النساء · الآية 57

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا

«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»: فَريقٌ قُبالةَ فَريق

تَعطِفُ الواوُ هذه الآيةَ على السّابِقةِ فتَضَعُ فَريقاً قُبالةَ فَريق: «الذينَ كَفَروا بِآياتِنا» هُناك، و«الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحات» هُنا. والإيمانُ من أ-م-ن، والفِعلُ الذي عُقِدَ في الحادِيةِ والخَمسينَ بِالجِبتِ والطّاغوتِ يَأتي هُنا مُطلَقاً، مَقروناً بِالعَمَل. والعَمَلُ من ع-م-ل، ما يَخرُجُ من صاحِبِه فيَبقى أثَرُه مُتَعَلِّقاً بِه، ومَفعولُه «الصّالِحات»، جَمعُ صالِحة، من ص-ل-ح، والصَّلاحُ أن تُشَدَّ أجزاءُ الشَّيءِ حتّى يَخلُصَ سَليماً نافِعاً، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الخامِسةِ والثَّلاثينَ «إصلاحاً» بَينَ الزَّوجَين. فالصّالِحاتُ أعمالٌ تُرَدُّ بِها الأشياءُ إلى تَماسُكِها.

«سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ»: إدخالٌ يُقابِلُ الإصلاء

والوَعدُ «سَنُدخِلُهُم»، بِالسّينِ لِما يُستَقبَل، وبِضَميرِ المُتَكَلِّمِ الذي جاءَ في السّابِقةِ «سَوفَ نُصليهِم»، فالمُتَكَلِّمُ في الوَعيدِ والوَعدِ واحِد: هُناكَ يُلزَمونَ ناراً، وهُنا يُدخَلونَ جَنّات. والجَنّاتُ من ج-ن-ن، أرضٌ يَستُرُ شَجَرُها تُربَتَها، والأنهارُ تَجري من تَحتِها، وقد جاءَ هذا الوَصفُ بِلَفظِه في الآيةِ الثّالِثةَ عَشْرة: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وتَزيدُ هذه الآيةُ عَلَيه «أبَداً».

«خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا»: بَقاءٌ لا يُعرَفُ لَه طَرَف

و«خالِدينَ» جَمعٌ يَصِفُ حالَهُم في الجَنّات، من خ-ل-د، البَقاءُ الذي لا يُرتَحَلُ عَنه، و«أبَداً» من أ-ب-د، زَمَنٌ يَمتَدُّ ولا يُعرَفُ لَه طَرَف، فهي تَمُدُّ الخُلودَ في الزَّمَنِ مَدّاً صَريحاً. وهذه أوَّلُ مَرّةٍ يَأتي فيها «أبَداً» في هذه السّورة، ثُمَّ يَعودُ صَدرُ هذه الآيةِ بِلَفظِه، إلى «أبَداً»، في الآيةِ الثّانيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة.

«لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ»: قُرَناءُ صُنِعَ فيهِمُ الخُلوص

ثُمَّ «لَهُم فيها أزواجٌ مُطَهَّرة»، والزَّوجُ من ز-و-ج، أحَدُ اثنَينِ يَقتَرِنُ كُلٌّ مِنهُما بِصاحِبِه، وقد جاءَ في الآيةِ الأُولى من السّورةِ قَريناً لِلنَّفسِ مَخلوقاً مِنها: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وهو اسمٌ يَقَعُ على كُلٍّ من القَرينَين. و«مُطَهَّرةٌ» اسمُ مَفعولٍ من «طَهَّرَ»، والطُّهرُ من ط-ه-ر، إخلاءُ الشَّيءِ مِمّا عَلِقَ بِه حتّى يَخلُص، وبِناءُ «فَعَّلَ» يَدُلُّ على فِعلٍ يَتَكَرَّرُ ويُستَقصى. فالتَّطهيرُ واقِعٌ على الأزواجِ من فاعِلٍ طُوِيَ في البِناء، والمُطَهَّرُ مِنه مَتروكٌ على إطلاقِه، والآيةُ تُثبِتُ الصِّفةَ وَحدَها: قُرَناءُ قد صُنِعَ فيهِمُ الخُلوص. وجاءَ الوَصفُ مُفرَداً مُؤَنَّثاً يَتبَعُ جَمعَ التَّكسير، فالأزواجُ جَماعةٌ تُوصَفُ بِوَصفٍ واحِد.

وفي الآيةِ السّابِقةِ جُلودٌ تَنضَجُ فتُبَدَّل، وفي هذه قُرَناءُ مُطَهَّرون: هُناكَ يَتَبَدَّلُ ما يُحيطُ بِأبدانِهِم كُلَّما نَضِج، وهُنا لَهُم قُرَناءُ قد خَلَصوا. و«أزواجٌ مُطَهَّرةٌ» في الكِتابِ في ثَلاثِ آيات: في البَقَرة، وفي آلِ عِمران، وهُنا.

«وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا»: ظِلٌّ يَصدُقُ عَلَيه اسمُه

ويَعودُ فِعلُ الإدخالِ في آخِرِ الآية: «ونُدخِلُهُم ظِلّاً ظَليلاً»، فالدُّخولُ الأوَّلُ إلى الجَنّات، والثّاني إلى الظِّلّ. والظِّلُّ من ظ-ل-ل، غِشاءٌ يَحجُبُ ما فَوقَه عمّا تَحتَه ويَدومُ عَلَيه، و«ظَليلاً» صِفةٌ من الجِذرِ نَفسِه على فَعيل. والعَرَبُ تَصِفُ الشَّيءَ بِلَفظٍ يُشتَقُّ من اسمِه إذا أرادَت أن تُثبِتَ لَه تَمامَ مَعناه، كما تَقولُ «لَيلٌ ألْيَل» لِلَّيلِ الشَّديدِ الظُّلمة، فالظِّلُّ الظَّليلُ ظِلٌّ تامُّ الظِّلّ، يَصدُقُ عَلَيه اسمُه كُلُّه.

و«ظَليل» في الكِتابِ في مَوضِعَين: هُنا، وفي المُرسَلاتِ مَنفِيّاً عن ظِلٍّ يُقالُ فيه: انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾. فهُناكَ ظِلٌّ يُسَمّى ظِلّاً ولا يُظِلّ، وهُنا ظِلٌّ ظَليل، وتَنتَهي الآيةُ بِما يُقابِلُ النّارَ التي انتَهَت إلَيها السّابِقة.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحاتِ قُبالةَ الذينَ كَفَروا بِالآيات، والإيمانُ هُنا مُطلَقٌ مَقرونٌ بِعَمَلٍ من ع-م-ل، والصّالِحاتُ من ص-ل-ح أعمالٌ تَشُدُّ الأشياءَ حتّى تَخلُصَ سَليمة. ويَعِدُهُمُ المُتَكَلِّمُ الذي تَوَعَّدَ في السّابِقةِ إدخالاً في جَنّاتٍ من ج-ن-ن تَجري الأنهارُ تَحتَها، بِالوَصفِ الذي جاءَ في الثّالِثةَ عَشْرة، مَزيداً عَلَيه «أبَداً» من أ-ب-د، زَمَنٌ بِلا طَرَف، أوَّلَ مَرّةٍ في السّورة. ولَهُم فيها أزواجٌ من ز-و-ج، قُرَناءُ يَقَعُ اسمُهُم على الذَّكَرِ والأُنثى، مُطَهَّرةٌ من ط-ه-ر، طَهَّرَها فاعِلٌ طُوِيَ ذِكرُه تَطهيراً مُستَقصىً والمُطَهَّرُ مِنه مُطلَق، في مُقابِلِ جُلودٍ تَنضَجُ فتُبَدَّل. ثُمَّ يُعادُ الإدخالُ إلى ظِلٍّ ظَليلٍ من ظ-ل-ل، غِشاءٌ يَحجُبُ ويَدومُ، يَصِفُه الجِذرُ نَفسُه بِتَمامِ مَعناه، والكِتابُ يَنفي هذه الصِّفةَ في المُرسَلاتِ عن ظِلٍّ لا يُغني من اللَّهَب.