النساء · الآية 2

﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا

«وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ»: مالٌ يُضافُ إلى أصحابِه وهو في يَدِ غَيرِهِم

تَصِلُ الواوُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها، فبَعدَ الأمرِ بِالوِقايةِ في الأرحامِ يَأتي أوَّلُ حَقٍّ مُفَصَّلٍ في السّورة، وهو حَقُّ اليَتامى. و«آتوا» من أ-ت-ي، والإيتاءُ أن يُجعَلَ الشَّيءُ آتِياً صاحِبَه حتّى يَبلُغَه، فالأمرُ يَرسُمُ لِلمالِ وِجهةً يَنتَهي إلَيها. وأُضيفَتِ الأموالُ إلى اليَتامى، «أموالَهُم»، وهي لم تَصِلْ إلَيهِم بَعد، فهي أموالُهُم وهي في أيدي المُخاطَبين، والآيةُ تُخاطِبُ مَن في يَدِه ما لَيسَ لَه.

واليَتامى جَمعُ يَتيم، من ي-ت-م، والجِذرُ يَدورُ على الانفِرادِ بَعدَ فَقدِ ما يُسنِد، ومنه «الدُّرّةُ اليَتيمة» التي لا أُختَ لها في عِقدِها. فاليَتيمُ مُنفَرِدٌ فَقَدَ مَن كانَ يَدفَعُ عَنه، ومالُه في الآيةِ شَيءٌ قائمٌ بِنَفسِه يُحفَظُ لَه ويُساقُ إلَيه. وأمّا مَتى يُدفَعُ إلَيهِم فتَعودُ إلَيه السّورةُ بَعدَ آياتٍ فتَقرِنُه بِبُلوغِهِم وبِرُشدٍ يُؤنَسُ مِنهُم: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وهذه الآيةُ تُثبِتُ الوِجهةَ قَبلَ المَوعِد: المالُ ذاهِبٌ إلَيهِم.

«وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ»: مُبادَلةٌ تُسَمّى بِصِفةِ طَرَفَيها

والتَّبَدُّلُ من ب-د-ل، أن يَأخُذَ المَرءُ لِنَفسِه شَيئاً مَكانَ شَيء، والباءُ فيه تَدخُلُ على المَتروك، كما في وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾، فالمَنهيُّ عَنه أن يُؤخَذَ الخَبيثُ ويُترَكَ الطَّيِّب. والخَبيثُ من خ-ب-ث، الرَّديءُ الذي يُنفى ويُطرَح، ومنه «خَبَثُ الحَديد» ما يَنفَصِلُ عَنه من رَديئِه حينَ يُصهَر، والطَّيِّبُ من ط-ي-ب، ما تَطيبُ بِه النَّفسُ ويَحسُنُ أثَرُه. وقد سَمّى النَّهيُ طَرَفَيِ المُبادَلةِ بِصِفَتِهِما دونَ مالِكَيهِما، فدَخَلَ تَحتَه كُلُّ أخذٍ يَحُلُّ فيه الأدنى مَحَلَّ الأطيَبِ في شَأنِ اليَتامى، على أيِّ صورةٍ جاءَتِ المُبادَلة.

«وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ»: أكلٌ يَبدَأُ بِالضَّمّ

والأكلُ من أ-ك-ل، إدخالُ الشَّيءِ في جَوفِ آكِلِه حتّى يَصيرَ مِنه وتَذهَبَ عَينُه، وقد عُدِّيَ هُنا بِـ«إلى»، والأكلُ يَتَعَدّى في أصلِه بِنَفسِه، فحَمَلَ الفِعلُ مَعنى الضَّمّ: أكلٌ يَبدَأُ بِأن يُضَمَّ مالُ اليَتيمِ إلى مالِ مَن هو في يَدِه حتّى لا يَتَمَيَّز، ثُمَّ يَذهَبَ في جُملَتِه. والآيةُ نَفسُها تُبقي المالَينِ مُتَمايِزَينِ في لَفظِها: «أموالَهُم» و«أموالِكُم»، مالانِ يُضافُ كُلٌّ مِنهُما إلى صاحِبِه، والمَنهيُّ عَنه أن يُمحى هذا الحَدُّ الذي أقامَه اللَّفظ.

وبِهذا تَتَقابَلُ في الآيةِ حَرَكَتان: «آتوا» تَسوقُ المالَ إلى اليَتامى، و«لا تَأكُلوا ... إلى أموالِكُم» تَمنَعُ سَحبَه إلى مَن هو في يَدِه. فالأمرُ والنَّهيُ يَدورانِ على وِجهةِ المال، إلى صاحِبِه أو إلى غَيرِه، واليَتيمُ الذي سُمِّيَ بِانفِرادِه يُحفَظُ مالُه مُنفَرِداً عن مالِ غَيرِه حتّى يُساقَ إلَيه تامّاً.

«إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا»: ظُلمٌ يُسَمّى من جِذرِ الحاجة

والهاءُ في «إنَّهُ» تَعودُ على ما نُهِيَ عَنه من التَّبَدُّلِ والأكل، و«كانَ» تُثبِتُه وَصفاً لازِماً لَه. والحُوبُ من ح-و-ب، ولا يَرِدُ هذا اللَّفظُ في الكِتابِ في غَيرِ هذا المَوضِع، ومن جِذرِه «الحَوْبة» وهي الحاجةُ والمَسكَنة، و«التَّحَوُّب» وهو التَّوَجُّعُ والتَّحَزُّن. فالآيةُ تُسَمّي هذا العُدوانَ على مالِ اليَتيمِ بِاسمٍ من جِذرِ الحاجةِ والوَجَع، أي من جِهةِ مَن يَقَعُ عَلَيه، ثُمَّ تَصِفُه بِأنَّه «كَبير».


حَصيلة

بَعدَ أن جَعَلَتِ الآيةُ الأولى الأرحامَ مَوضِعَ وِقاية، تَبدَأُ هذه الآيةُ بِأضعَفِ مَن تَصِلُهُم تِلكَ الأرحام: اليَتامى، والجِذرُ ي-ت-م انفِرادٌ بَعدَ فَقدِ السَّنَد. فتَأمُرُ بِإيتائِهِم أموالَهُم، وتُضيفُ المالَ إلَيهِم وهو في يَدِ غَيرِهِم، وتَنهى عن مُبادَلةٍ يُؤخَذُ فيها الخَبيثُ ويُترَكُ الطَّيِّب، وتُسَمّيها بِصِفَتِها لِتَعُمَّ كُلَّ صورة، ثُمَّ تَنهى عن أكلٍ يَبدَأُ بِضَمِّ مالِهِم إلى مالِ المُخاطَبينَ حتّى يَذوبَ فيه. فالأمرُ يَسوقُ المالَ إلى صاحِبِه، والنَّهيُ يَمنَعُ سَحبَه إلى غَيرِه، واللَّفظُ نَفسُه يُبقي «أموالَهُم» و«أموالِكُم» مُتَمايِزَين. وتَختِمُ بِالحُوب، وهو لَفظٌ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا، من جِذرٍ يَدُلُّ على الحاجةِ والتَّوَجُّع، فتُسَمّي الظُّلمَ من جِهةِ مَن يَقَعُ عَلَيه وتَصِفُه بِالكِبَر.