النساء · الآية 15

﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا

«وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ»: فِعلٌ يُسَمّى بِما جاوَزَ مِن حَدّ

تَنتَقِلُ السّورةُ بَعدَ آياتِ المَواريثِ إلى فِعلٍ يَقَعُ بَينَ النّاس، وقد خُتِمَت تِلكَ الآياتُ بِقَولِه تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وبِوَعيدِ مَن يَتَعَدّاها، فجاءَ أوَّلُ ما بَعدَها اسماً لِفِعلٍ يُجاوِزُ الحَدّ: «الفاحِشة». والفاحِشةُ من ف-ح-ش، والجِذرُ يَدورُ على ما زادَ على قَدرِه حتّى قَبُحَ وظَهَرَ قُبحُه، يُقالُ «فَحُشَ الشَّيءُ» إذا خَرَجَ عن المِقدارِ الذي يُحتَمَل، ومنه «الفُحشُ» في القَول، وهو الكَلامُ الذي خَرَجَ عن حَدِّه إلى ما يُستَقبَح. فالاسمُ يُعَرِّفُ الفِعلَ بِمُجاوَزَتِه، وهو في الآيةِ يَلي ذِكرَ الحُدودِ التي تُجاوَز.

والاسمُ مُعَرَّفٌ بِالألِفِ واللّام، فهو فِعلٌ مَعهودٌ يَعرِفُه المُخاطَبونَ إذا سَمِعوا اسمَه، وتَكتَفي الآيةُ بِتَسمِيَتِه بِوَصفِه، أي بِما فيه من مُجاوَزةٍ وقُبح، وتَترُكُ صورتَه لِعِلمِ مَن تُخاطِبُهُم. والفِعلُ الذي قَبلَه «يَأتينَ»، من أ-ت-ي، وهو مَجيءٌ يَبلُغُ غايَتَه، وقد وَقَعَ هُنا على «الفاحِشة» بِغَيرِ حَرفٍ بَينَهُما، فصارَت الفاحِشةُ كالمَوضِعِ الذي يُقصَدُ فيُبلَغ، وصارَ الإتيانُ إقداماً عَلَيها ووُصولاً إلَيها. ثُمَّ تَرُدُّ «مِن نِسائِكُم» هؤلاءِ النِّساءَ إلى جَماعةِ المُخاطَبين: هُنَّ بَعضُ نِسائِهِم، مُضافاتٌ إلَيهِم، فالأمرُ الذي يَلي يَقومُ بِه أهلُهُنَّ في جَماعَتِهِم.

«فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ»: حُضورٌ يُطلَبُ قَبلَ الحُكم

وأوَّلُ ما تَأمُرُ بِه الآيةُ طَلَبُ الشَّهادة: «فاستَشهِدوا»، والفِعلُ على استَفعَلَ الذي يَدُلُّ على الطَّلَب، فالمُخاطَبونَ مُكَلَّفونَ بِأن يَطلُبوا مَن يَشهَد، والعِبءُ في الإثباتِ عَلَيهِم. والشَّهادةُ من ش-ه-د، وأصلُها الحُضورُ الذي يَصحَبُه الإدراك، فالشّاهِدُ مَن حَضَرَ الأمرَ فأدرَكَه بِحِسِّه ثُمَّ أخبَرَ بِما أدرَك، ومنه «شَهِدَ المَجلِسَ» إذا حَضَرَه، و«المَشهَد» مَوضِعُ الحُضور. فالمَطلوبُ في الآيةِ حُضورٌ أدرَكَ ما يَشهَدُ عَلَيه، والفاءُ في «فاستَشهِدوا» تَجعَلُ هذا الطَّلَبَ أوَّلَ ما يُفعَلُ بَعدَ أن سُمِّيَ الفِعل.

ثُمَّ عُيِّنَ العَدَد: «أربَعةً»، فالشَّهادةُ هُنا شَهادةُ جَماعة، واجتِماعُ أربَعةٍ على شُهودِ فِعلٍ واحِدٍ يَقتَضي فِعلاً بَرَزَ إلى حَيثُ تَراه الأعيُن. و«عَلَيهِنَّ» تَجعَلُ الشَّهادةَ واقِعةً عَلَيهِنَّ ثَقيلةً، و«مِنكُم» تَجعَلُ الشُّهودَ من جَماعةِ المُخاطَبينَ أنفُسِهِم. فالعِبارةُ تَبدَأُ من «نِسائِكُم» وتَنتَهي إلى «أربَعةً مِنكُم»، والأمرُ كُلُّه يَجري داخِلَ جَماعةٍ واحِدةٍ تَحمِلُ عِبءَ الإثبات، ثُمَّ يُعَلَّقُ ما بَعدَه على شَرطٍ صَريح: «فإن شَهِدوا».

«فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ»: قَبضٌ في البَيتِ لَه آخِر

فإذا شَهِدَ الأربَعةُ جاءَ الأمرُ الثّاني: «فأمسِكوهُنَّ في البُيوت». والإمساكُ من م-س-ك، وهو القَبضُ على الشَّيءِ وحَبسُه حتّى لا يُفلِت، يُقالُ «أمسَكَ الشَّيءَ» إذا أخَذَه فحَبَسَه عِندَه، و«أمسَكَ عن الأمرِ» إذا كَفَّ عَنه فحَبَسَ نَفسَه. والحَيِّزُ الذي يَقَعُ فيه الإمساكُ «البُيوت»، جَمعٌ مُعَرَّفٌ يُشيرُ إلى البُيوتِ التي يَسكُنُها النّاس، فالبَيتُ نَفسُه جُعِلَ حَيِّزَ القَبض. والفاءُ في «فأمسِكوهُنَّ» تَرُدُّ الإمساكَ إلى الشَّهادةِ وتَجعَلُه لاحِقاً لَها، فالحَبسُ مَبنيٌّ على حُضورٍ ثَبَت.

ثُمَّ حُدَّ الإمساكُ بِغاية: «حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوت». والتَّوَفّي من و-ف-ي، وهو أخذُ الشَّيءِ وافِياً تامّاً، ومنه «وَفّاهُ حَقَّه» إذا أعطاه إيّاه كامِلاً، و«الوَفاء» إتمامُ العَهدِ إلى آخِرِه. وقد جُعِلَ المَوتُ في الآيةِ هو الذي يَتَوَفّى، يَستَوفي أعمارَهُنَّ إلى آخِرِ ما قُدِّرَ لَها، والفِعلُ نَفسُه يَرِدُ في الكِتابِ مُسنَداً إلى الله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. و«حَتّى» تَجعَلُ لِلإمساكِ آخِراً يَنتَهي إلَيه، فهو حالٌ مَحدودةٌ تَنقَضي، وأوَّلُ حَدَّيها أن يَبلُغَ الأجَلُ تَمامَه.

«أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا»: طَريقٌ يُفتَحُ من داخِلِ الحَبس

والحَدُّ الثّاني «أو يَجعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً»، و«أو» تَعرِضُ الغايَتَينِ مُتَقابِلَتَين، فيَنتَهي الإمساكُ بِأيِّهِما سَبَقَت. والسَّبيلُ من س-ب-ل، الطَّريقُ المَمدودُ الذي يُسلَكُ إلى غاية، ومنه «ابنُ السَّبيل» لِلمُسافِرِ الذي انقَطَعَ في طَريقِه. واللّامُ في «لَهُنَّ» تَجعَلُ هذا الطَّريقَ لَهُنّ، مَخرَجاً يُفتَحُ مِمّا هُنَّ فيه، و«سَبيلاً» نَكِرةٌ تَبقى مَفتوحةً على ما يَجعَلُه الله، والفِعلُ «يَجعَلَ» مُستَقبَلٌ يُنتَظَر. فالآيةُ تُغلِقُ على المُمسَكاتِ حَيِّزاً في البَيت، وتُبقي لَهُنَّ في العِبارةِ نَفسِها طَريقاً لم يُسَمَّ بَعدُ، يَجعَلُه اللهُ حينَ يَشاء.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من الحُدودِ التي خُتِمَت بِها آياتُ المَواريثِ إلى فِعلٍ يُسَمّى بِمُجاوَزَتِه: «الفاحِشة»، من ف-ح-ش، ما زادَ على قَدرِه حتّى قَبُحَ وظَهَر، وتُعَرِّفُه فِعلاً يَعرِفُه المُخاطَبون. ثُمَّ تَجعَلُ أوَّلَ ما يُفعَلُ طَلَبَ الشَّهادة، من ش-ه-د، أي حُضوراً يُدرِكُ ما يَشهَدُ عَلَيه، وتَرفَعُ عَدَدَ الشُّهودِ إلى أربَعةٍ من جَماعةِ المُخاطَبينَ أنفُسِهِم، فالإثباتُ عَلَيهِم وداخِلَ جَماعَتِهِم. فإن شَهِدوا كانَ الإمساكُ في البُيوت، من م-س-ك، قَبضاً يَحبِسُ فلا يُفلِت، ولَه حَدّان: مَوتٌ يَستَوفي الأجَلَ تامّاً، من و-ف-ي، أو سَبيلٌ يَجعَلُه اللهُ لَهُنَّ، من س-ب-ل، نَكِرةٌ تَنتَظِرُ ما يُجعَل. فالحَبسُ في الآيةِ مَبنيٌّ على شَهادةٍ ثابِتة، ومَحدودٌ بِآخِرٍ من إحدى جِهَتَين، وفيه طَريقٌ مَفتوحٌ لِلمُمسَكاتِ أنفُسِهِنّ.