النساء · الآية 1

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

«اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم»: أمرٌ يَستَنِدُ إلى أصلِ الخَلق

تَفتَتِحُ السّورةُ خِطابَها بِالنّاسِ جَميعاً: «يا أيُّها النّاسُ»، وأوَّلُ ما تَطلُبُه مِنهُمُ الوِقاية: «اتَّقوا»، من و-ق-ي، وهي أن يَجعَلَ المَرءُ بَينَه وبَينَ ما يَضُرُّه حاجِزاً يَحفَظُه. وقد وَقَعَ الأمرُ على «رَبَّكُم»، والرَّبُّ من ر-ب-ب مَن يَتَعَهَّدُ الشَّيءَ من بَدئِه ويُنَمّيهِ حتّى يَبلُغَ تَمامَه، ثُمَّ وُصِفَ من فَورِه بِالخَلق: «الَّذي خَلَقَكُم». فالآيةُ تَذكُرُ عِلّةَ الأمرِ مَعَ الأمرِ نَفسِه، وتَجعَلُ أوَّلَ ما يَسمَعُه النّاسُ، في سورةٍ سَتَقسِمُ ما يَترُكُه المَوتى وتُنَظِّمُ النِّكاحَ وتَحفَظُ أموالَ اليَتامى، تَذكيراً بِأنَّ لَهُم رَبّاً واحِداً أخرَجَهُم من أصلٍ واحِد.

«مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا»: ذاتٌ واحِدةٌ ومِنها قَرينُها

والنَّفسُ من ن-ف-س، الذّاتُ الحَيّةُ التي يَخرُجُ نَفَسُها من جَوفِها ويَجري، وهي اسمٌ يَصدُقُ على كُلِّ إنسانٍ ذَكَراً كانَ أو أُنثى. وقد جَرى الكَلامُ على لَفظِها حتّى تَمّ، فجاءَ «واحِدةٍ» ثُمَّ «مِنها» ثُمَّ «زَوجَها»، فبَقِيَ الأصلُ في الآيةِ مُسَمًّى بِما يَشتَرِكُ فيه النّاسُ كُلُّهُم. ثُمَّ أُعيدَ لِلقَرينِ الفِعلُ الذي وَقَعَ على المُخاطَبينَ في «خَلَقَكُم»، «وخَلَقَ»، فهو مَخلوقٌ كَما خُلِقوا، و«مِنها» تَرُدُّه إلى ذلك الأصلِ فلا يَكونُ لِلاثنَينِ إلّا مَنبَعٌ واحِد. ويَبقى وَجهُ هذا الخَلقِ «مِنها» مَحفوظاً في «مِن»: أصلٌ، وشَيءٌ يَكونُ مِنه.

والزَّوجُ من ز-و-ج، أحَدُ اثنَينِ يَقتَرِنُ كُلٌّ مِنهُما بِصاحِبِه فيَصيرانِ شَفعاً، ويُسَمّى كُلٌّ مِنهُما زَوجاً لِلآخَر. وإضافَتُه إلى النَّفسِ في «زَوجَها» تَجعَلُه قَرينَها من جِهَتَين: هو مِنها في المَبدَأ، وهو لَها في الاقتِران. فأوَّلُ ما وُجِدَ بَعدَ الواحِدِ اثنانِ من أصلٍ واحِد، ولم يَكُنِ الثّاني غَريباً جيءَ بِه من خارِج.

«وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً»: من الاثنَينِ إلى الكَثرة

ثُمَّ تَغَيَّرَ الفِعل: «خَلَقَ مِنها» لِلزَّوجِ الذي كانَ من النَّفس، و«بَثَّ مِنهُما» لِلكَثرةِ التي كانَت من الاثنَين. والبَثُّ من ب-ث-ث، إخراجُ ما كانَ مُجتَمِعاً في مَوضِعٍ واحِدٍ ونَشرُه في الجِهاتِ حتّى يَتَفَرَّق، ومنه «بَثَّ الخَبَرَ» إذا أذاعَه. فالعَدَدُ في الآيةِ يَسيرُ من «واحِدةٍ» إلى «مِنهُما» إلى «كَثيراً»: ذاتٌ، ثُمَّ اثنان، ثُمَّ كَثرةٌ مَنثورةٌ خارِجةٌ كُلُّها من ذَينِكَ الاثنَين. وذُكِرَ الرِّجالُ والنِّساءُ مَعاً ثَمَرةً لِبَثٍّ واحِدٍ من مَنبَعٍ واحِد، فالسّورةُ التي سَتَفرِضُ لِلنِّساءِ حُقوقَهُنَّ تُسَمّيهِنَّ في أوَّلِ آيةٍ مِنها إلى جانِبِ الرِّجال، خارِجاتٍ مَعَهُم من الزَّوجَينِ أنفُسِهِما.

«وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ»: اسمٌ تُشَدُّ بِه الطَّلَبات، وأرحامٌ جَرى فيها البَثّ

ويَعودُ الأمرُ بِالوِقايةِ ثانِيةً، وقد عُدِلَ فيه عن «رَبَّكُم» إلى اسمِ «اللَّه»، وانتَقَلَ وَصفُه من الخَلقِ إلى ما يَصنَعُه النّاسُ أنفُسُهُم: «تَساءَلونَ بِه». وأصلُ الفِعلِ «تَتَساءَلون»، حُذِفَت إحدى تاءَيه، ومَجيئُه على التَّفاعُلِ يَجعَلُ السُّؤالَ مُتَبادَلاً، يَسأَلُ فيه بَعضُكُم بَعضاً ويَشُدُّ طَلَبَه بِهذا الاسم. فالآيةُ تَأخُذُ عادةً قائمةً في كَلامِهِم وتَبني عَلَيها: الاسمُ الذي تُحَمِّلونَه حاجاتِكُم عِندَ غَيرِكُم أولى ما تَتَّقونَه.

و«الأرحامَ» مَنصوبةٌ، وأظهَرُ ما يُحمَلُ عَلَيه نَصبُها أن تَكونَ مَعطوفةً على اسمِ اللهِ تَحتَ الفِعلِ نَفسِه، فالوِقايةُ مَطلوبةٌ فيها كما هي مَطلوبةٌ أمامَه. والأرحامُ جَمعُ رَحِم، من ر-ح-م، وهي مُستَقَرُّ الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه، الوِعاءُ الذي يَحتَويه ويُغَذّيه حتّى يَخرُج، ومن جِذرِها الرَّحمة. وبِذِكرِها يَنعَطِفُ آخِرُ الآيةِ على أوَّلِها، لِأنَّ البَثَّ الذي أخرَجَ الرِّجالَ والنِّساءَ من الزَّوجَينِ لم يَجرِ إلّا في الأرحام، فهي مَجرى الأصلِ الواحِدِ إلى الكَثرة، والوَشائجُ التي تَصِلُ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ تُسَمّى بِاسمِ المَوضِعِ الذي بَدَأَت فيه.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»: نَظَرٌ قائمٌ فَوقَ الجَميع

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالرَّقيب، من ر-ق-ب، وهو الحافِظُ الذي يَلزَمُ ما يَرعاه بِنَظَرٍ لا يَنقَطِع، ومنه «المَرقَب» مَوضِعٌ عالٍ يَنتَصِبُ فيه النّاظِر. و«كانَ» هُنا تُثبِتُ الوَصفَ صِفةً قائمةً غَيرَ مَحصورةٍ في زَمَنٍ مَضى، و«عَلَيكُم» تَضَعُ الرِّقابةَ فَوقَ المُخاطَبينَ كُلِّهِم، وهُمُ النّاسُ الذينَ افتُتِحَت بِهِمُ الآية. فالوِقايةُ المَطلوبةُ مَرَّتَينِ تَجري تَحتَ نَظَرٍ واحِد، وكُلُّ ما يَكونُ بَينَ النّاسِ من سُؤالٍ وقَرابةٍ مَشهود.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السّورةُ خِطابَها بِالنّاسِ كافّةً، وتَطلُبُ مِنهُمُ الوِقايةَ مَرَّتَين: أمامَ رَبِّهِمُ الذي خَلَقَهُم من نَفسٍ واحِدة، وأمامَ اللهِ الذي يَتَساءَلونَ بِه، وتَعطِفُ على اسمِه الأرحام. والنَّفسُ في الآيةِ أصلٌ واحِدٌ يَشتَرِكُ في اسمِه الذَّكَرُ والأُنثى، خُلِقَ مِنه قَرينُه، ثُمَّ بُثَّت من الاثنَينِ كَثرةٌ من الرِّجالِ والنِّساءِ مَعاً، ولم يَجرِ هذا البَثُّ إلّا في الأرحام، فكانَت هي المَجرى الذي يَصِلُ الواحِدَ بِالكَثير. وتَجعَلُ الآيةُ ما يَصنَعُه النّاسُ من شَدِّ طَلَباتِهِم بِاسمِ اللهِ حُجّةً عَلَيهِم في اتِّقائِه، ثُمَّ تَختِمُ بِرَقيبٍ قائمٍ فَوقَهُم جَميعاً. وعلى هذا الأصلِ المُشتَرَكِ والرِّقابةِ الدّائمةِ تَقومُ الحُقوقُ التي سَتُفَصِّلُها السّورةُ لِليَتامى والنِّساءِ وذَوي القُربى.