النساء · الآية 113

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

«وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ»: زِيادةٌ قائمةٌ تَحولُ دونَ الهَمّ

تَبقى الآيةُ مَعَ المُخاطَبِ الذي أُنزِلَ إلَيهِ الكِتابُ في الآيةِ الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ لِيَحكُمَ بَينَ النّاس، وتَفتَتِحُ بِـ«لَولا»، وهي تَعقِدُ امتِناعَ الجَوابِ بِقِيامِ ما يَليها: الفَضلُ والرَّحمةُ قائمان، فامتَنَعَ ما كانَ سيَقَعُ لَولاهُما. والفَضلُ من ف-ض-ل، ما يَفيضُ عن المِقدارِ فيَخرُجُ عَنه ويَتَمَيَّز، فهو عَطاءٌ يَزيدُ على ما يَستَحِقُّه المُعطى، والرَّحمةُ من ر-ح-م، رِقّةٌ تَحتَضِنُ مَن تَقَعُ عَلَيه وتَنضَمُّ عَلَيه. و«عَلَيكَ» تَجعَلُ هذه الزِّيادةَ نازِلةً على المُخاطَبِ من فَوقِه، والضَّميرُ في «رَحمَتُه» يَعودُ إلى الله، فالفَضلُ والرَّحمةُ كِلاهُما من عِندِه.

وقد جاءَ هذا الافتِتاحُ في الآيةِ الثّالِثةِ والثَّمانينَ بِضَميرِ الجَماعة: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والمُمتَنِعُ هُناكَ اتِّباعٌ كانَ سيَقَعُ من المُخاطَبينَ أنفُسِهِم، والمُمتَنِعُ هُنا هَمٌّ كانَ سيَقَعُ من غَيرِ المُخاطَبِ ويَتَّجِهُ إلَيه. فالفَضلُ في المَوضِعَينِ حاجِز: يَقِفُ هُناكَ بَينَ القَومِ وما في أنفُسِهِم، ويَقِفُ هُنا بَينَ المُخاطَبِ وقَصدٍ يَأتيه من خارِجِه.

«لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ»: عَزمٌ يُحبَسُ في النَّفسِ قَبلَ أن يَصيرَ فِعلاً

والجَوابُ «لَهَمَّت»، والهَمُّ من ه-م-م، قَصدٌ يَجري في النَّفسِ ثُمَّ يُحبَسُ فيها ويَنضَمُّ عَلَيه صاحِبُه قَبلَ أن يَخرُجَ فِعلاً، ومنه «هَمَّ بِالأمرِ» إذا نَواه وأرادَه ولم يَفعَلْه بَعدُ، وفي الكِتابِ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، فالهَمُّ قد يَنعَقِدُ ثُمَّ لا يَبلُغُ مُرادَه. والذينَ كانوا سيَهُمّونَ «طائفةٌ مِنهُم»، والطّائفةُ من ط-و-ف، بَعضٌ من القَومِ يَلتَفُّ على شَأنٍ واحِد، و«مِنهُم» تَرجِعُ إلى الجَمعِ الذي دارَت عَلَيه الآياتُ السّابِقة: الذينَ يَختانونَ أنفُسَهُم، ومَن خوطِبوا في التّاسِعةِ بَعدَ المِئة: هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ويَبقى المَرجِعُ مُتَّسِعاً لِلفَريقَين، والطّائفةُ بَعضُ ذلك الجَمعِ لا الجَمعُ كُلُّه.

و«أن يُضِلّوكَ» فِعلٌ مَعَ «أن» في مَعنى المَصدَر، يَقَعُ عَلَيه الهَمّ: إضلالُك. والإضلالُ من ض-ل-ل على «أفعَل»، أن يُخرَجَ السّائرُ إلى مُتَّسَعٍ مُنبَسِطٍ لا مَعلَمَ فيه حتّى يَغيبَ عَنه الطَّريق. ويَبقى ما يَقَعُ فيه الإضلالُ مُطلَقاً في الآية، والآياتُ التي تَسبِقُها تَدورُ على حُكمٍ بَينَ النّاسِ وجِدالٍ عن الخائنين. وقد اجتَمَعَ الحُكمُ بَينَ النّاسِ والإضلالُ في خِطابٍ آخَرَ من الكِتاب: فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والمُضِلُّ هُناكَ هَوىً يُتَّبَع، وهُنا طائفةٌ لَولا الفَضلُ لَهَمَّت.

وظاهِرُ «لَولا» أنَّ الهَمَّ نَفسَه امتَنَعَ لِقِيامِ الفَضل، والآيةُ التّاسِعةُ بَعدَ المِئةِ تَحكي جِدالاً عن الخائنينَ وَقَعَ في الحَياةِ الدُّنيا، فيَحتَمِلُ الكَلامُ وَجهَين: أن يَكونَ الفَضلُ قد حالَ دونَ أن يَنعَقِدَ في تِلكَ الطّائفةِ قَصدٌ إلى إضلالِ المُخاطَبِ نَفسِه، وأن يَكونَ المَنفيُّ هَمّاً يَنفُذُ إلى غايَتِه، فما وَقَعَ من جِدالٍ رُدَّ قَبلَ أن يَبلُغَ المُخاطَب. وعلى الوَجهَينِ يَبقى أثَرُ الفَضلِ واحِداً: لم يَصِلْ إلى المُخاطَبِ من ذلك القَصدِ شَيء.

«وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ»: إضلالٌ يَرجِعُ على مَن أرادَه

ثُمَّ يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى المُضارِع: «وما يُضِلّونَ إلّا أنفُسَهُم»، و«ما» و«إلّا» تَقصُرانِ الإضلالَ على مَفعولٍ واحِد، فالخُروجُ عن الطَّريقِ الذي أرادوه لِغَيرِهِم يَقَعُ فيهِم هُم، وهُمُ الذينَ يَتيهونَ في المُتَّسَعِ الذي أرادوا أن يُخرِجوا إلَيه غَيرَهُم. والمُضارِعُ يُبقي هذا القَصرَ جارِياً على كُلِّ ما يَكونُ مِنهُم من إضلال.

والآياتُ السّابِقةُ تَرُدُّ الفِعلَ على نَفسِ فاعِلِه مَرّةً بَعدَ مَرّة: يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ في السّابِعةِ بَعدَ المِئة، وأَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ في العاشِرةِ بَعدَ المِئة، وفَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ في الحادِيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة، وفي الثّانيةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ يَرمي الكاسِبُ بِما كَسَبَه بَريئاً فيَكونُ هو الذي احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. ثُمَّ تَأتي «وما يُضِلّونَ إلّا أنفُسَهُم»، فالنَّفسُ في هذا المَقطَعِ مَوضِعٌ يَرتَدُّ إلَيه الفِعل: خِيانةً وظُلماً وكَسباً وإضلالاً.

ثُمَّ «وما يَضُرّونَكَ من شَيءٍ»، والضُّرُّ من ض-ر-ر، ثِقَلٌ يَقَعُ على الشَّيءِ ويَسري فيه ويَلزَمُه. و«شَيءٍ» نَكِرةٌ في سِياقِ نَفيٍ دَخَلَت عَلَيها «مِن»، فالنَّفيُ يَستَغرِقُ كُلَّ ما يُسَمّى ضُرّاً، قَلَّ أو كَثُر.

«وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ»: كِتابٌ ومَعَه ما يُمسِكُ الأمرَ على وَجهِه

ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ ما أُعطِيَه المُخاطَب، ويَصلُحُ أن يُقرَأَ مَجيئُه بَعدَ نَفيِ الضُّرِّ بَياناً لِما يَحفَظُه: فمِن جِهةٍ قَصدٌ إلى إخراجِه عن الطَّريق، ومن الجِهةِ الأُخرى ما أنزَلَه اللهُ عَلَيه، وفيه ما يُبقيه على الطَّريق. وجاءَ الإنزالُ هُنا بِـ«على»، وجاءَ في الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ بِـ«إلى»: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، و«إلى» تُعَيِّنُ المُنتَهى الذي يَبلُغُه النّازِل، و«على» تَجعَلُه واقِعاً على المُخاطَبِ من عُلُوّ، وهي الأداةُ نَفسُها التي وَقَعَ بِها الفَضلُ عَلَيه في أوَّلِ الآية.

والحِكمةُ من ح-ك-م، الجِذرِ الذي جَعَلَتِ الآيةُ الخامِسةُ بَعدَ المِئةِ مِنه غايةَ الإنزال: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾. والحُكمُ حَبسُ الأمرِ على وَجهِه حتّى يَستَقيمَ عَلَيه، ومنه «حَكَمةُ اللِّجام»، ما أحاطَ بِحَنَكِ الدّابّةِ فمَنَعَها الجِماح، فالحِكمةُ ما يُمسَكُ بِه الأمرُ على وَجهِه. والكِتابُ من ك-ت-ب، ما ضُمَّ فأُثبِتَ في مَحَلِّه، فاجتَمَعَ لِلمُخاطَبِ مُثبَتٌ لا يَتَفَلَّت، وما يُمسِكُ بِه الأمرَ حينَ يَحكُم. ويَجتَمِعُ الكِتابُ والحِكمةُ في هذه السّورةِ مَرَّتَين: هُنا، وفي الرّابِعةِ والخَمسين: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وهُناكَ عَطاءٌ لِآلِ إبراهيمَ بِـ«آتَينا»، وهُنا إنزالٌ على المُخاطَبِ نَفسِه.

«وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ»: عِلمٌ يَأتي من خارِجِ صاحِبِه

ثُمَّ «وعَلَّمَكَ»، والعِلمُ من ع-ل-م، ما يَظهَرُ من العُمقِ فيُدرَكُ ويُمسَكُ في النَّفس، و«عَلَّمَ» على «فَعَّلَ» يَجعَلُ هذا الإدراكَ فِعلاً يُوقِعُه المُعَلِّمُ في غَيرِه. فالمُخاطَبُ يَعلَمُ بِتَعليمٍ لم يَصنَعْه لِنَفسِه، كما جُعِلَ حُكمُه في الخامِسةِ بَعدَ المِئةِ بِرُؤيةٍ أُعطِيَها: «بِما أراكَ الله». والفِعلانِ «أراكَ» و«عَلَّمَكَ» فاعِلُهُما الله، ومَفعولُهُما المُخاطَب، فما يَراه وما يَعلَمُه في هذا المَقطَعِ عَطاءٌ يَقَعُ عَلَيه.

و«ما لم تَكُن تَعلَمُ» تَنفي عِلماً كانَ غائباً عَنه حالاً مُمتَدّةً قَبلَ التَّعليم، فـ«كانَ» مَعَ المُضارِعِ تُصَوِّرُ ذلك الغِيابَ جارِياً في الماضي. و«ما» مُبهَمةٌ، فتَحتَمِلُ ما جاءَ في الكِتابِ والحِكمة، وتَتَّسِعُ لِما وَراءَهُما. وفي الكِتابِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، والتَّعليمُ هُناكَ لِلإنسان، وهُنا لِهذا المُخاطَبِ في مَوقِفٍ بِعَينِه: قَصدٌ إلى إضلالِه حالَ دونَه الفَضل، وتَعليمٌ يَضَعُ في يَدِه ما لم يَكُن فيها.

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِما افتُتِحَت بِه: «وكانَ فَضلُ اللهِ عَلَيكَ عَظيماً». و«عَلَيكَ» تَرِدُ في الآيةِ ثَلاثَ مَرّات: الفَضلُ عَلَيكَ في أوَّلِها، والإنزالُ عَلَيكَ في وَسَطِها، والفَضلُ عَلَيكَ في آخِرِها. والفَضلُ في أوَّلِ الآيةِ حاجِزٌ مُجمَل، ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ في وَسَطِها عَطاءً يَتَبَيَّنُ بِه: كِتابٌ وحِكمةٌ وتَعليم، ثُمَّ يُوزَنُ في آخِرِها بِـ«عَظيماً»، من ع-ظ-م، كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ ثَقيلةُ الجِرم، و«كانَ» تُثبِتُ هذا الوَصفَ قائماً غَيرَ مَحصورٍ في وَقتٍ مَضى.


حَصيلة

تَبقى الآيةُ مَعَ المُخاطَبِ الذي أُنزِلَ إلَيه الكِتابُ لِيَحكُمَ بَينَ النّاس، وتَجعَلُ فَضلَ اللهِ عَلَيه ورَحمَتَه حاجِزاً امتَنَعَ بِه هَمُّ طائفةٍ بِإضلالِه، والهَمُّ من ه-م-م قَصدٌ يُحبَسُ في النَّفسِ قَبلَ أن يَصيرَ فِعلاً، والإضلالُ من ض-ل-ل إخراجُ السّائرِ إلى مُتَّسَعٍ بِلا مَعلَم. ويَحتَمِلُ الامتِناعُ أن يَكونَ الهَمُّ لم يَنعَقِدْ أصلاً، وأن يَكونَ قد رُدَّ قَبلَ أن يَبلُغَ مُرادَه. ثُمَّ تَقصُرُ الآيةُ إضلالَهُم على أنفُسِهِم، فتَضُمُّه إلى أفعالٍ رُدَّت على النَّفسِ في الآياتِ السّابِقة، وتَنفي أن يَقَعَ مِنهُم على المُخاطَبِ ضُرٌّ ما. وتُسَمّي في مُقابِلِ ذلك ما أُعطِيَه: كِتاباً أُنزِلَ عَلَيه، وحِكمةً من الجِذرِ الذي يَقومُ بِه الحُكم، وتَعليماً لِما لم يَكُن يَعلَمُه، ثُمَّ تَختِمُ بِالفَضلِ الذي افتَتَحَت بِه مَوزوناً بِالعِظَم.