البقرة · الآية 236

﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ

١. «ما لَم تَمَسُّوهُنَّ»: (م س س) والحَدُّ الحَسّيُّ

وأصلُ (م س س) اللَّمسُ الحِسِّيُّ المُباشِر، والعَرَبُ تَستَعمِلُه لِلاتِّصالِ الجَسَدِيِّ بَينَ الزَّوجَينِ كِنايةً، فـ«ما لَم تَمَسُّوهُنَّ» مُرادِفٌ لِـ«قَبلَ الدُّخول». وفي اختِيارِ النَّصِّ لِهذا اللَّفظِ دونَ لَفظِ «الجِماع» الصَّريحِ رَحمةٌ لُغَوِيّة: الفِعلُ الحَميمِيُّ يُسَمّى بِأقَلِّ دَرَجاتِ أسمائِه، لِيَبقى المَجالُ الجَسَدِيُّ بَينَ الزَّوجَينِ في ظِلِّ العِبارة، لا تَحتَ ضَوءِ التَّصريح، وهذا من الأدَبِ القُرآنِيِّ الَّذي يَحفَظُ خُصوصِيّةَ البَيت.

٢. «أو تَفرِضوا لَهُنَّ فَريضة»: (ف ر ض) والمَهرُ المُسَمّى

ومادّةُ (ف ر ض) لِلتَّقديرِ والتَّحديدِ القاطِع، ومِنها «فَريضةُ الله» بِمَعنى المِقدارِ المُحَدَّدِ شَرعاً، و«الفَريضةُ» في هذه الآيةِ المَهرُ المُسَمّى عِندَ العَقد. وقد جَعَلَ النَّصُّ المَرحَلَتَينِ مُتَلازِمَتَين: «ما لَم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفرِضوا»، أي إنَّ الحالةَ الَّتي يَنطَبِقُ عَلَيها الحُكمُ هي عَدَمُ المَسِّ وعَدَمُ التَّفريضِ مَعاً، فإن فُرِضَ المَهرُ ولم يَقَعِ المَسّ، دَخَلَ الحُكمُ في بابٍ آخَرَ (نِصفُ المَهرِ في الآيةِ التّالِية)، وهذا تَسَلسُلٌ تَشريعِيٌّ دَقيقٌ يَحسِمُ كُلَّ حالةٍ بِحُكمِها.

٣. «ومَتِّعوهُنَّ»: (م ت ع) والمُتعةُ المالّيّة

والمُؤَكَّدُ أنَّ أصلَ (م ت ع) الانتِفاعُ والاستِمتاعُ بِالشَّيءِ زَمَناً مُحَدَّداً، ومِنه «مَتاعٌ قَليل» أي مَنفَعةٌ عابِرة. و«مَتِّعوهُنَّ» صيغةُ تَفعيلٍ تُفيدُ التَّعدِيةَ والجَعل، أي اجعَلوهُنَّ يَنتَفِعنَ بِشَيء، فالمُتعةُ هُنا هَدِيّةٌ مادِّيّةٌ يَدفَعُها الرَّجُلُ لِلمَرأةِ تَخفيفاً لِمَرارةِ الطَّلاقِ قَبلَ الدُّخول. وقد تَبَيَّنَ أنَّها تَخفيفٌ أخلاقِيٌّ لِوَقعِ الطَّلاقِ على المَرأةِ الَّتي وَجَدَت نَفسَها مُطَلَّقةً قَبلَ أن تَدخُلَ البَيت، وليسَت مَهراً ولا تَعويضاً قانونِيّاً. وهذه الرُّقعةُ التَّشريعِيّةُ تَرفُضُ أن يُكتَفى بِالقانونِ الصّامِت، وتَصنَعُ لِلمَرأةِ مَساحةَ كَرامةٍ ولَو بِمَبلَغٍ يَسير.

٤. «عَلى المُوسِعِ قَدَرُه وعَلى المُقتِرِ قَدَرُه»: (و س ع) و(ق د ر) و(ق ت ر) وتَفاوُتُ الحال

وفي الآيةِ ثَلاثةُ جُذورٍ مُتَلاحِمة: (و س ع) لِلسَّعةِ المالِيّة، و(ق د ر) لِلمَقادير، و(ق ت ر) لِلتَّضييقِ في الإنفاق، فـ«المُوسِعُ» مَن فُتِحَت عَلَيه أبوابُ الرِّزق، و«المُقتِرُ» مَن ضُيِّقَ عَلَيه. والنَّصُّ يَفرِضُ مِعيارَ التَّناسُب، ولا يَفرِضُ مَبلَغاً ثابِتاً، وفي ذلك عَدالةٌ نَفسِيّة: لَو فَرَضَ النَّصُّ مَبلَغاً ثابِتاً لَظَلَمَ الفَقيرَ أو لَأنقَصَ الغَنِيّ. و«قَدَرُه» ضَميرٌ يَعودُ على كُلٍّ مِنهُما بِحَسَبِ حالِه، وهذه الصّيغةُ التَّشريعِيّةُ تَمنَعُ القَفزَ على القانونِ بِحُجّةِ الفَقر، وتَمنَعُ اختِزالَ الغَنِيِّ في الحَدِّ الأدنى، وكُلٌّ يُؤخَذُ بِما يَستَطيع.

٥. «مَتاعًا بِالمَعروف»: (ع ر ف) والمِعيارُ الاجتِماعيّ

وكَلِمةُ «المَعروف» تَحتَلُّ مَوقِعاً إستراتيجِيّاً في تَشريعاتِ السّورة: تَتَكَرَّرُ في البَيعِ والطَّلاقِ والإمساكِ والتَّسريحِ والعِدّةِ والمُتعة، ومادّةُ (ع ر ف) لِما يُعرَفُ عَدلاً بَينَ النّاس. فـ«مَتاعًا بِالمَعروف» هَدِيّةٌ يَعرِفُ المُجتَمَعُ أنَّها تَليقُ بِمَقامِ الرَّجُلِ ومَقامِ المَرأة، وليسَ أيَّ هَدِيّةٍ كانَت. وهذا المِعيارُ يَقطَعُ الطَّريقَ على الرَّجُلِ الَّذي يُريدُ إسقاطَ الواجِبِ بِأقَلِّ الأشياءِ الرَّمزِيّة، كَمِنديلٍ أو قِلادةٍ رَخيصة. والمَعروفُ مِعيارٌ اجتِماعِيٌّ غَيرُ مَكتوب، غَيرَ أنَّه في المُجتَمَعاتِ الحَيّةِ واضِحٌ لا يَخفى.

٦. «حَقًّا عَلى المُحسِنين»: (ح ق ق) و(ح س ن) والنَّقلُ مِنَ الوُجوبِ القانونيِّ إلى الوُجوبِ الأخلاقيّ

ونَقَلَ الخِتامُ المُتعةَ من مَرتَبةِ الإلزامِ القانونِيِّ (على كُلِّ الرِّجالِ) إلى مَرتَبةِ «الحَقِّ على المُحسِنين». والجِذرُ (ح ق ق) يَدُلُّ على الثُّبوتِ والاستِحقاق، والجِذرُ (ح س ن) على الجَمالِ في الفِعل. وعُدِلَ في التَّشريعِ عن «حَقّاً على الرِّجال» إلى «على المُحسِنين»، ولِهذا التَّوصيفِ وَظيفَتان: يَفتَحُ بابَ الاختِيارِ الذّاتِيِّ (هل أنتَ مُحسِن؟)، ويَقولُ في الوَقتِ نَفسِه: إن كُنتَ تَرى نَفسَكَ مُحسِناً فلا مَفَرَّ لَكَ من هذا الواجِب. وهذه الآلِيّةُ التَّربَوِيّةُ تُحَوِّلُ القانونَ إلى مِرآةٍ ضَميرِيّة، يَرى فيها كُلُّ رَجُلٍ نَفسَه ويَختَبِرُ فيها صورَتَه.

٧. المَوقِعُ التَّشريعيُّ بَينَ 235 و237

والمُؤَكَّدُ أنَّ الآيةَ 236 واقِعةٌ في سِلسِلةٍ مَنطِقِيّة: الآيةُ 235 تَنظِمُ الخِطبةَ في العِدّة، والآيةُ 236 تَنظِمُ الطَّلاقَ قَبلَ المَسِّ وقَبلَ الفَرض، والآيةُ 237 تَنظِمُ الطَّلاقَ قَبلَ المَسِّ بَعدَ الفَرض. فالنَّصُّ يَرسُمُ لَوحةً تَشريعِيّةً كامِلةً لِلعَلاقةِ الَّتي لم تَكتَمِل، والرِّسالةُ العَمَلِيّةُ أنَّ المَرأةَ الَّتي تَخرُجُ من عَقدٍ لم يُنَفَّذْ لا يَنبَغي أن تَخرُجَ فارِغة، فلا بُدَّ من تَعويضٍ مادِّيٍّ أو رَمزِيٍّ يَحفَظُ كَرامَتَها، والنَّصُّ يَأبى أن يَخرُجَ العَقدُ المُنحَلُّ بِلا شَيءٍ يَجبُرُ المَرأة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المُتعة» هَدِيّةُ كَرامةٍ لِمَرأةٍ خَرَجَت من بَيتٍ لم تَدخُلْه، وليسَت تَعويضاً عن عَقدٍ فاسِد؛ و«قَدَرُه» يَمنَعُ الظُّلمَ لِلفَقيرِ والتَّهَرُّبَ لِلغَنِيّ؛ و«المَعروف» يَرسُمُ المِقدارَ اجتِماعِيّاً دونَ تَحديدٍ صُلب؛ و«حَقًّا عَلى المُحسِنين» يَنقُلُ الواجِبَ من الإلزامِ إلى مِرآةِ الذّات، فيَسألُ كُلَّ رَجُل: هل أنتَ مُحسِن؟ فإن كُنتَ، فأنتَ مَدينٌ لِهذه المَرأةِ بِشَيءٍ يَليقُ بِها وبِك.


حَصيلة

الآيةُ تَملأُ فَراغاً تَشريعِيّاً، وهو الطَّلاقُ قَبلَ المَسِّ وقَبلَ تَسمِيةِ المَهر. وجِذرُ م-س-س في «تَمَسُّوهُنَّ» الاتِّصالُ الجَسَدِيُّ كِنايةً بِأرَقِّ أسمائِه، لا يَكشِفُ المَجالَ الحَميمَ بِلا حاجة؛ وجِذرُ ف-ر-ض في «تَفرِضوا» التَّحديدُ القاطِعُ لِلمَهرِ عِندَ العَقد. فالحالةُ الَّتي تَنطَبِقُ عَلَيها الآيةُ غِيابُهُما مَعاً. ورُغمَ أنَّ المَنطِقَ المالِيَّ البارِدَ يَقولُ لا شَيءَ على الرَّجُل، يَرفُضُ النَّصُّ هذا ويَفرِضُ جِذرَ م-ت-ع في «مَتِّعوهُنَّ»: هَدِيّةُ كَرامةٍ لا تَعويضُ عَقد. والمُتعةُ مَوزونةٌ بِجِذرَي و-س-ع وق-ت-ر في «المُوسِعِ» و«المُقتِر»، وكِلاهُما يُعطي بِقَدَرِه؛ فالتَّشريعُ يَرفُضُ إفلاتَ الفَقيرِ بِحُجّةِ الفَقرِ ويَرفُضُ خِداعَ الغَنِيِّ بِمِقدارٍ رَمزِيّ. والمِعيارُ الضّابِطُ «بِالمَعروف» ما يَعرِفُه النّاسُ لائِقاً. وتُختَمُ الآيةُ بِآلِيّةٍ تَربَوِيّة: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، وقد عُدِلَ فيه عن «عَلى الرِّجال»، ووَضَعَ النَّصُّ الآيةَ مِرآةً: هل تَرى نَفسَكَ مُحسِناً؟ فإن كُنت، فأنتَ مَدينٌ لَها بِما يَليقُ بِها وبِك.