النساء · الآية 142

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

«يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ»: فِعلٌ يَتَوَجَّهُ إلى طَرَف، ووَصفٌ يَعودُ من الطَّرَفِ الآخَر

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنَّ» وتُسَمّي المُنافِقينَ بِاسمِهِم، ثُمَّ تُخبِرُ عَنهُم بِفِعل: «يُخادِعونَ الله». والخِداعُ من خ-د-ع، ومادّتُه إخفاءُ الشَّيءِ في جَوفٍ يَنطَبِقُ عَلَيه، ومنه «المِخدَعُ» البَيتُ الصَّغيرُ في داخِلِ البَيتِ يُخبَأُ فيه ما يُصان، و«خَدَعَ الضَّبُّ» إذا دَخَلَ جُحرَه فاستَتَر، فالخادِعُ يُظهِرُ لِغَيرِه وَجهاً ويُخفي في جَوفِه غَيرَه. والفِعلُ على فاعَلَ، وهو البِناءُ الذي تَجعَلُ بِه العَرَبيّةُ الفِعلَ مُتَوَجِّهاً إلى طَرَفٍ آخَرَ يُعامَلُ بِه، كـ«قاتَلَ» و«جادَلَ»، والطَّرَفُ هُنا مُسَمًّى مَفعولاً: «الله».

ثُمَّ تَأتي الواوُ بِجُملةٍ اسمِيّة: «وهو خادِعُهُم»، فتَضَعُ إلى جانِبِ فِعلِهِم وَصفاً ثابِتاً لِلطَّرَفِ الذي تَوَجَّهوا إلَيه، أوَّلُها ضَميرٌ يَعودُ على اسمِ الله، وآخِرُها «خادِعُ» اسمُ فاعِلٍ من الفِعلِ المُجَرَّدِ «خَدَعَ» مُضافٌ إلى ضَميرِهِم. فالآيةُ تَذكُرُ طَرَفَيِ المُفاعَلةِ كِلَيهِما، وتُعطي كُلَّ طَرَفٍ بِناءً غَيرَ بِناءِ صاحِبِه: لَهُم مُضارِعٌ على فاعَلَ، فِعلٌ يَتَجَدَّدُ ويَتَوَجَّهُ إلى الله، ولَه تَعالى اسمُ فاعِلٍ من المُجَرَّدِ في جُملةٍ لا زَمَنَ فيها، وَصفٌ قائمٌ يَقَعُ عَلَيهِم.

وفي الآيةِ التّاسِعةِ من سورةِ البَقَرةِ يَرِدُ الفِعلُ نَفسُه، ثُمَّ يَأتي المُجَرَّدُ بَعدَه مَقصوراً عَلَيهِم: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾. فالخِداعُ الذي يَقَعُ على المَخدوعِ يَعودُ في المَوضِعَينِ عَلَيهِم: هُناكَ بِأيديهِم، وهُنا وَصفاً لِلهِ فيهِم، ويَبقى لَهُم في المَوضِعَينِ بِناءُ المُفاعَلة. ولِذلك تُقرَأُ «يُخادِعونَ» سَعياً يَتَوَجَّهُ إلى الله، والخِداعُ الذي يَقَعُ يَقَعُ عَلَيهِم. ولِهذا نَظيرٌ في الآيةِ السّابِعةِ والسِّتّينَ من سورةِ التَّوبة، وهي آيةٌ تُسَمّي المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ بِاسمِهِم: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، الجِذرُ واحِدٌ في الجِهَتَين، والفِعلُ الذي تَوَجَّهوا بِه يَعودُ إلَيهِم من الطَّرَفِ الذي تَوَجَّهوا إلَيه.

«وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ»: قِيامٌ يُعادُ لَفظُه وتَثقُلُ هَيئَتُه

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى الصَّلاة: «وإذا قاموا إلى الصَّلاةِ قاموا كُسالى». و«إذا» مَعَ الماضي «قاموا» تُعَيِّنُ ما يَكونُ كُلَّما كانَ القِيام، فالآيةُ تَصِفُ هَيئةً تَتَكَرَّرُ كُلَّما قاموا. والقِيامُ من ق-و-م، إمساكُ الشَّيءِ مَجموعاً من باطِنِه حتّى يَنتَصِب، و«إلى» تَجعَلُه نُهوضاً يَتَّجِهُ إلى غاية، والغايةُ «الصَّلاة»، من ص-ل-و، إمساكٌ صُلبٌ يَتَعَلَّقُ بِما يَصِلُه ويُمَدُّ وَصلاً لا يَنقَطِع. ولا يَرِدُ «القِيامُ إلى الصَّلاةِ» في الكِتابِ في غَيرِ هذه الآيةِ إلّا في الآيةِ السّادِسةِ من سورةِ المائدة، خِطاباً لِلذينَ آمَنوا، وجَوابُه هُناكَ أمرٌ بِالغَسل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وجَوابُه هُنا وَصفٌ لِلقائمين.

وجَوابُ الشَّرطِ يُعيدُ فِعلَ الشَّرطِ نَفسَه، «قاموا» ثُمَّ «قاموا»، فالقِيامُ واقِعٌ في الجَوابِ كما وَقَعَ في الشَّرط، والجَديدُ الذي يَحمِلُه الجَوابُ هَيئةُ القائمين: «كُسالى». والكَسَلُ من ك-س-ل، حَرَكةٌ يُمسَكُ جَرَيانُها فتَمتَدُّ مُتَثاقِلة، وهو في كلامِ العَرَبِ التَّثاقُلُ عَمّا يَنبَغي النُّهوضُ إلَيه والفُتورُ فيه، و«كُسالى» جَمعُ كَسلانَ على فُعالى. فالآيةُ تُثبِتُ القِيامَ بِلَفظِه، وتَصِفُه بِما يُثقِلُه من داخِلِه: جِسمٌ يَنتَصِب، وحَرَكةٌ مُمسَكةٌ تَجُرُّ نَفسَها.

ولِلَفظِ «كُسالى» في الكِتابِ مَوضِعانِ لا ثالِثَ لَهُما، وكِلاهُما في المَجيءِ إلى الصَّلاة: هذه الآية، والآيةُ الرّابِعةُ والخَمسونَ من سورةِ التَّوبة: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ﴾. وعلى بِنائِه في هذه السّورةِ «سُكارى» في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعين: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾، فالسّورةُ تَذكُرُ على وَزنٍ واحِدٍ حالَينِ يُؤتى بِهِما إلى الصَّلاة: حالاً نُهِيَ المُخاطَبونَ مَعَها عن القُربِ من الصَّلاةِ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وحالاً ثانِيةً يُوصَفُ بِها قَومٌ يَقومونَ إلَيها.

«يُرَاءُونَ النَّاسَ»: مُفاعَلةٌ ثانِيةٌ وِجهَتُها النّاس

ثُمَّ «يُراءونَ النّاس»، فِعلٌ ثانٍ على فاعَلَ في الآيةِ نَفسِها، من ر-أ-ي، والمُراءاةُ رُؤيةٌ يَطلُبُها صاحِبُها من غَيرِه: يَعرِضُ نَفسَه على الأعيُنِ ويَرقُبُ وُقوعَها عَلَيه. ومَفعولُ الفِعلِ هُنا مُسَمًّى: «النّاس»، وفي الآيةِ السّادِسةِ من سورةِ الماعونِ جاءَ الفِعلُ بِلا مَفعول: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾، والوِجهةُ هُنا مُعَيَّنةٌ بِالاسم. وقد جاءَ مَصدَرُه في هذه السّورةِ في الآيةِ الثّامِنةِ والثَّلاثينَ وِجهةً لِلإنفاق: يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، وهو هُنا وِجهةٌ لِلقِيامِ إلى الصَّلاة.

وبِهذا تَجتَمِعُ في الآيةِ مُفاعَلَتان: «يُخادِعونَ الله» و«يُراءونَ النّاس»، لِكُلٍّ مِنهُما طَرَفٌ مُسَمًّى، فالقَومُ يَتَوَجَّهونَ إلى اللهِ بِما يُخفي، وإلى النّاسِ بِما يُظهِر: الجِذرُ الأوَّلُ جَوفٌ يَنطَبِقُ على ما فيه، والثّاني نَظَرٌ يَنبَثِقُ إلى ما يُرى. والقِيامُ إلى الصَّلاةِ يَقَعُ في الآيةِ بَينَ المُفاعَلَتَين، فالوَصلُ الذي يُقامُ إلَيه يُحاطُ من جِهةٍ بِإخفاءٍ يَتَوَجَّهُ إلى الله، ومن الجِهةِ الأُخرى بِعَرضٍ يَتَوَجَّهُ إلى النّاس.

«إِلَّا قَلِيلًا»: ذِكرٌ يُنفى ثُمَّ يُستَثنى مِنه قَدرٌ يَسير

وتُختَمُ الآيةُ بِالذِّكر: «ولا يَذكُرونَ اللهَ إلّا قَليلاً». والذِّكرُ من ذ-ك-ر، استِحضارُ ما احتُبِسَ في الباطِنِ وإجراؤه على القَلبِ واللِّسان، وقد جاءَ مَنفيّاً ثُمَّ استُثنِيَ مِنه «قَليلاً»، فالنَّفيُ يَعُمّ، والاستِثناءُ يُبقي قَدراً يَسيراً. ويَحتَمِلُ «قَليلاً» أن يَكونَ وَصفاً لِذِكرٍ مَحذوف، أي ذِكراً قَليلاً، وأن يَكونَ وَصفاً لِزَمَن، أي وَقتاً قَليلاً، وفي الوَجهَينِ يَقِلُّ ما يَجري على القَلبِ واللِّسانِ من اسمِ الله.

وفي هذه السّورةِ مَوضِعٌ يَجتَمِعُ فيه القِيامُ والذِّكرُ أمراً لِلمُخاطَبين، في الآيةِ الثّالِثةِ بَعدَ المِئة: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾، ذِكرٌ يَصحَبُ البَدَنَ في هَيئاتِه كُلِّها، وهُنا قِيامٌ يَقِلُّ فيه الذِّكرُ حتّى لا يَبقى مِنه إلّا المُستَثنى. وبِهذا الخِتامِ يَعودُ الكَلامُ إلى الاسمِ الذي وَقَعَ عَلَيه أوَّلُ فِعلٍ فيه: اسمُ اللهِ مَفعولٌ لِلمُخادَعةِ في أوَّلِ جُملةٍ من الآية، ومَفعولٌ لِذِكرٍ قَليلٍ في آخِرِ جُملةٍ مِنها، وبَينَهُما الصَّلاةُ والنّاس.


حَصيلة

تُسَمّي الآيةُ المُنافِقينَ ثُمَّ تَصِفُهُم بِمُفاعَلَتَين: «يُخادِعونَ الله»، من خ-د-ع، إخفاءٌ في جَوفٍ يَنطَبِقُ على ما فيه، ويُقابِلُه وَصفٌ ثابِتٌ لِلطَّرَفِ الآخَر، «وهو خادِعُهُم»، اسمُ فاعِلٍ من المُجَرَّدِ يَقَعُ عَلَيهِم، كما يَعودُ المُجَرَّدُ عَلَيهِم في سورةِ البَقَرة؛ و«يُراءونَ النّاس»، من ر-أ-ي، رُؤيةٌ تُطلَبُ من الأعيُن. وبَينَ المُفاعَلَتَينِ قِيامٌ إلى الصَّلاة، من ق-و-م ومن ص-ل-و، يُعيدُ الجَوابُ فِعلَه ويَصِفُه بِـ«كُسالى»، من ك-س-ل، حَرَكةٍ مُمسَكةٍ تَمتَدُّ مُتَثاقِلة، وهو لَفظٌ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا مَعَ الصَّلاة. ثُمَّ ذِكرٌ، من ذ-ك-ر، يُنفى ويُستَثنى مِنه قَليل، فيَكونُ اسمُ اللهِ مَفعولاً في أوَّلِ جُملةٍ من الآيةِ وفي آخِرِ جُملةٍ مِنها، ويَقَعُ بَينَهُما القِيامُ إلى الصَّلاةِ والنّاسُ الذينَ يُعرَضُ عَلَيهِمُ القائمون.