النساء · الآية 14

﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ

«وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»: تَخَلُّفٌ يُقابِلُ الطَّوع

تُبنى هذه الآيةُ على هَيكَلِ سابِقَتِها: «ومَن» ثُمَّ فِعلٌ ثُمَّ «اللهَ ورَسولَه» ثُمَّ «يُدخِلْهُ» ثُمَّ مَوضِعٌ ثُمَّ خُلودٌ ثُمَّ وَصفٌ خاتِم، فتَقِفُ الآيَتانِ مُتَقابِلَتَين، وأكثَرُ كَلِماتِ الثّانيةِ تُقرَأُ في مُقابِلِ أخَواتِها في الأولى. والفِعلُ هُنا «يَعصِ»، من ع-ص-ي، والعِصيانُ الخُروجُ عن الاتِّباعِ والانفِرادُ عن الأمر، ومنه قَولُهُم لِلفَصيلِ إذا لم يَتبَعْ أُمَّه «عاصٍ». فالطَّوعُ في الآيةِ السّابِقةِ مُضِيٌّ مَعَ الأمرِ عن رِضاً، والعِصيانُ هُنا تَخَلُّفٌ عَنه وافتِراق.

«وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ»: خُطوةٌ تَتَجاوَزُ الحَدّ

وتَزيدُ هذه الآيةُ فِعلاً لا نَظيرَ لَه في سابِقَتِها: «ويَتَعَدَّ حُدودَه». والتَّعَدّي من ع-د-و، والجِذرُ يَدورُ على مُجاوَزةِ الشَّيءِ والتَّقَدُّمِ إلى ما وَراءَ ما يَنبَغي الوُقوفُ عِندَه، ومنه «العَدْو» الجَريُ السَّريع، و«العُدوان» مُجاوَزةُ الحَقّ. و«يَتَعَدَّ» على «يَتَفَعَّل»، يَحمِلُ صاحِبَه إلى ما وَراءَ الحَدِّ بِقَصدٍ مِنه. وعادَتِ الحُدودُ بِضَميرٍ يَرجِعُ إلى الله، «حُدودَه»، بَعدَ أن سُمِّيَت في الآيةِ السّابِقةِ «حُدودُ الله»، فالعِصيانُ في هذه الآيةِ يَتَعَيَّنُ في صورةٍ مَحسوسة: خُطوةٌ تَتَجاوَزُ كَسراً مُسَمّى، فمَن أخَذَ فَوقَ نِصفِه أو رُبُعِه أو سُدُسِه دَخَلَ في حَظِّ غَيرِه.

«يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا»: خُلودٌ في انفِراد

والجَزاءُ بِالفِعلِ نَفسِه، «يُدخِلْهُ»، والمَوضِعُ «ناراً»، مُفرَدةً مُنَكَّرة، في مُقابِلِ «جَنّاتٍ» المَجموعة، والخُلودُ «خالِداً» مُفرَداً في مُقابِلِ «خالِدينَ». فالطّائعُ دَخَلَ واحِداً وخَلَدَ في جَماعة، والمُتَعَدّي يَدخُلُ واحِداً ويَخلُدُ واحِداً، فالانفِرادُ يَلزَمُه من أوَّلِ الجَزاءِ إلى آخِرِه. والنّارُ من ن-و-ر، الجِذرِ الذي مِنه النّور، وقد ذُكِرَت قَبلَ آياتٍ في آكِلي أموالِ اليَتامى: إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فأحكامُ المالِ في هذا المَقطَع، أموالُ اليَتامى ثُمَّ قِسمةُ ما يَترُكُه المَوتى، يَختِمُ كُلَّ طائفةٍ مِنها ذِكرُ النّار.

«وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ»: حَظٌّ من الهَوان

ثُمَّ «ولَهُ عَذابٌ مُهين». وهذه اللّامُ هي التي وَزَّعَتِ الأنصِبةَ في الآيَتَينِ السّابِقَتَين: «لِلذَّكَر»، «فلَهُنَّ»، «فلَها»، «ولِأبَوَيه»، «فلِأُمِّه»، «ولَكُم»، «ولَهُنَّ»، «فلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما»، وتَعودُ هُنا في آخِرِ المَقطَعِ تُضيفُ إلى المُتَعَدّي حَظّاً من صِنفٍ آخَر. فالذي تَعَدّى الحُدودَ يُجعَلُ لَه عَذاب، والعَذابُ من ع-ذ-ب، ويُوصَفُ بِـ«مُهين»، من ه-و-ن، والهَوانُ الذُّلُّ وخِفّةُ القَدر، يُقالُ «هانَ عَلَيه الأمرُ» إذا خَفَّ.

وتَختِمُ الآيةُ بِما يُقابِلُ خاتِمةَ سابِقَتِها: هُناكَ «الفَوزُ العَظيم»، من ع-ظ-م، الكِبَرُ والقُوّة، وهُنا «عَذابٌ مُهين»، من ه-و-ن، الذُّلُّ والخِفّة. فمَن يَتَعَدّى الحَدَّ يَخرُجُ عَمّا سُمِّيَ، والذي يَأتيه في آخِرِ الآيةِ ما يَخِفُّ بِه قَدرُه، فيَصيرُ العِظَمُ لِلطّائعِ والهَوانُ لِلمُتَعَدّي.


حَصيلة

تُبنى الآيةُ على هَيكَلِ سابِقَتِها وتُقابِلُها كَلِمةً بِكَلِمة: العِصيانُ من ع-ص-ي خُروجٌ عن الاتِّباعِ يُقابِلُ الطَّوع، ثُمَّ تَزيدُ فِعلاً لا يُقابِلُه شَيءٌ هُناك، «ويَتَعَدَّ حُدودَه»، والتَّعَدّي من ع-د-و مُجاوَزةُ ما يَنبَغي الوُقوفُ عِندَه، فيَصيرُ العِصيانُ خُطوةً تَتَجاوَزُ كَسراً مُسَمّىً إلى حَظِّ غَيرِه. ويُدخَلُ المُتَعَدّي ناراً مُفرَدةً ويَخلُدُ فيها مُفرَداً، بَعدَ أن خَلَدَ الطّائعونَ جَماعةً في جَنّات، وتُختَمُ آياتُ القِسمةِ بِالنّارِ كما خُتِمَت بِها آياتُ أموالِ اليَتامى. ثُمَّ تَعودُ اللّامُ التي وَزَّعَتِ الأنصِبةَ فتَجعَلُ لِلمُتَعَدّي عَذاباً، وتَصِفُه بِالهَوان، من ه-و-ن، في مُقابِلِ الفَوزِ العَظيم، فيَنتَهي المَقطَعُ بِكِفَّتَين: عِظَمٌ لِمَن وَقَفَ عِندَ الحَدّ، وهَوانٌ لِمَن جاوَزَه.