ الإملاءَ إلى وَليِّ صاحِبِه، وهو هُنا يُمسِكُ المالَ عَن يَدِه.

«أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا»: مالٌ وَظيفَتُه أن يُقيم

وأُضيفَ المالُ في هذه الآيةِ إلى المُخاطَبين، «أموالَكُم»، وكانَ في آيةِ اليَتامى مُضافاً إلى اليَتامى: «أموالَهُم». والمُخاطَبونَ جَماعةٌ واحِدة، والمالُ مالٌ في أيديهِم تَقومُ بِه أُمورُهُم، كما تُخاطِبُهُمُ السّورةُ بَعدُ جَماعةً واحِدةً في لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. ويَبقى أصلُ المِلكِ في هذه الإضافةِ مَفتوحاً بَينَ مالٍ يَملِكُه المُخاطَبُ ومالٍ يَقومُ عَلَيه لِغَيرِه، ثُمَّ وُصِفَ المالُ بِما يَصدُقُ على الوَجهَين: «التي جَعَلَ اللهُ لَكُم قِياماً». والجَعلُ تَصييرُ الشَّيءِ القائِمِ إلى وَظيفةٍ يُؤَدّيها، فالمالُ مَوجودٌ قَبلَ هذا الجَعل، والجَعلُ عَيَّنَ عَمَلَه فيهِم: أن تَقومَ بِه أُمورُهُم.

والقِيامُ من ق-و-م، والجِذرُ يَدورُ على إمساكِ الشَّيءِ مَجموعاً حتّى يَثبُتَ ولا يَنفَرِط، ومنه «قِوامُ الأمرِ» ما يُمسِكُه، و«قامَ» إذا انتَصَبَ مُتَماسِكاً. فالمالُ في الآيةِ ما تَتَماسَكُ بِه حَياةُ أهلِه وتَنتَصِب، ووَصفُه بِالقِيامِ يُقابِلُ صِفةَ مَن نُهِيَ عَن إيتائِه: السَّفَهُ خِفّةٌ تُطَيِّرُ ما في اليَد، والقِيامُ إمساكٌ يَحفَظُ الشَّيءَ قائِماً. ولِذلك كانَ النَّهيُ صَوناً لِما تَقومُ بِه الجَماعةُ من أن يَصيرَ إلى يَدٍ تُفَرِّقُه.

«وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ»: قوتٌ وكِسوةٌ في مالٍ قائم

ثُمَّ يَنتَقِلُ الأمرُ إلى السُّفَهاءِ أنفُسِهِم: «وارزُقوهُم فيها واكسوهُم». والرِّزقُ من ر-ز-ق، مَدَدٌ يَصِلُ إلى الحَيِّ من قوتِه ويُقطَعُ بِمِقدار، والكِسوةُ من ك-س-و، سِترٌ يُمَدُّ على البَدَنِ حتّى يُحيطَ بِه. فجُمِعَ لَهُم ما يَقومُ بِه الجَسَدُ من داخِلِه وما يَستُرُه من خارِجِه، وهُما الأمرانِ اللَّذانِ جُعِلا لِلوالِداتِ في آيةِ الرَّضاع: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالسَّفيهُ تُمسَكُ يَدُه عَن المال، ويُعطى من المالِ نَفسِه ما يَقومُ بِه بَدَنُه.

وأوثِرَت «في» على «مِن» في «وارزُقوهُم فيها»، فجُعِلَ المالُ مَوضِعاً يَجري فيه الرِّزق، وهو ثابِتٌ في مَكانِه يُؤَدّي ما جُعِلَ لَه. وبِهذا تَلتَقي «فيها» بِوَصفِ المالِ قَبلَها بِالقِيام، والمَعنى أنَّ قوتَ السَّفيهِ يَجري في مالٍ باقٍ على قِيامِه. وفي الآيةِ الثّامِنةِ يَأتي رِزقُ مَن يَحضُرُ القِسمةَ بِالحَرفِ الآخَر، «فارزُقوهُم مِنه»، والمالُ هُناكَ مالٌ يُقسَم.

«وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا»: كَلِمةٌ تُعطى مَعَ القوت

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالقَول: «وقولوا لَهُم قَولاً مَعروفاً». والمَعروفُ من ع-ر-ف، ما ظَهَرَ فعُرِفَ خَيرُه وسَكَنَت إلَيه النُّفوس، فالقَولُ المَعروفُ قَولٌ يَعرِفُ فيه السّامِعُ وَجهَ الخَيرِ ولا يَستَنكِرُ مِنه شَيئاً. وقد جاءَ بَعدَ الرِّزقِ والكِسوة، فالذي أُمسِكَ عَنه المالُ يُعطى مَعَ القوتِ واللِّباسِ كَلاماً يَعرِفُ فيه مَنزِلَتَه، ويُحفَظُ لَه في القَولِ ما أُمسِكَ عَنه في اليَد. وتَضبِطُ الآيةُ هذا القَولَ بِصِفَتِه، وتَترُكُ مَضمونَه لِما يُناسِبُ كُلَّ سَفيهٍ في حالِه.


حَصيلة

تَنهى الآيةُ عَن إيتاءِ السُّفَهاءِ المالَ الذي في أيدي المُخاطَبين، فتُقَيِّدُ الإيتاءَ المَأمورَ بِه قَبلَها بِصِفةٍ في الآخِذ، والسَّفَهُ من س-ف-ه خِفّةٌ لا ثِقَلَ مَعَها يُثَبِّت، والنَّهيُ مَعقودٌ بِهذه الصِّفةِ حَيثُ كانَت. وتَصِفُ المالَ بِأنَّ اللهَ جَعَلَه لَهُم قِياماً، والقِيامُ من ق-و-م إمساكٌ يَحفَظُ الشَّيءَ مُتَماسِكاً، فيَتَقابَلُ في الآيةِ ما يَخِفُّ فيُطَيِّرُ وما يُمسِكُ فيُقيم. ثُمَّ تَجعَلُ لِلسُّفَهاءِ الرِّزقَ والكِسوةَ «فيها»، فيَجري قوتُهُم في مالٍ باقٍ على قِيامِه، وتَختِمُ بِقَولٍ مَعروفٍ يُحفَظُ لَهُم بِه في الكَلامِ ما أُمسِكَ عَنهُم في اليَد.