النساء · الآية 56

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا»: تَغطيةٌ تَقَعُ على العَلامات

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنَّ» فتُثبِتُ ما بَعدَها إثباتاً مُؤَكَّداً، وتَنتَقِلُ من الفَريقَينِ في الآيةِ السّابِقةِ إلى حُكمٍ عامّ: «الذينَ كَفَروا بِآياتِنا». والكُفرُ من ك-ف-ر، التَّغطيةُ التي تُغلِقُ ما كانَ يَظهَر، والباءُ تُوقِعُها على «آياتِنا»، والآيةُ عَلامةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها، فالمُغَطّى هُنا ما جُعِلَ لِيَدُلّ. وقد جاءَ «الذينَ كَفَروا» في الحادِيةِ والخَمسينَ اسماً لِمَن قيلَ فيهِم إنَّهُم أهدى سَبيلاً، وهُنا يَأتي الفِعلُ مَعَ ما وَقَعَ عَلَيه، وتُضافُ الآياتُ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّم، «آياتِنا»، فيَتَكَلَّمُ صاحِبُ الآياتِ عمّا يُصنَعُ بِمَن غَطّاها.

«سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا»: إلزامٌ بِنارٍ تَلتَصِق

والوَعيدُ «سَوفَ نُصليهِم ناراً»: «سَوف» لِما يُستَقبَل، و«نُصليهِم» من ص-ل-ي على أفعَل، والجِذرُ لُزومُ النّارِ والتِصاقُها بِمَن يَلقاها حتّى يَسريَ فيه حَرُّها، و«أصلاه» جَعَلَه يَلزَمُها. وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه مَعَ «سَوف» في الآيةِ الثَّلاثينَ لِفاعِلٍ واحِد: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، وجاءَ الجِذرُ في العاشِرةِ مُجَرَّداً مُسنَداً إلى الذينَ يَلقَونَه: وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. و«ناراً» نَكِرة، ثُمَّ تَصِفُ الآيةُ ما تَفعَلُه هذه النّارُ بِأقرَبِ ما في الجِسمِ إلَيها: الجِلد.

«كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا»: دَورةٌ تَعودُ على نَفسِها

و«كُلَّما» تَجعَلُ ما بَعدَها يَتَكَرَّر: كُلَّ مَرّةٍ يَقَعُ فيها الأوَّلُ يَقَعُ الثّاني، فالآيةُ تَرسُمُ دَورةً تَعودُ على نَفسِها. والأوَّلُ «نَضِجَت جُلودُهُم»، والنُّضجُ من ن-ض-ج، أن يَبلُغَ الحَرُّ باطِنَ الشَّيءِ كُلَّه حتّى يَتِمَّ ما يَصنَعُه فيه، يُقالُ في الثَّمَرِ واللَّحم، ولا يَرِدُ هذا الجِذرُ في الكِتابِ إلّا في هذه الآية. والجُلودُ جَمعُ جِلد، من ج-ل-د، الغِشاءُ المُتَماسِكُ الذي يَلتَصِقُ بِالبَدَنِ ويَحويه، وهو أوَّلُ ما يَلقى ما في الخارِج. فالنّارُ تَبلُغُ من الجِلدِ غايَتَها حتّى يَتِمَّ فيه ما تَصنَعُه.

والثّاني «بَدَّلناهُم جُلوداً غَيرَها»، والتَّبديلُ من ب-د-ل، إزاحةُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه وإقامةُ غَيرِه فيه، وقد جاءَ الجِذرُ في السّورةِ في الآيةِ الثّانيةِ «ولا تَتَبَدَّلوا»، وفي الآيةِ العِشرينَ «استِبدالَ». و«بَدَّلَ» هُنا يَتَعَدّى إلى مَفعولَين: «هُم» الذينَ يُبَدَّلُ لَهُم، و«جُلوداً» ما يُقامُ مَكانَ الأُولى، و«غَيرَها» تَصِفُ الجُلودَ الجَديدةَ بِأنَّها غَيرُ الجُلودِ التي نَضِجَت، والهاءُ فيها تَعودُ على «جُلودُهُم».

ويَبقى ضَميرُ الجَماعةِ الغائبينَ ثابِتاً في الدَّورةِ كُلِّها: الهاءُ والميمُ في «جُلودُهُم» وفي «بَدَّلناهُم»، ثُمَّ الواوُ في «لِيَذوقوا»، فالجُلودُ تَتَبَدَّلُ وأصحابُها هُم هُم. والتَّعليلُ «لِيَذوقوا العَذاب» يَجعَلُ الذّائقَ أصحابَ الجُلود، والذَّوقُ من ذ-و-ق، مُباشَرةُ الشَّيءِ بِأقرَبِ الحَواسِّ مَدخَلاً حتّى يَنعَقِدَ أثَرُه في الباطِن، فالآيةُ تَصِفُ ما يَصِلُ إلَيهِم عَبرَ الجِلدِ بِفِعلِ المُباشَرةِ الأقرَب. والعَذابُ من ع-ذ-ب ألَمٌ يَنفُذُ ويُحبَسُ على مَن يَقَعُ عَلَيه، والتَّبديلُ مَجعولٌ لِهذا الذَّوق: كُلَّما تَمَّ في جِلدٍ ما تَصنَعُه النّارُ جاءَ جِلدٌ غَيرُه يُذاقُ بِه العَذاب.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا»: مَنَعةٌ وإمساكٌ لِلأمرِ على وَجهِه

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«إنَّ» كما بَدَأَت، وبِالوَصفَين «عَزيزاً حَكيماً». والعِزّةُ من ع-ز-ز، قُوّةٌ تَظهَرُ من عُمقٍ فتَمتَنِعُ على مَن يُريدُها، ومنه «العَزاز» الأرضُ الصُّلبة، فلا شَيءَ يَحولُ دونَ هذه الدَّورةِ أو يَقطَعُها. والحِكمةُ من ح-ك-م، إمساكُ الأمرِ على وَجهِه، والدَّورةُ مَضبوطةٌ بِـ«كُلَّما»: لِكُلِّ نُضجٍ تَبديل. و«كانَ» تُثبِتُ الوَصفَينِ لِلهِ ثابِتَينِ قَبلَ الوَعيدِ وبَعدَه.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِحُكمٍ عامٍّ في الذينَ غَطَّوا الآيات، والكُفرُ من ك-ف-ر تَغطيةٌ تَقَعُ هُنا على العَلاماتِ التي جُعِلَت لِتَدُلّ، ويَتَكَلَّمُ فيها صاحِبُ الآياتِ بِضَميرِه. ثُمَّ تَتَوَعَّدُهُم بِنارٍ يُلزَمونَها، والإصلاءُ من ص-ل-ي لُزومٌ لاصِقٌ يَسري فيه الحَرّ، جاءَ فِعلُه من قَبلُ في الثَّلاثينَ ومُجَرَّدُه في العاشِرة. وتَرسُمُ بِـ«كُلَّما» دَورةً: جِلدٌ يَنضَجُ، من ن-ض-ج، ولا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا، ثُمَّ جِلدٌ غَيرُه يُقامُ مَكانَه، من ب-د-ل، والجِلدُ من ج-ل-د غِشاءٌ مُتَماسِكٌ هو أوَّلُ ما يَلقى الخارِج. والضَّميرُ ثابِتٌ في الدَّورةِ كُلِّها، فالجُلودُ تَتَبَدَّلُ والذّائقونَ هُم أنفُسُهُم، والذَّوقُ من ذ-و-ق مُباشَرةٌ تَنعَقِدُ في الباطِن، والتَّبديلُ مَجعولٌ لَه. وتُختَمُ بِعِزّةٍ لا يَحولُ شَيءٌ دونَها وحِكمةٍ تُمسِكُ الدَّورةَ على قَدرِها: لِكُلِّ نُضجٍ تَبديل.