النساء · الآية 13

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

«تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ»: الأنصِبةُ حُدودٌ بَينَ الوَرَثة

«تِلكَ» تَجمَعُ ما تَقَدَّمَ في الآيَتَينِ من أنصِبة، النِّصفَ والرُّبُعَ والثُّمُنَ والثُّلُثَينِ والثُّلُثَ والسُّدُس، وتُسَمّيها بِاسمٍ واحِد: «حُدودُ الله». والحَدُّ من ح-د-د، الطَّرَفُ الذي يَفصِلُ بَينَ شَيئَينِ فيَمنَعُ أحَدَهُما أن يَدخُلَ في الآخَر، ومنه «حَدُّ السَّيف» طَرَفُه القاطِع، و«حُدودُ الأرض» ما يَفصِلُ بَينَ قِطعةٍ وجارَتِها. فكُلُّ كَسرٍ سَمَّتهُ الآيَتانِ حَدٌّ يَفصِلُ ما لِوارِثٍ عمّا لِغَيرِه، ويَنتَهي حَظُّ كُلِّ واحِدٍ عِندَ المَوضِعِ الذي يَبدَأُ فيه حَظُّ صاحِبِه.

وقد جاءَتِ الحُدودُ هُنا أعداداً مُسَمّاة، فهي حُدودٌ تُقاسُ وتُعَدّ، يُعرَفُ بِها مَوضِعُ الخُروجِ مِنها كما يُعرَفُ مَوضِعُ الوُقوفِ عِندَها. وأُضيفَت إلى الله، «حُدودُ الله»، كما أُضيفَتِ الأنصِبةُ قَبلَها إلَيه في «فَريضةً مِنَ الله» و«وَصِيّةً مِنَ الله»، فالقاسِمُ في الآياتِ الثَّلاثِ واحِد، والحُدودُ حُدودُه. ويُبنى ما بَعدَ هذه الجُملةِ في الآيَتَينِ على هذا الاسم: مَن يُطيعُ في هذه الآية، ومَن يَتَعَدّى في التي تَليها.

«وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»: طَوعٌ يَمضي داخِلَ الحُدود

و«مَن» تَعُمُّ كُلَّ مَن يَقَعُ مِنه الفِعل، و«يُطِع» من ط-و-ع، والطَّوعُ الانقيادُ والمُضِيُّ مَعَ الأمرِ عن رِضاً، يُقالُ «طاعَ لَه» إذا انقادَ ومَشى في أمرِه، ويُقابِلُه الكُرهُ في قَولِه طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. والطّاعةُ هُنا تَأتي عَقِبَ تَسميةِ الحُدود، فمَوضِعُها الأوَّلُ أن يَبقى المَرءُ داخِلَ ما حُدَّ لَه، يَأخُذُ حَظَّه ويَترُكُ لِغَيرِه حَظَّه. و«ورَسولَه» مَعطوفٌ على اسمِ اللهِ في الطّاعة، والرَّسولُ من ر-س-ل، مَن يُبعَثُ بِكَلامِ غَيرِه، وهذا أوَّلُ ذِكرٍ لَه في السّورة، جاءَ عِندَ خاتِمةِ القِسمة.

«يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا»: دُخولُ الواحِدِ وخُلودُ الجَماعة

والجَزاءُ «يُدخِلْهُ جَنّاتٍ»، والجَنّاتُ جَمعُ جَنّة، من ج-ن-ن، والجِذرُ يَدورُ على السَّترِ والتَّغطية، ومنه «جَنَّ اللَّيلُ» إذا سَتَر، و«الجَنين» المَستورُ في بَطنِ أُمِّه، فالجَنّةُ أرضٌ كَثُفَ شَجَرُها حتّى غَطّى ظِلُّه تُربَتَها، ومن تَحتِها أنهارٌ تَجري. والضَّميرُ في «يُدخِلْهُ» مُفرَد، يَتبَعُ لَفظَ «مَن»، ثُمَّ جاءَ «خالِدينَ» جَمعاً يَتبَعُ مَعناها، فالطّائعُ يَدخُلُ واحِداً ويَخلُدُ في جَماعة. والخُلودُ من خ-ل-د، البَقاءُ والمُلازَمةُ بِلا ارتِحال، ويُقالُ لِلصُّخورِ والجِبالِ «خَوالِد» لِطولِ بَقائها، ومنه في الكِتابِ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ لِمَن لَزِمَها وسَكَنَ إلَيها.

ويَظهَرُ بِهذا ما بَينَ الآيةِ وما قَبلَها: فالآيَتانِ السّابِقَتانِ تَدورانِ على «ما تَرَك»، والمَتروكُ مالٌ يَنفَلِتُ من يَدِ صاحِبِه حينَ يَمضي فيَتَوَزَّعُ على غَيرِه كُسوراً، وهذه الآيةُ تَنتَهي إلى مُقامٍ يُوصَفُ أهلُه بِالخُلود، فما في الدُّنيا يُترَكُ ويُقسَم، والجَنّاتُ يُقامُ فيها ويُلازَم.

«وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»: فَوزٌ خارِجَ الكُسور

و«ذلك» يُشيرُ إلى الدُّخولِ والخُلود، و«الفَوزُ» من ف-و-ز، النَّجاةُ من المَهلَكةِ والظَّفَرُ بِالمَطلوبِ مَعاً، ومنه «المَفازة» لِلفَلاةِ التي يُرجى من قَطعِها النَّجاة. وجاءَ الفَوزُ مُعَرَّفاً مَوصوفاً بِـ«العَظيم»، من ع-ظ-م، الجِذرِ الذي يَدُلُّ على الكِبَرِ والقُوّة. والآيَتانِ السّابِقَتانِ قاسَتا أكثَرَ الحُظوظِ بِكُسور: النِّصفِ والثُّلُثَينِ والثُّلُثِ والرُّبُعِ والسُّدُسِ والثُّمُن، وهذه الآيةُ تَصِفُ ما يَنالُه الطّائعُ بِوَصفٍ يَقَعُ خارِجَ الكُسور: «الفَوزُ العَظيم».


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ الأنصِبةَ التي فُصِّلَت قَبلَها في اسمٍ واحِد، «حُدودُ الله»، والحَدُّ من ح-د-د طَرَفٌ يَفصِلُ بَينَ شَيئَين، فكُلُّ كَسرٍ حَدٌّ بَينَ وارِثٍ ووارِث، وتُضيفُ الحُدودَ إلى الله كما أُضيفَت إلَيه الفَريضةُ والوَصِيّة. ثُمَّ تَبني عَلَيها الطّاعة، والطَّوعُ من ط-و-ع انقيادٌ عن رِضاً، فأوَّلُ الطّاعةِ هُنا البَقاءُ داخِلَ الحَدّ، وتَعطِفُ الرَّسولَ على اسمِ اللهِ في أوَّلِ ذِكرٍ لَه في السّورة. وتَجعَلُ الجَزاءَ جَنّاتٍ سَتَرَ شَجَرُها أرضَها تَجري الأنهارُ من تَحتِها، يَدخُلُها الطّائعُ واحِداً ويَخلُدُ فيها مَعَ جَماعة، والخُلودُ بَقاءٌ بِلا ارتِحال، في مُقابِلِ «ما تَرَكَ» الذي يَنفَلِتُ من يَدِ صاحِبِه ويُقسَم. وتَختِمُ بِفَوزٍ هو نَجاةٌ وظَفَر، تَصِفُه بِالعِظَمِ بَعدَ آيَتَينِ قاسَتا أكثَرَ الحُظوظِ بِكُسور.