النساء · الآية 123

﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

«لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ»: أمانيُّ فَريقَينِ في كِفّةٍ واحِدة

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«لَيسَ»، واسمُها مُضمَرٌ في اللَّفظِ يُقَدَّرُ على وَجهَين: أن يَكونَ وَعدَ اللهِ الذي جاءَ في آخِرِ الآيةِ قَبلَها، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، فيَكونُ المَعنى أنَّ ما وُعِدَ بِه الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحاتِ يُنالُ بِغَيرِ الأمانيّ؛ وأن يَكونَ الأمرَ كُلَّه، أمرَ الجَزاءِ الذي تُفَصِّلُه الآيةُ بَعدُ في «مَن يَعمَلْ سوءاً يُجزَ بِه». وعلى الوَجهَينِ تَصِلُ الباءُ في «بِأمانيِّكُم» الأمرَ بِما يُظَنُّ أنَّه يَجري بِه، ثُمَّ تَقطَعُ «لَيسَ» هذه الصِّلة.

والأمانيُّ جَمعُ أُمنيّة، من م-ن-ي، وهي صورةٌ يُقَدِّرُها المَرءُ في نَفسِه لِما يَشتَهي، ثُمَّ يَمُدُّها إلَيه كأنَّه قد كان. وقد جاءَ الجِذرُ في السّورةِ نَهياً في الآيةِ الثّانِيةِ والثَّلاثين: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، ثُمَّ جاءَ في الآيةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ على لِسانِ الشَّيطان: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، وفي العِشرينَ بَعدَ المِئةِ وَصفاً لِفِعلِه: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، وسَمَّت تِلكَ الآيةُ وَعدَه غُروراً. فالأمانيُّ التي تَنفيها هذه الآيةُ تَأتي على أثَرِ أمانيَّ يُلقيها الشَّيطانُ ويَعِدُ بِها، والكِتابُ يَقرِنُ الجِذرَ بِالغُرورِ في مَوضِعٍ آخَرَ أيضاً: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾.

والمُخاطَبُ في «أمانيِّكُم» مَفتوحٌ في اللَّفظ: فالضَّميرُ قد يَعودُ على المُخاطَبينَ في السّورةِ عامّةً، وقد يَلتَفِتُ إلى الذينَ وَصَفَتهُمُ الآياتُ قَبلَه بِضَميرِ الغائب، يَدعونَ من دونِه ويَعِدُهُمُ الشَّيطانُ ويُمَنّيهِم، واللَّفظُ يَحمِلُ الوَجهَين. والذي يُثبِتُه اللَّفظُ أنَّ الآيةَ جَمَعَت أمانيَّ المُخاطَبينَ وأمانيَّ أهلِ الكِتابِ تَحتَ «لَيسَ» واحِدة، وأعادَت «لا» قَبلَ الثّانية، فوَقَفَ الفَريقانِ في النَّفيِ مَوقِفاً واحِداً. وهذه أوَّلُ مَرّةٍ يَأتي فيها اسمُ «أهلِ الكِتابِ» في السّورة. والأهلُ من أ-ه-ل، مَن يَختَصُّ بِمَوضِعٍ أو شَيءٍ فيَحوزُه ويُنسَبُ إلَيه، فالاسمُ يَصِلُهُم بِكِتابٍ يُنسَبونَ إلَيه، ونِسبَتُهُم إلَيه لم تُخرِجْ أمانيَّهُم من النَّفي.

«مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ»: عَمَلٌ يَعودُ على صاحِبِه بِقَدرِه

ثُمَّ تَضَعُ الآيةُ مَكانَ الأمانيِّ جُملةً يُعَلَّقُ فيها الجَزاءُ بِالعَمَل: «مَن يَعمَلْ سوءاً يُجزَ بِه». و«مَن» اسمٌ عامٌّ يَسَعُ كُلَّ عامِل، فالقاعِدةُ التي تَلي نَفيَ الأمانيِّ تَشمَلُ الفَريقَينِ ومَن سِواهُما. والعَمَلُ من ع-م-ل، ما يَخرُجُ من باطِنِ صاحِبِه فيَصيرُ شَيئاً قائماً يُنسَبُ إلَيه. و«سوءاً» نَكِرةٌ تَقَعُ على كُلِّ ما يَسوء، صَغيراً كانَ أو كَبيراً، والسّوءُ من س-و-أ، أثَرٌ يَتَسَرَّبُ حتّى يَبلُغَ الشَّيءَ فيَقطَعَ ما كانَ فيه من سَلامة. فالأمانيُّ صُوَرٌ تَبقى في النَّفس، والعَمَلُ ما خَرَجَ مِنها فصارَ واقِعاً، وبِهذا تَنقُلُ الآيةُ الحِسابَ من التَّقديرِ الذي تَصنَعُه النَّفسُ إلى ما تَصنَعُه اليَد.

و«يُجزَ» فِعلٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيَنصَرِفُ الكَلامُ إلى الجَزاءِ نَفسِه، ويَبقى المُجازي مَطويّاً، ويَبقى وَقتُ الجَزاءِ ومَوضِعُه مُطلَقَينِ في اللَّفظ. والجَزاءُ من ج-ز-ي، قَدرٌ يُفصَلُ لِيَقومَ مَقامَ قَدرٍ آخَرَ ويُكافِئَه، ومنه «جَزى عَنه» إذا قامَ مَقامَه. والباءُ في «بِه» تَحتَمِلُ المُقابَلةَ والسَّبَب: فعلى المُقابَلةِ يَكونُ العَمَلُ نَفسُه ما يُقاسُ عَلَيه الجَزاء، وعلى السَّبَبِ يَكونُ عِلَّتَه، وعلى الوَجهَينِ يَعودُ السّوءُ على صاحِبِه، والجَزاءُ في جِذرِه قَدرٌ يُكافِئُ ما قابَلَه. وبَينَ الجِذرَينِ في الآيةِ مُقابَلة: الأُمنيّةُ تَقديرٌ تَصنَعُه النَّفسُ لِما تَشتَهي، والجَزاءُ قَدرٌ يُفصَلُ على قَدرِ العَمَل، فتَسقُطُ الأُولى وتَثبُتُ الثّانية.

«وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا»: عامِلٌ وَحدَه أمامَ جَزائه

و«لا يَجِدْ» مَجزومٌ مَعطوفٌ على «يُجزَ»، فهو من تَمامِ الجَواب: العامِلُ يُجزى، ولا يَلقى أحَداً يَحولُ بَينَه وبَينَ ما يُجزى بِه. والوُجودُ من و-ج-د، لِقاءٌ يَنعَقِدُ على الشَّيءِ ويَثبُت، و«لَه» تَجعَلُ المَنفيَّ ما يَكونُ في صَفِّ العامِل. و«مِن دونِ الله» ما يَقَعُ دونَ اللهِ في الرُّتبة. والوَليُّ من و-ل-ي، القَريبُ الذي يَلي أمرَ غَيرِه ويَتَّصِلُ بِه، والنَّصيرُ من ن-ص-ر، مَن يَثبُتُ مَعَ غَيرِه في وَجهِ ما يُواجِهُه. وقد جاءَتِ الكَلِمَتانِ مَعاً في الآيةِ الخامِسةِ والأربَعينَ وَصفاً لله: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، فالوِلايةُ والنُّصرةُ اللَّتانِ جَعَلَتهُما السّورةُ لله هُما ما يُنفى وُجودُه من دونِه.

وفي هذا وَصلٌ بِما قَبلَه في السّورة. ففي الآيةِ التّاسِعةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة: وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، فالوَليُّ الذي يُتَّخَذُ هُناكَ من دونِ اللهِ هو ما يُنفى وُجودُه هُنا. وفي الآيةِ العاشِرةِ بَعدَ المِئةِ جاءَ «ومَن يَعمَلْ سوءاً» بِلَفظِه، ثُمَّ جاءَ بَعدَه الفِعلُ نَفسُه: ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. فالآيَتانِ تَتَقاسَمانِ الفِعلَ «يَجِد»: هُناكَ يَقَعُ على اللهِ بَعدَ الاستِغفار، وهُنا يُنفى عمّا هو دونَه.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ أن يَجريَ الأمرُ بِالأمانيّ، واسمُ «لَيسَ» مُضمَرٌ يُقَدَّرُ وَعدَ اللهِ المَذكورَ قَبلَها أو أمرَ الجَزاءِ كُلَّه، والأمانيُّ من م-ن-ي صُوَرٌ تُقَدِّرُها النَّفسُ لِما تَشتَهي، وقد جاءَت في السّورةِ مِمّا يُلقيه الشَّيطانُ ويَعِدُ بِه. وتَجمَعُ الآيةُ أمانيَّ المُخاطَبينَ، والخِطابُ فيها يَحتَمِلُ وَجهَين، إلى أمانيِّ أهلِ الكِتابِ في نَفيٍ واحِد، ثُمَّ تُقيمُ مَكانَها قاعِدةً عامّة: مَن عَمِلَ سوءاً جُزِيَ بِه، والعَمَلُ من ع-م-ل ما يَخرُجُ من صاحِبِه فيُنسَبُ إلَيه، والجَزاءُ من ج-ز-ي قَدرٌ يُكافِئُ قَدرَ العَمَل، فِعلُه مَبنيٌّ لِلمَجهولِ ووَقتُه مُطلَق. ثُمَّ تَنفي أن يَجِدَ العامِلُ من دونِ اللهِ وَليّاً يَلي أمرَه أو نَصيراً يَثبُتُ مَعَه، وهُما الوَصفانِ اللَّذانِ جَعَلَتهُما السّورةُ لله، فالوَليُّ الذي يُتَّخَذُ من دونِه يَغيبُ حينَ يُقابَلُ العَمَل.