النساء · الآية 115

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا

«وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ»: أن يَصيرَ المَرءُ في شِقٍّ غَيرِ شِقِّ الرَّسول

تَنتَقِلُ الآيةُ من الأمرِ بِالإصلاحِ بَينَ النّاسِ في الآيةِ السّابِقةِ إلى صورةٍ تُقابِلُه، وتَفتَتِحُ بِـ«مَن» التي تَعُمُّ كُلَّ مَن يَقَعُ مِنه الفِعل. والمُشاقّةُ من ش-ق-ق، صَدعٌ يَسري في الشَّيءِ فيَقطَعُه ثُمَّ يَشتَدُّ فيَبقى الجانِبانِ مُتَباعِدَين، والشِّقُّ النّاحيةُ من الشَّيء، و«يُشاقِقْ» على «يُفاعِل»، فِعلٌ يَقَعُ بَينَ طَرَفَينِ يَصيرُ فيه كُلٌّ مِنهُما في شِقٍّ غَيرِ شِقِّ صاحِبِه. والذي يُشاقُّ هُنا «الرَّسولَ»، من ر-س-ل، مَن يُبعَثُ من جِهةٍ فيَبلُغُ جِهةً أُخرى بِما حَمَل، فالانشِقاقُ واقِعٌ عن الطَّرَفِ الذي تَصِلُ بِه الرِّسالة.

والجِذرُ نَفسُه جاءَ في هذه السّورةِ في الخامِسةِ والثَّلاثينَ بَينَ زَوجَين: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وجاءَ بَعدَه في الآيةِ نَفسِها إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾. فالشِّقاقُ والإصلاحُ مُتَجاوِرانِ هُناكَ في آيةٍ واحِدة، ومُتَجاوِرانِ هُنا في آيَتَين: إصلاحٌ «بَينَ النّاسِ» في السّابِقة، ومُشاقّةٌ لِلرَّسولِ في هذه. والإصلاحُ شَدٌّ لِما انفَكّ، والمُشاقّةُ صَدعٌ يُحدِثُه المَرءُ بَينَه وبَينَ الرَّسول، فالآيَتانِ تَضَعانِ الفِعلَينِ على طَرَفَين.

«مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ»: صَدعٌ بَعدَ أن ظَهَرَ الطَّريق

ثُمَّ يُقَيَّدُ الانشِقاقُ بِزَمانِه: «من بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَه الهُدى». و«تَبَيَّنَ» من ب-ي-ن على «تَفَعَّل»، والجِذرُ انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فالهُدى صارَ بَيِّناً مُنفَصِلاً عمّا يَلتَبِسُ بِه. والهُدى من ه-د-ي، تَقَدُّمٌ لَيِّنٌ يَمضي أمامَ السّائرِ ويَمتَدُّ بِه، فهو طَريقٌ يَتَقَدَّمُ مَن يَسلُكُه. و«لَه» تَجعَلُ هذا الظُّهورَ واقِعاً لِلمُشاقِّ نَفسِه، فالآيةُ تَصِفُ مَن انشَقَّ والطَّريقُ بَيِّنٌ أمامَه، لا مَن تاهَ في عَتَمة. وقد جاءَ الانشِقاقُ عن الرَّسولِ بَعدَ تَبَيُّنِ الهُدى في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ بِضَميرِ الجَمع: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىٰ﴾.

«وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ»: طَريقٌ يُعرَفُ بِسالِكيه

ثُمَّ يُعطَفُ على المُشاقّةِ فِعلٌ ثانٍ تَحتَ «مَن» نَفسِها: «ويَتَّبِعْ غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنين». والاتِّباعُ من ت-ب-ع، سَيرٌ خَلفَ ما يَتَقَدَّمُ ثُمَّ لِحاقٌ بِأثَرِه، و«يَتَّبِعْ» على «يَفتَعِل»، لَحاقٌ يَقصِدُه صاحِبُه ويَجتَهِدُ فيه. والسَّبيلُ من س-ب-ل، مَجرىً مَمدودٌ مَفتوحٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، وقد أُضيفَ هُنا إلى سالِكيه: «سَبيلِ المُؤمِنين»، والمُؤمِنونَ من أ-م-ن، قَومٌ يَسكُنُ الأمنُ في بَواطِنِهِم ثُمَّ يَنبَعِثُ مِنهُم إلى ما حَولَهُم. وهذه الإضافةُ مُفرَدةٌ في الكِتاب، لم تَرِدْ في غَيرِ هذه الآية.

و«غَيرَ» تَجعَلُ المُتَّبَعَ مُبهَماً: كُلَّ طَريقٍ سِوى ذلك الطَّريق، فالآيةُ تُعَرِّفُ السَّبيلَ المَتروكَ بِأهلِه، وتُبقي المَسلوكَ بِلا اسمٍ إلّا أنَّه غَيرُه. والفِعلانِ في الآيةِ مُفارَقةٌ من جِهَتَين: انشِقاقٌ عن شَخصٍ هو الرَّسول، وسَيرٌ في طَريقٍ غَيرِ طَريقِ جَماعةٍ تُسَمّى بِما يَسكُنُ فيها من الأمن.

«نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ»: يُوصَلُ المَرءُ بِما وَصَلَ نَفسَه بِه

وجَوابُ الشَّرطِ «نُوَلِّهِ ما تَوَلّى»، والفِعلانِ من جِذرٍ واحِد: و-ل-ي، اتِّصالُ الشَّيءِ بِالشَّيءِ مُتَتابِعَينِ لا فاصِلَ بَينَهُما. و«تَوَلّى» على «تَفَعَّل»: جَعَلَ المَرءُ شَيئاً يَليه وأقبَلَ عَلَيه بِاختِيارِه، و«نُوَلِّه» على «فَعَّل»: يَجعَلُه المُتَكَلِّمُ يَلي ما اختارَه ويُقِرُّه عَلَيه. فالشَّطرُ الأوَّلُ من الجَزاءِ مَصنوعٌ من مادّةِ الفِعلِ نَفسِها: ما وَصَلَ المَرءُ نَفسَه بِه يُوصَلُ بِه. و«ما» مُبهَمةٌ تَتَّسِعُ لِكُلِّ ما تَوَلّاه، من طَريقٍ اتَّبَعَه، ومِمَّن اتَّخَذَه وَليّاً.

وقد جاءَ «تَوَلّى» في هذه السّورةِ بِغَيرِ مَفعولٍ في الآيةِ الثَّمانين: وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، والتَّوَلّي هُناكَ إدبارٌ عن الطّاعةِ وانصِراف، وجاءَ هُنا واقِعاً على «ما»، فهو إقبالٌ على شَيءٍ يُجعَلُ في مَوضِعِ ما يَلي المَرء. والفِعلُ واحِدٌ يُقرَأُ من جِهَتَين: مَن أدبَرَ عن شَيءٍ جَعَلَ غَيرَه يَليه.

«وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ»: لُزومٌ يَنتَهي إلَيه الطَّريق

ثُمَّ الشَّطرُ الثّاني من الجَواب: «ونُصلِهِ جَهَنَّم»، والإصلاءُ من ص-ل-ي على «أفعَل»، لُزومٌ مُلتَصِقٌ يَسري فيه حَرُّ ما يُلازِمُه، يُوقِعُه المُتَكَلِّمُ بِمَن تَوَلّى. وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه في هذه السّورةِ مَرَّتَينِ قَبلَ هذه، ومَفعولُه «ناراً»: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ في الثَّلاثين، وسَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ في السّادِسةِ والخَمسين، وهو هُنا واقِعٌ على «جَهَنَّم» بِاسمِها، ومَجزومٌ مَعَ «نُوَلِّه» جَواباً لِـ«مَن».

ثُمَّ «وساءَت مَصيراً»، و«ساءَت» من س-و-أ، أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَقطَعُ ما كانَ فيه من سَلامة، والضَّميرُ فيه لِجَهَنَّم، و«مَصيراً» من ص-ي-ر، ما يَصيرُ إلَيه الشَّيءُ في آخِرِ أمرِه. وبِهذه الخاتِمةِ نَفسِها خُتِمَت في هذه السّورةِ الآيةُ السّابِعةُ والتِّسعون: فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. والآيةُ تَذكُرُ طَريقاً يُتَّبَعُ ثُمَّ تَنتَهي بِمَصيرٍ يُصارُ إلَيه، فصورةُ السَّيرِ فيها تامّة: سَبيلٌ تُرِك، وغَيرُه سُلِك، ومُنتَهىً يَبلُغُه السّالِك.


حَصيلة

تُقابِلُ الآيةُ الإصلاحَ الذي خُتِمَ بِه الاستِثناءُ في السّابِقةِ بِالمُشاقّة، من ش-ق-ق، صَدعٌ يَصيرُ بِه المَرءُ في شِقٍّ غَيرِ شِقِّ الرَّسول، وقد اجتَمَعَ الجِذرانِ في الخامِسةِ والثَّلاثين. وتَضَعُ هذا الصَّدعَ بَعدَ أن تَبَيَّنَ لِصاحِبِه الهُدى، والهُدى من ه-د-ي طَريقٌ يَتَقَدَّمُ السّائرَ، فالمُشاقُّ يَرى الطَّريقَ ويَنشَقُّ عَنه. ثُمَّ تَعطِفُ عَلَيه اتِّباعاً، من ت-ب-ع، لِغَيرِ سَبيلِ المُؤمِنين، إضافةً مُفرَدةً في الكِتابِ تُعَرِّفُ الطَّريقَ بِسالِكيه وتُبقي المَسلوكَ مُبهَماً في «غَير». والجَوابُ شَطران: «نُوَلِّه ما تَوَلّى»، جَزاءٌ من مادّةِ الاختِيارِ نَفسِها، من و-ل-ي، يُوصَلُ فيه المَرءُ بِما وَصَلَ نَفسَه بِه، و«نُصلِه جَهَنَّم»، لُزومٌ من ص-ل-ي جاءَ في السّورةِ من قَبلُ مَعَ النّار، ثُمَّ خاتِمةٌ خُتِمَت بِها السّابِعةُ والتِّسعون، فتَتِمُّ في الآيةِ صورةُ الطَّريقِ من الصَّدعِ إلى المَصير.