البقرة · الآية 261

﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

(م ث ل): المَثَلُ لا التَّشبيه

«مَثَلُ الَّذينَ… كَمَثَلِ حَبَّة». الجَذرُ (م ث ل) أصلُه القيامُ بِمَقامِ الشَّيءِ أو مُشابَهَتُه في الصِّفة. والمَثَلُ في القُرآنِ أدَقُّ مِن التَّشبيه: التَّشبيهُ يَقتَصِرُ عَلى وَجهٍ مُشتَرَكٍ مُختار، بَينَما المَثَلُ يَنقُلُ بِنيَةً كامِلة. فَقَولُه «مَثَلُ الَّذينَ يُنفِقون» لا يَعني «الَّذينَ يُنفِقونَ يَشبَهونَ حَبَّةً في كَذا»، بَل يَعني «بِنيةُ الإنفاقِ بِنيةٌ زِراعيَّةٌ نُموذَجيَّة». أؤَكِّدُ أنَّ هَذِه نَقلةٌ مَفهوميَّة: الإنفاقُ ليسَ خُسارةً ماديَّةً فَوريَّة، بَل بَذرٌ في نِظامٍ نامٍ.

(ن ف ق) و(م و ل): الإنفاقُ الذي يَنفُذُ كُلُّه

«يُنفِقونَ أموالَهم». الجَذرُ (ن ف ق) أصلُه النَّفَقُ، وهو الطَّريقُ تَحتَ الأرض. ومِنه «أنفَقَ» المالَ أي أخرَجَه حَتّى لَم يَبقَ مِنه شَيء. و(م و ل) أصلُه ما يُمالُ إليه ويُحَبّ، أي ما تُعَلَّقُ بِه النَّفس. فَاجتِماعُ الجَذرَين يُعطي مَعنىً دَقيقًا: إخراجُ ما تُعَلَّقُ بِه النَّفسُ حَتّى نَفاذِه. وأُلاحِظُ أنَّ الآيةَ لَم تَقُل «يُعطونَ» بَل «يُنفِقون»، لأنَّ العَطاءَ قَد يَكونُ مِن فائِضٍ غَيرِ مَحبوب، بَينَما الإنفاقُ يَشمَلُ الحَبيبَ أيضًا.

«في سَبيلِ الله»: القَيدُ النَّوعيّ

«في سَبيلِ الله» قَيدٌ لا يَحتَمِلُ التَّجاوُز. والسَّبيلُ (س ب ل) أصلُه الطَّريقُ المَسلوكة. أي أنَّ المَثَلَ لا يَشمَلُ كُلَّ إنفاق، بَل الإنفاقَ الذي يَسلُكُ سَبيلَ الله. وأُبَيِّنُ أنَّ «سَبيلَ الله» تَعبيرٌ جامِعٌ يَشمَلُ كُلَّ ما كانَ رِضًى لله: الجِهاد، نَصرُ الفَقير، بِناءُ المَسجِد، تَعليمُ العِلم، حِفظُ اليَتيم. فَالقَيدُ النَّوعيُّ يُبقي المَثَلَ مَحصورًا فيما كانَ لَه وَجهٌ إلَهيّ، لا في أيِّ إنفاقٍ استِهلاكيٍّ أو دُنيَويّ.

(ح ب ب) و(ن ب ت): الحَبَّةُ كَوَحدةٍ دِلاليَّة

«كَمَثَلِ حَبَّة». الجَذرُ (ح ب ب) يَحمِلُ مَعنَيَين مُتَكامِلَين: المَحَبَّة، والبِذرة. كِلاهُما يَدُلُّ عَلى مَبدَأٍ نِواةٍ تَتَضاعَفُ مِنه الأشياء. وَ«أنبَتَت» مِن (ن ب ت) أصلُه صُعودُ النَّباتِ مِن الأرض. أُشيرُ إلى أنَّ فاعِلَ «أنبَتَت» هُنا هو الحَبَّةُ نَفسُها، لا الزّارِع. وهَذِه دَلالةٌ بَليغة: الحَبَّةُ «أنبَتَت»، كَأنَّها هي التي فَعَلَت الإنباتَ، مَعَ أنَّ الإنباتَ قانونٌ إلَهيٌّ. فَكَأنَّ الآيةَ تَنقُلُ الفَضلَ إلى الحَبَّةِ لا إلى الزّارِع، لِتُبَيِّنَ أنَّ الذي يُنفِقُ مُشارِكٌ في سَلسَلةٍ يَنتَهي فيها الفَضلُ إلى اللهِ عَبرَ قانونِه الزِّراعيّ.

(س ب ع) و(س ن ب ل): الإنتاجيَّةُ المُتَوالِدة

«سَبعَ سَنابِل». العَدَدُ سَبعَةٌ في الاصطِلاحِ السّاميِّ القَديمِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ والكَثرة، لا عَلى إحصاءٍ دَقيق. ومُوَزَّعةٌ عَلى سَبعِ سَنابِلَ تَعني أنَّ البُذرةَ الواحِدةَ تُوَلِّدُ هَيكَلًا كامِلًا، لا مُجَرَّدَ نُسَخ. والسُّنبُلةُ (س ن ب ل) وَحدةُ حَصادٍ مُتَمَيِّزة، تَحمِلُ حَبّاتِها الخاصَّةَ بِها. وأُبَيِّنُ أنَّ النَّقلةَ مِن حَبَّةٍ إلى سُنبُلةٍ إلى حَبّاتٍ أُخرى هي نَقلةُ مَرحَلَتَين: (1) تَحَوُّلُ النَّوع (مِن حَبَّةٍ إلى سُنبُلة)، (2) تَضاعُفُ الكَمّ (في كُلِّ سُنبُلةٍ مائةُ حَبَّة).

«مائةُ حَبَّة»: العَدَدُ الدّاخِليُّ لِكُلِّ سُنبُلة

«في كُلِّ سُنبُلةٍ مائةُ حَبَّة». المائةُ عَدَدٌ كَبيرٌ في الاستِعمالِ العَرَبيِّ القَديم، يُفيدُ الكَثرةَ المُستَوعَبة. والحاصِلُ النِّهائيّ: 7 × 100 = 700 حَبَّة. أؤَكِّدُ أنَّ هَذا الحِسابَ ليسَ جَزاءً قَطعيًّا بَل نَموذَجٌ تَوضيحيّ. والآيةُ بَعدَه تُصَرِّحُ: «واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاء»، أي أنَّ سَبعَمائةَ حَدٌّ تَقريبيٌّ لا سَقفٌ. ويَخطَأُ مَن يَحسُبُ الإنفاقَ بِالضَّربِ في 700 ويَتَوَقَّعُ ذَلِكَ عَدَدًا: المَقصودُ وُصولُ بُنيَةِ النَّماءِ إلى هَذا المُستَوى، لا وُصولُ العَدَدِ ذاتِه.

(ض ع ف) و(ش ي أ): المُضاعَفةُ المَفتوحة

«واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاء». الجَذرُ (ض ع ف) أصلُه القُوَّةُ المُتَراكِمة، ومِنه «الضِّعف» أي المِثل. و«يُضاعِف» صيغةُ مُفاعَلةٍ تَدُلُّ عَلى تَكرارِ التَّضعيفِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّة. فَالمَعنى: قَد يُضاعِفُ سَبعَمائةٍ إلى ألف، وألفَين، وأكثَر. والمَشيئةُ (ش ي أ) تَضَعُ المِعيارَ خارِجَ حِسابِ المُنفِق: فَلا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَدَّعيَ أنَّ إنفاقَه يَستَحِقُّ مَبلَغًا مُعَيَّنًا. أُشيرُ إلى أنَّ هَذِه الصِّياغةَ تَكسِرُ المَنطِقَ التِّجاريَّ تَمامًا: في التِّجارةِ تُحَدَّدُ القيمةُ بِاتِّفاقِ الطَّرَفَين، وهُنا القيمةُ بِاختيارِ طَرَفٍ واحِدٍ هو الله.

(و س ع) و(ع ل م): الخاتِمةُ المُرَكَّبةُ كَتَعليلٍ

«واللهُ واسِعٌ عَليم». (و س ع) أصلُه الاتِّساعُ والسَّعة، والاسمُ «الواسِع» يَدُلُّ عَلى سَعةِ الفَضلِ وعَدَمِ نَفاذِ العَطاء. و(ع ل م) يَدُلُّ عَلى إدراكِ النِّيَّاتِ والمَقاصِد. أؤَكِّدُ أنَّ الجَمعَ بَينَ الصِفَتَين يُؤَدّي مَعادَلةً كامِلة: الواسِعُ يَملِكُ ما يُضاعِفُه، والعَليمُ يَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ المُضاعَفة. فَلَو كانَ الواسِعَ دونَ العَليمِ لَكانَ عَطاؤُه اعتِباطيًّا، ولَو كانَ العَليمَ دونَ الواسِعِ لَكانَ عَطاؤُه مَحدودًا. والتَّرتيبُ مَقصود: أوَّلًا السَّعة، لِأنَّ القُدرةَ شَرطُ العَطاء، ثُمَّ العِلم، لِأنَّ التَّمييزَ يَأتي بَعدَ القُدرة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «البَذرِ الذي يَنبُتُ بِذاتِه» يَسبِقُ دَورَ الصَّفقةِ التِّجاريَّة، ودَورُ «المُضاعَفةِ المَشيئيَّةِ المَفتوحة» يَسبِقُ تَصَوُّرَ الجَزاءِ العَدَديِّ المُغلَق.


حَصيلة

المَثَلُ (م-ث-ل) ليسَ تَشبيهًا بَل نَقلُ بُنيَةٍ كاملة: الإنفاقُ (ن-ف-ق) ليسَ خُسارةً ماليَّةً بَل بَذرٌ في نِظامٍ نامٍ. كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾: الحَبَّةُ (ح-ب-ب) تَنبُتُ بِذاتِها، فَيُنسَبُ الفَضلُ إليها لا إلى الزّارِع، لأنَّ المُنفِقَ حَلقةٌ في سَلسَلةٍ يَنتَهي فيها الفَضلُ إلى اللهِ. القَيدُ «في سَبيلِ الله» جَوهَريٌّ: يُقيِّدُ المَثَلَ بِالإنفاقِ الذي فيه وَجهٌ إلَهيٌّ لا أيَّ إنفاق. النَّاتِجُ سَبعُمائةٍ لَكِنَّه ليسَ سَقفًا: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾، فَالمُضاعَفةُ (ض-ع-ف) مَفتوحةٌ بِمَشيئةٍ لا تَخضَعُ لِحِسابِ المُنفِق. وتَختِمُ الآيةُ بِثُنائيَّةٍ مُعَلِّلة: واسِعٌ (و-س-ع) يَملِكُ ما يُضاعِفُه، عَليمٌ (ع-ل-م) يَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ المُضاعَفة. فَلَو كانَ الواسِعُ بِلا عِلمٍ كانَ عَطاؤُه اعتِباطيًّا، ولَو كانَ العَليمُ بِلا سَعةٍ كانَ عَطاؤُه مَحدودًا.