البقرة · الآية 284
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
انتِقالُ الخِطاب: من أحكامِ المال إلى مِلكِ الله
أُلاحِظُ أنَّ هذه الآيةَ تَقِفُ على حَدٍّ فاصِل. فما قَبلَها كُلُّه تَشريعاتٌ ماليَّة: الإنفاق، الصَّدَقة، الرِّبا، الدَّين، الرَّهن. كُلُّها تَدورُ حَولَ «ما تَملِك» و«ما تُعطي» و«ما تَكتُب». ثُمَّ يأتي هذا المَطلَعُ الضَّخم: «لله ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، ليُذَكِّرَ أنَّ كُلَّ ما جَرى من بَيعٍ وإنفاقٍ ودَينٍ ورَهنٍ إنَّما جَرى على مِلكٍ مُستَعار، وأنَّ المالِكَ الحَقيقيَّ واحِد. فالحُقوقُ التي ضَبَطَتها الآياتُ السّابِقةُ ليست حُقوقًا مُطلَقة، بل هي وَكالةٌ على مِلكٍ يَعودُ كُلُّه إليه.
(س م و)+(أ ر ض): شُمولُ المِلك
السَّماواتُ جَمعُ سَماء، والأصلُ في (س م و) العُلُوُّ والارتِفاع. والأرضُ الطَّبَقةُ السُّفلى التي تَقبَلُ الحَياة. وجَمعُ القُطبَينِ: «ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، تَعبيرٌ قُرآنيٌّ مُتَكَرِّرٌ يَدُلُّ على الشُّمول المُطلَق. لا شَيءَ خارِجَ المِلك. لا زاويةَ مِن الوُجودِ غَيرَ مَحكومةٍ بقانونِ المِلك.
تَقديمُ الجارِّ والمَجرور: «لله» قَبلَ «ما»
أؤَكِّدُ أنَّ بِنيةَ الجُملةِ «لله ما في السَّماواتِ» تُقَدِّمُ الخَبَرَ (لله) على المُبتَدَأ (ما في السَّماوات)، وهذا في النَّحوِ العَرَبيِّ يُفيدُ الحَصر. فليس المَعنى «إنَّ الله يَملِكُ السَّمواتِ والأرض» فحَسب، بل «لا مالِكَ إلّا الله». وهذا الحَصرُ هو جِسرٌ إلى ما يَليه: إذا كانَ المِلكُ كُلُّه لله، فالحِسابُ أيضًا كُلُّه إليه.
(ب د و)+(خ ف و): قُطبا الظّاهِرِ والباطِن
جِذرُ (ب د و) في العَرَبيَّةِ دَلالَتُه الظُّهورُ والانكِشاف. ومِنه «البَدوُ» للذين يَسكُنونَ المَكانَ المَكشوف، و«بَدا الشَّيءُ» إذا ظَهَر. وجِذرُ (خ ف و) مُضادُّه: السَّتر والاحتِجاب. فإبداءُ ما في النَّفسِ كَشفُه بلَفظٍ أو فِعلٍ أو إيماء. وإخفاؤه حَبسُه في الصَّدرِ بلا إظهار. وقَد سَوَّتِ الآيةُ بينَهما في الحِساب: «وإن تُبدوا ما في أنفُسِكُم أو تُخفُوه يُحاسِبكُم به الله».
(ن ف س): ساحةُ الحِسابِ الأوسَع
جِذرُ (ن ف س) أصلُه التَّنَفُّس، ثُمَّ اتَّسَعَ لكُلِّ ذاتٍ حَيَّة. والنَّفسُ في الاستِعمالِ القُرآنيِّ اسمٌ جامِعٌ لما يَشمَلُ الإرادةَ والهَوى والعَقلَ والقَلب. فقَولُه «ما في أنفُسِكُم» لا يَقتَصِرُ على الخَواطِر، بل يَشمَلُ النَّوايا والقَصدَ والمِيل. وأُلاحِظُ أنَّ هذا التَّعبيرَ يَتَّسِعُ لِيَشمَلَ كُلَّ حَركةٍ داخِليَّةٍ تَحمِلُ قَدرًا من الاختِيار.
(ح س ب): المُحاسَبةُ لا العِقاب
جِذرُ (ح س ب) أصلُه العَدُّ والإحصاء، ومِنه الحِسابُ الرِّياضيُّ والحِسبانُ بمَعنى الظَّنِّ. وصيغةُ (يُحاسِبكُم) المَزيدةُ بالمُفاعَلةِ تُفيدُ مُراجَعةً دَقيقةً مُتَبادَلة. فالمُحاسَبةُ هاهُنا ليست بذاتِها عِقابًا، بل هي إحصاءٌ دَقيق. ثُمَّ يَأتي بَعدَ الإحصاءِ قَرارُ المَغفِرةِ أو العَذاب. فالتَّرتيبُ: إحصاءٌ، ثُمَّ حُكم. وهذا التَّرتيبُ هو ما يَفتَحُ بابَ المَغفِرةِ بَعدَ لَحظَةِ الكَشف.
(غ ف ر)+(ع ذ ب): قَرارانِ مُعَلَّقانِ بالمَشيئة
جِذرُ (غ ف ر) أصلُه السَّترُ والتَّغطِية، ومِنه المِغفَرُ لِما يَستُرُ الرَّأس. فالمَغفِرةُ ستْرٌ للذَّنبِ لا إنكارٌ لوُقوعِه. وجِذرُ (ع ذ ب) أصلُه في اللُّغةِ القَطعُ والمَنع، ومِن معانيه العَذبُ من الماءِ (الصّافي بلا شَوائِب) ثُمَّ استُعمِلَ لِلألَم، والجامِعُ أنَّ العَذابَ انقِطاعٌ حادٌّ. والمَشيئةُ الإلهيَّةُ في كِلا الخِيارَين ليست مَحضَ تَعَسُّف، بل هي جارِيةٌ على حِكمةِ العَدلِ والرَّحمةِ المَعلومةِ للعَليمِ الخَبير.
(ق د ر): خِتامُ الآيةِ بالقُدرةِ المُطلَقة
جِذرُ (ق د ر) يَجمَعُ بَينَ التَّقديرِ (وَضعِ المِقدار) والقُدرةِ (إمكانِ الفِعل). وخِتامُ الآيةِ «والله على كُلِّ شَيءٍ قَدير» يَرُدُّ الأمرَ كُلَّه إلى الأصلِ: مَن يَملِكُ ما في السَّماواتِ والأرضِ ويَبلُغُ عِلمُه داخِلَ النَّفسِ، فله على كُلِّ شَيءٍ قُدرة. ولا يُعجِزُه لا إحصاءُ الخاطِر، ولا سَترُه، ولا المُجازاةُ عليه.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «مِلكِ الله لِما في الأنفُسِ» يَسبِقُ دَورَ «مِلكِ الإنسانِ لِما في جَيبِه»، ودَورُ «المُحاسَبةِ الشّامِلةِ لِلظّاهِرِ والباطِن» يَسبِقُ دَورَ «المُحاسَبةِ القانونيَّةِ على ما يُكتَبُ ويُشهَد».
حَصيلة
آيةٌ ثَقيلةٌ تَقِفُ على حَدٍّ فاصِلٍ بَعدَ دَورةِ التَّشريعاتِ الماليَّةِ كُلِّها. مَفتَحُها الكَوني: لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، تَقديمُ «لله» عَلى «ما» حَصرٌ: لا مالِكَ إلّا الله. فَكُلُّ ما جَرى مِن إنفاقٍ ودَينٍ ورِباً ورَهنٍ إنَّما جَرى على مِلكٍ مُستَعار، والمالِكُ الحَقيقيُّ واحِد. ثُمَّ يَنزِلُ الخِطابُ إلى ساحةٍ أدَقَّ مِن كُلِّ وَثيقةٍ وشاهِد: باطِنُ النَّفس (ن-ف-س). الإبداءُ (ب-د-و) والإخفاءُ (خ-ف-ي) سَواءٌ في الحِسابِ (ح-س-ب). هَذا يَتَجاوَزُ نِظامَ 282: مَهما وَثَّقتَ وأشهَدتَ، القَصدُ الباطِنُ مَرصود. ويَبقى المَآلُ مَشيئيًّا مَفتوحًا: فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾، لا آليَّةً حَتميَّة. ويَختِمُ بِـوَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: القُدرةُ (ق-د-ر) تَشمَلُ الغُفرانَ والعُقوبةَ معًا. وهَذِه الآيةُ هِيَ العَتَبةُ بَينَ التَّشريعِ وردِّ الفِعلِ في 285 «آمَنَ الرَّسولُ»، فَثِقَلُها يُنتِجُ الاستِجابةَ الإيمانيَّةَ الكُبرى التي تَليها.