النساء · الآية 3

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا

«وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ»: خَوفٌ يَزِنُ بِه المَرءُ نَفسَه

تَبقى الآيةُ في اليَتامى الذينَ فُتِحَ بِهِمُ الكَلامُ قَبلَها، وتَبدَأُ بِخَوف: «وإن خِفتُم». والخَوفُ تَوَقُّعُ المَكروهِ قَبلَ وُقوعِه، فالآيةُ تَجعَلُ مَدارَ ما بَعدَها على ما يَعرِفُه المُخاطَبُ من نَفسِه قَبلَ أن يَفعَل، وتَطلُبُ مِنه أن يَزِنَ قُدرَتَه على القِسطِ قَبلَ أن يَدخُلَ فيما يُعجِزُه. و«تُقسِطوا» من ق-س-ط، والقِسطُ الحِصّةُ التي تُقطَعُ لِكُلِّ ذي حَقٍّ على قَدرِه، ويُذكَرُ مَعَه «القِسطاس» لِلميزان. والفِعلُ من «أقسَطَ»، أي أعطى كُلَّ ذي حِصّةٍ حِصَّتَه، والكِتابُ يُسَمّي أهلَ هذا الفِعلِ «المُقسِطين»، ويُسَمّي الجائرينَ بِاسمٍ من الجِذرِ نَفسِه: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾.

و«في اليَتامى» تَجعَلُ اليَتامى أنفُسَهُم مَوضِعَ القِسط، ثُمَّ يَأتي الجَوابُ بِالفاء: «فانكِحوا»، فيَكونُ ما يَلي من أمرِ النِّساءِ جَواباً لِذلك الخَوفِ على اليَتامى، مَربوطاً بِه من أوَّلِه. ويَبقى وَجهُ هذا الرَّبطِ مَطويّاً في الفاء، وتَعودُ إلَيه السّورةُ بَعدَ ذلك حينَ تَذكُرُ يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وتَجمَعُ في الآيةِ نَفسِها ذِكرَ نِكاحِهِنَّ والقِيامَ لِليَتامى بِالقِسط، فيَلتَقي هُناكَ ما تَوَزَّعَ في هذه الآياتِ من يُتمٍ ونِكاحٍ وإيتاءٍ وقِسط.

«فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ»: اختيارٌ يُقاسُ بِالطِّيب، وعَدَدٌ مُوَزَّع

والنِّكاحُ من ن-ك-ح، اقتِرانٌ يَدخُلُ فيه كُلٌّ من الاثنَينِ في حَياةِ الآخَر، ومنه قَولُهُم «نَكَحَ المَطَرُ الأرضَ» إذا اعتَمَدَ عَلَيها. والمَأمورُ بِنِكاحِه «ما طابَ لَكُم»، وجاءَت «ما» حَيثُ يُنتَظَرُ «مَن»، فاتَّجَهَ الكَلامُ بِها إلى الصِّفةِ التي يَقَعُ عَلَيها الاختيار، وهي الطِّيب. والفِعلُ «طابَ» من ط-ي-ب، الجِذرِ الذي سَمّى في الآيةِ السّابِقةِ الجانِبَ المَتروكَ من المُبادَلةِ «الطَّيِّب»، فالطِّيبُ الذي نُهِيَ عن تَركِه في أموالِ اليَتامى صارَ هُنا مِقياسَ الاختيارِ في النِّساء.

و«مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ» أعدادٌ مَعدولةٌ تَدُلُّ على التَّوزيع: اثنَتَينِ اثنَتَين، وثَلاثاً ثَلاثاً، وأربَعاً أربَعاً. والخِطابُ لِجَمع، فيَأخُذُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم ما يُوَزَّعُ عَلَيه من هذه الأعداد، والواوُ تَضَعُها بَدائلَ مُتَجاوِرةً يَنتَهي عَدُّها عِندَ «رُباع». وهذا التَّرتيبُ نَفسُه يَرِدُ في وَصفِ الأجنِحة: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، والمَعنى هُناكَ تَوزيعُها على أصحابِها.

«فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»: خَوفٌ ثانٍ يَرُدُّ العَدَدَ إلى واحِدة

ثُمَّ يَأتي خَوفٌ ثانٍ بِلَفظٍ آخَر: «ألّا تَعدِلوا». والعَدلُ من ع-د-ل، التَّسويةُ بَينَ جانِبَينِ حتّى يَستَوِيا، ومنه «العِدْل» لِأحَدِ الحِملَينِ المُتَساوِيَينِ على جَنبَيِ الدّابّة. فالخَوفُ الأوَّلُ على الحِصّةِ في اليَتامى، والثّاني على التَّسويةِ بَينَ الزَّوجاتِ إذا تَعَدَّدن، ولِكُلٍّ لَفظُه: القِسطُ حِصّةٌ تُعطى، والعَدلُ كِفّتانِ تَستَويان. وجَوابُ هذا الخَوفِ «فواحِدةً»، أي فانكِحوا واحِدة، فيَكفي تَوَقُّعُ المَيلِ لِيُرَدَّ العَدَدُ إلى واحِدة.

و«أو ما مَلَكَت أيمانُكُم» بَديلٌ ثانٍ يوضَعُ إلى جانِبِ «واحِدة». والمِلكُ من م-ل-ك، الإمساكُ بِالشَّيءِ وحِيازَتُه والقُدرةُ على التَّصَرُّفِ فيه، والأيمانُ جَمعُ يَمين، وهي اليَدُ التي يُقبَضُ بِها، فالعِبارةُ تُسَمّي هذا الصِّنفَ بِما تَحوزُه الأيدي. وجاءَت «ما» هُنا كما جاءَت في «ما طابَ لَكُم»، والبَديلانِ مَعاً جَوابُ الخَوفِ نَفسِه، يَجمَعُهُما ما بَعدَهُما من تَعليل.

«ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا»: قُربٌ من الاستِواء

و«ذلك» يُشيرُ إلى ما انتَهى إلَيه الأمرُ من الواحِدةِ أو ما مَلَكَتِ الأيمان، و«أدنى» من د-ن-و، أي أقرَب، فالآيةُ تَزِنُ الخِيارَ بِقُربِه من الغايةِ ولا تَعِدُ بِبُلوغِها. والعَولُ من ع-و-ل، المَيلُ عن الاستِواء، ومنه «عالَ الميزانُ» إذا مال. وبِهذا تَنتَهي الآيةُ عِندَ ما بَدَأَ بِه الخَوفُ الثّاني: كانَ الخَوفُ ألّا يَعدِلوا، والأقرَبُ ألّا يَعولوا، والجِذرانِ يَشتَرِكانِ في العَينِ واللّامِ ويَفتَرِقانِ في الوَسَط، فالعَدلُ استِواءُ الكِفَّتَين، والعَولُ مَيلُ إحداهُما. والسّورةُ حينَ تَعودُ إلى العَدلِ بَينَ النِّساءِ تُقابِلُه بِالمَيل: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾.


حَصيلة

تَبقى الآيةُ في اليَتامى، وتَجعَلُ أمرَ النِّساءِ جَواباً لِخَوفٍ عَلَيهِم: مَن خافَ ألّا يُعطِيَهُم حِصَصَهُم، والقِسطُ من ق-س-ط حِصّةٌ تُقطَعُ لِكُلِّ ذي حَقّ، أُحيلَ إلى ما يَطيبُ لَه من النِّساء، بِأعدادٍ مَعدولةٍ مُوَزَّعةٍ يَنتَهي عَدُّها عِندَ أربَع، ويَبقى وَجهُ الرَّبطِ بَينَ الخَوفِ والنِّكاحِ في الفاءِ حتّى تَعودَ إلَيه السّورةُ في يَتامى النِّساء. ثُمَّ يَأتي خَوفٌ ثانٍ على العَدل، والعَدلُ من ع-د-ل تَسويةُ الكِفَّتَين، فيُرَدُّ العَدَدُ إلى واحِدةٍ أو ما مَلَكَتِ الأيمان، ويَكفي تَوَقُّعُ المَيلِ لِهذا الرَّدّ. وتُقاسُ الخِياراتُ بِقُربِها من ألّا يَعولوا، والعَولُ من ع-و-ل مَيلُ إحدى الكِفَّتَين، فتَبدَأُ الآيةُ بِالخَوفِ من الجَورِ وتَنتَهي بِالأقرَبِ إلى الاستِواء. ويَصِلُها الجِذرُ ط-ي-ب بِجارَتَيها: «الطَّيِّب» في أموالِ اليَتامى قَبلَها، و«ما طابَ لَكُم» فيها، و«طِبنَ» في صَدُقاتِ النِّساءِ بَعدَها.