النساء · الآية 46

﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

«مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا»: قَومٌ يُنسَبونَ إلى جَماعةٍ سُمِّيَت بِرُجوعِها

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«مِن»، فالمَوصوفونَ بَعدَها يُذكَرونَ «مِنَ الَّذينَ هادوا». وتَعَلُّقُ هذا المَطلَعِ بِما قَبلَه مَفتوحٌ على وَجهَين: أن يَكونَ مَوصولاً بِالآيَتَينِ السّابِقَتَينِ فيُبَيِّنَ مِن أيِّ جَماعةٍ الَّذينَ عُرِضوا فيهِما، وأن يَكونَ كَلاماً جَديداً فيه مَوصوفٌ مَطويٌّ يُفهَمُ من السِّياق، أي: من الَّذينَ هادوا قَومٌ يُحَرِّفون، و«مِن» فيه تَأخُذُ بَعضاً من جَماعة.

والاسمُ فِعلٌ ماضٍ في صِلةِ مَوصول: «الَّذينَ هادوا»، فهُم يُعرَفونَ بِشَيءٍ فَعَلوه. والجِذرُ ه-و-د، حَرفاه الصَّحيحانِ الهاءُ والدّال، والواوُ بَينَهُما مَدٌّ يَصِلُ أوَّلَ الحَدَثِ بِآخِرِه، وهو إقبالٌ هادِئٌ يَرجِعُ إلى مَوضِعٍ فيَسكُنُ عِندَه، وفي الكِتابِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، أي رَجَعنا إلَيك. فالاسمُ يَحمِلُ رُجوعاً إلى الله، وما تَصِفُه الآيةُ بَعدَه من فِعلِ المَوصوفينَ إزاحةٌ لِلكَلامِ عن مَواضِعِه، فيَجتَمِعُ في الآيةِ رُجوعٌ في الاسمِ وانحِرافٌ في الفِعل.

«يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ»: كَلِمٌ يُزاحُ عن أماكِنِه إلى الحافّة

وأوَّلُ ما يوصَفونَ بِه «يُحَرِّفونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِه». والتَّحريفُ من ح-ر-ف، والحَرفُ طَرَفُ الشَّيءِ وحافَتُه، فالتَّحريفُ نَقلُ الشَّيءِ من وَسَطِه إلى حَرف، وفي الكِتابِ لِمَن يَقِفُ على طَرَفٍ لا يَستَقِرُّ فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾. وما يَقَعُ عَلَيه التَّحريفُ «الكَلِم»، و«عَن مَواضِعِه» تَصِفُ الفِعلَ إزاحةً، والمَوضِعُ من و-ض-ع مَكانٌ يوضَعُ فيه الشَّيءُ فيَستَقِرّ. فالكَلِمةُ في الآيةِ لَها مَكانٌ تَعمَلُ فيه، والفِعلُ يَأخُذُها من مَكانِها إلى حافّةٍ تَعمَلُ فيها غَيرَ عَمَلِها، ومَجيئُه مُضارِعاً يَجعَلُ الإزاحةَ صَنعةً قائمة.

وقد جاءَ «يُحَرِّفونَ الكَلِمَ» في مَوضِعَينِ آخَرَينِ من الكِتاب: مَرّةً بِلَفظِه يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾، ومَرّةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. ثُمَّ تَعطِفُ الآيةُ بِالواوِ ما يَقولونَه: «ويَقولون»، والأقوالُ التّاليةُ تُقرَأُ أمثِلةً لِلإزاحةِ التي سَمَّتها، أو صَنيعاً ثانياً يُعطَفُ عَلَيها، واللَّفظُ يَحتَمِلُهُما.

«سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا»: كَلِماتُ إصغاءٍ تُثنى أطرافُها

والأمثِلةُ ثَلاثٌ، تَبدَأُ كُلٌّ مِنها بِكَلِمةِ إصغاءٍ ثُمَّ تَنثَني في طَرَفِها. أوَّلُها «سَمِعنا وعَصَينا»: يُقِرّونَ بِالسَّماعِ ثُمَّ يَعطِفونَ عَلَيه ضِدَّ ما يَقتَضيه، فالكَلِمةُ التي يَبدَأُ بِها العَهدُ تُختَمُ بِالرَّدّ، وقد جاءَ هذا الزَّوجُ بِلَفظِه في الكِتابِ جَواباً عن قَولِه خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾. وثانيها «واسمَعْ غَيرَ مُسمَعٍ»: أمرٌ بِالسَّماعِ يَتبَعُه قَيد، و«مُسمَع» اسمُ مَفعولٍ من «أسمَعَ»، أي مَن يُجعَلُ سامِعاً، فالعِبارةُ تَنفَتِحُ على جِهَتَين: اسمَعْ غَيرَ مُسمَعٍ ما يَسوؤُك، واسمَعْ غَيرَ مُسمَعٍ أصلاً. والألفاظُ تَحمِلُ الوَجهَينِ مَعاً، وتَترُكُ لِقائلِها أن يُريدَ أحَدَهُما.

وثالِثُها «وراعِنا»، من ر-ع-ي، والرِّعايةُ حِفظٌ يُمسِكُ ما يَرعاه ويَتبَعُه في مَسيرِه، و«راعِنا» طَلَبٌ أن يُحفَظَ الطّالِبُ في نَظَرِ مَن يُكَلِّمُه ويُتبَعَ بِالإصغاء. وقد نَهى الكِتابُ الَّذينَ آمَنوا عن هذه الكَلِمةِ ووَضَعَ في مَكانِها غَيرَها: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾، وهذه الآيةُ تُري الكَلِمةَ في أفواهِ قَومٍ يَلوونَها. فالآيَتانِ تَتَجاوَبان: كَلِمةٌ سَليمةُ المَعنى في أصلِها، يَقبَلُ لَفظُها أن يُثنى في الفَم، أُبدِلَت بِكَلِمةٍ من جِذرٍ آخَر.

«لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ»: لَيٌّ في الفَمِ يَنتَهي طَعنةً في الدّين

ثُمَّ يُسَمّي اللَّفظانِ «لَيّاً» و«طَعناً» ما تَكونُه هذه الأقوال. واللَّيُّ من ل-و-ي، شَيءٌ يُلَفُّ على نَفسِه فتَنحَرِفُ وِجهَتُه، و«بِألسِنَتِهِم» تَجعَلُ الألسِنةَ أداةَ اللَّيّ، فالعَيبُ في ما تَصنَعُه الألسِنةُ بِالكَلِمة. وقد جاءَ في الكِتابِ عَكسُ هذه الهَيئة: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ﴾، فالألسِنةُ هُناكَ هي المَلويّة، وهي هُنا اللّاوية، وجاءَ الجِذرُ في هذه السّورةِ لِلشَّهادةِ حينَ تُلوى: وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾.

والطَّعنُ من ط-ع-ن، دَفعٌ مَضغوطٌ يَمضي في مَسلَكٍ دَقيقٍ حتّى يَغورَ في الجَوف، و«في الدّين» تَجعَلُ الدّينَ الجِسمَ الذي تَدخُلُه الطَّعنة، وقد جَمَعَ الكِتابُ الكَلِمَتَينِ في وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾. فالآيةُ تَسيرُ من لَيٍّ في الفَمِ إلى طَعنٍ في الدّين: ما بَدَأَ ثَنياً لِلَّفظِ يَنتَهي طَعنةً في الدّينِ نَفسِه.

«وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا»: العِباراتُ نَفسُها مُستَقيمة، ثُمَّ بُعدٌ سَبَبُه السَّتر

ثُمَّ تَضَعُ الآيةُ إلى جِوارِ كُلِّ عِبارةٍ مَثنيّةٍ صورَتَها المُستَقيمة: «سَمِعنا وأطَعنا» تُبقي السَّماعَ وتُتِمُّه بِالطّاعة، و«واسمَعْ» تُبقي الأمرَ وتُسقِطُ القَيدَ الذي كانَ يَحمِلُ الوَجهَين، و«وانظُرنا» تَأتي مَكانَ «راعِنا». و«انظُرنا» من ن-ظ-ر، طَلَبُ النَّظَرِ أو الإمهال، وقد جاءَت في الكِتابِ لِلإمهال: انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾. و«سَمِعنا وأطَعنا» قَولٌ يَضَعُه الكِتابُ في أفواهِ الَّذينَ آمَنوا: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. والحُكمُ على هذه الصّورةِ «لَكانَ خَيراً لَهُم وأقوَم»، و«أقوَمُ» من ق-و-م، تَفضيلٌ في الاستِقامةِ يُقابِلُ اللَّيّ: قَولٌ قائمٌ على وَجهِه في مُقابِلِ قَولٍ مَلويّ، وفي الكِتابِ لِلقَولِ نَفسِه وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.

ثُمَّ تَنصَرِفُ «ولكِنْ» عمّا كانَ يُمكِنُ إلى ما وَقَع: «لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفرِهِم». واللَّعنُ من ل-ع-ن، فَصلٌ يُخرِجُ المَفصولَ من القُربِ إلى البُعد، والباءُ في «بِكُفرِهِم» لِلسَّبَب، والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهور، فالبُعدُ ثَمَرةُ السَّتر. وتَأتي الفاءُ بِالنَّتيجة: «فلا يُؤمِنونَ إلّا قَليلاً»، و«إلّا قَليلاً» تَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ القَليلُ عَدَداً مِنهُم يُعطونَ الثِّقة، وأن يَكونَ قَدراً يَسيراً من الثِّقةِ يُعطونَه، واللَّفظُ يَتَّسِعُ لَهُما. وقد خُتِمَت بِهذه العِبارةِ نَفسِها آيةٌ أُخرى في هذه السّورة: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ قَوماً تَنسُبُهُم «مِن» إلى الَّذينَ هادوا، وتَعَلُّقُ هذا المَطلَعِ بِما قَبلَه يَحتَمِلُ الوَصلَ والاستِئناف. واسمُ الجَماعةِ من ه-و-د رُجوعٌ إلى الله، وفِعلُ المَوصوفينَ إزاحةٌ لِلكَلِمِ عن مَواضِعِه، والتَّحريفُ من ح-ر-ف نَقلُ الكَلِمةِ من مَكانِها إلى حافّةٍ تَعمَلُ فيها غَيرَ عَمَلِها. ثُمَّ تُري الآيةُ الإزاحةَ في ثَلاثِ عِباراتٍ تَبدَأُ بِالإصغاءِ وتَنثَني في طَرَفِها: «سَمِعنا» يَتبَعُها العِصيان، و«اسمَعْ» يَتبَعُها قَيدٌ ذو وَجهَين، و«راعِنا» تَلويها الألسِنة، وتُسَمّي ذلك لَيّاً بِالألسِنةِ يَنتَهي طَعناً في الدّين. ثُمَّ تَضَعُ إلى جِوارِ كُلِّ عِبارةٍ صورَتَها المُستَقيمة، وتَحكُمُ لِلمُستَقيمةِ بِأنَّها خَيرٌ وأقوَم، وتَختِمُ بِبُعدٍ سَبَبُه السَّتر، وثِقةٍ قَليلةٍ يَتَّسِعُ اللَّفظُ فيها لِقِلّةِ العَدَدِ وقِلّةِ القَدر.