النساء · الآية 55

﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

«فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ»: قِسمةٌ تُبقي المَرجِعَ مَفتوحاً

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها، ثُمَّ تَقسِمُ: «فمِنهُم ... ومِنهُم»، فَريقانِ يَخرُجانِ من جَماعةٍ واحِدة. وأقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الضَّميرُ في «مِنهُم» «آتَيناهُم»، وهُم آلُ إبراهيم، وقَبلَه في تِلكَ الآيةِ «النّاسُ» الذينَ آتاهُمُ اللهُ من فَضلِه، وقَبلَهُما الذينَ يَحسُدون، والآيةُ تَترُكُ المَرجِعَ مَفتوحاً على ما سَبَق. و«بِه» و«عَنه» ضَميرٌ مُفرَدٌ مُذَكَّرٌ مَرجِعُه كذلك مَفتوح: قد يَعودُ على ما أوتوه، الكِتابِ أو المُلكِ أو العَطاءِ كُلِّه، وقد يَعودُ على إبراهيمَ نَفسِه.

والقِسمةُ قائمةٌ على أيِّ هذه الوُجوهِ حُمِلَت: الجَماعةُ التي يَعودُ عَلَيها «مِنهُم» فَريقان، فَريقٌ آمَنَ بِما يَعودُ عَلَيه «بِه»، وفَريقٌ صَدَّ عَنه. و«مَن» في الشَّطرَينِ مُفرَدةُ اللَّفظ، والفِعلانِ بَعدَها مُفرَدان، «آمَنَ» و«صَدَّ»، فكُلُّ واحِدٍ في الفَريقَينِ يُذكَرُ بِفِعلِه هو. و«آمَنَ» من أ-م-ن، الجِذرِ الذي عُقِدَ في الحادِيةِ والخَمسينَ بِالجِبتِ والطّاغوت، وهُنا يُعقَدُ بِالهاءِ في «بِه»، فالفِعلُ واحِدٌ وما تَتَعَلَّقُ بِه الثِّقةُ في المَوضِعَينِ مُختَلِف.

«مَّن صَدَّ عَنْهُ»: رَدٌّ صُلبٌ عن الوِجهة

و«صَدَّ» من ص-د-د، وحُروفُه إمساكٌ صُلبٌ يَدفَعُ ما أقبَلَ عَلَيه ويَرُدُّه، ثُمَّ يَثبُتُ هذا الرَّدّ. ويَأتي الفِعلُ في الكِتابِ على وَجهَين: لازِماً بِمَعنى الإعراضِ بِالنَّفس، كما في الآيةِ الحادِيةِ والسِّتّينَ من هذه السّورة رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، ومُتَعَدِّياً بِمَعنى رَدِّ الغَيرِ ومَنعِه، كما في طه فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا﴾. وجاءَ هُنا بِلا مَفعولٍ ظاهِر، فأقرَبُ ما يُحمَلُ عَلَيه الإعراضُ بِالنَّفس، ويَبقى في الفِعلِ مُتَّسَعٌ لِمَن يَرُدُّ غَيرَه مَعَ نَفسِه.

«وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا»: كِفايةٌ تَسُدُّ مَوضِعَ الحاجة

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ، بَعدَ ذِكرِ الصّادّ، بِـ«وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعيراً». والكِفايةُ من ك-ف-ي، وحُروفُها كَتمٌ يَسُدُّ فُرجةً ضَيِّقةً حتّى لا يَبقى فيها مَنفَذ، فالكافي يَسُدُّ مَوضِعَ الحاجةِ فلا يُطلَبُ بَعدَه شَيء. وهذا التَّركيبُ، «كَفى» والباءُ واسمٌ بَعدَها ثُمَّ مَنصوبٌ يُعَيِّنُ جِهةَ الكِفاية، قد جَرى في هذه السّورة: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ في الآيةِ السّادِسة، ووَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ في الخامِسةِ والأربَعين، ووَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ في الخَمسين. وكانَ الكافي في السّادِسةِ والخامِسةِ والأربَعينَ اللهَ، وفي الخَمسينَ الكَذِبَ الذي يَفتَرونَه حِملاً بَيِّناً، وهو هُنا جَهَنَّم، وجِهةُ كِفايَتِها «سَعيراً».

و«جَهَنَّمُ» اسمٌ لِلنّار، و«سَعيراً» من س-ع-ر، وقد جاءَ في الآيةِ العاشِرة: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، والسَّعيرُ لَهَبٌ يَصعَدُ من باطِنِ النّارِ ويَعلو ويَمتَدّ، على فَعيلٍ بِمَعنى المُوقَد. والكِفايةُ في الآيةِ تَأتي عَقِبَ ذِكرِ الصّادِّ مُباشَرةً، ثُمَّ تَأتي الآيةُ السّادِسةُ والخَمسونَ بِالنّارِ وما تَصنَعُه بِالجُلود.


حَصيلة

تَصِلُ الفاءُ الآيةَ بِما قَبلَها وتَقسِمُ جَماعةً واحِدةً فَريقَين، والضَّميرُ في «مِنهُم» يَحتَمِلُ آلَ إبراهيمَ والنّاسَ الذينَ أُعطوا والذينَ يَحسُدون، والهاءُ في «بِه» و«عَنه» تَحتَمِلُ ما أُعطِيَ وتَحتَمِلُ إبراهيم، والآيةُ تُبقي المَرجِعَينِ مَفتوحَين، والقِسمةُ قائمةٌ على كُلِّ وَجه. والفِعلانِ مُفرَدانِ يُذكَرُ بِهِما كُلُّ واحِدٍ بِفِعلِه: «آمَنَ» من أ-م-ن، الجِذرُ الذي عُقِدَ من قَبلُ بِالجِبتِ والطّاغوت، و«صَدَّ» من ص-د-د، رَدٌّ صُلبٌ عن الوِجهة، يَأتي في الكِتابِ لازِماً ومُتَعَدِّياً، وقد جاءَ هُنا بِلا مَفعولٍ فأقرَبُه الإعراضُ بِالنَّفس. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِكِفايةٍ من ك-ف-ي، سَدٌّ لِفُرجةِ الحاجة، في تَركيبٍ جَرى في السّورةِ وكانَ الكافي فيه اللهَ في السّادِسةِ والخامِسةِ والأربَعينَ والكَذِبَ في الخَمسين، وهو هُنا جَهَنَّم، وجِهةُ كِفايَتِها سَعيرٌ من س-ع-ر، لَهَبٌ مُوقَدٌ يَصعَدُ ويَمتَدّ.