النساء · الآية 146

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

«إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا»: مَخرَجٌ من حُكمِ الآيةِ السّابِقة

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إلّا»، فهي مَعقودةٌ بِالآيةِ التي قَبلَها ولا يَتِمُّ مَعناها دونَها: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. فالاستِثناءُ يَعودُ إلى المُنافِقينَ الذينَ حُكِمَ عَلَيهِم هُناك، ويُخرِجُ مِنهُم فَريقاً تَصِفُه الآيةُ بِأربَعةِ أفعالٍ ماضِيةٍ مَعطوفٍ بَعضُها على بَعض: «تابوا وأصلَحوا واعتَصَموا بِاللهِ وأخلَصوا دينَهُم لِلّه». فالمُستَثنَونَ من المُنافِقينَ أنفُسِهِم، والأفعالُ الأربَعةُ هي الوَصفُ الذي يَفصِلُهُم عن سائرِهِم.

والعِبارةُ «إلّا الَّذينَ تابوا» في خَمسِ آياتٍ من الكِتاب، وأطوَلُ سِلسِلةِ أفعالٍ تَفتَتِحُها هُنا: أربَعة. وأقرَبُها إلَيها الآيةُ السِّتّونَ بَعدَ المِئةِ من سورةِ البَقَرة: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾، والفِعلُ الثّالِثُ هُناكَ يُقابِلُ ما وُصِفَ بِه المُستَثنى مِنهُم في الآيةِ قَبلَها، إذ كانوا يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾. وعلى هذا النَّسَقِ يَجري الفِعلانِ الزّائدانِ هُنا بَعدَ «تابوا وأصلَحوا»: يُقابِلانِ صِفاتٍ وَصَفَت بِها الآياتُ السّابِقةُ المُنافِقين.

«تَابُوا وَأَصْلَحُوا»: إفلاتُ المَسارِ القَديمِ وشَدُّ ما انفَكّ

وأوَّلُ الأفعالِ «تابوا»، والتَّوبةُ من ت-و-ب، وحُروفُها تَرسُمُ إمساكاً ضَعيفاً يُفلِتُ ما كانَ يَجمَعُه، ثُمَّ رُجوعاً يَمتَدُّ إلى ما تُرِك. فأوَّلُ ما يُذكَرُ لِهؤلاءِ أنَّهُم أفلَتوا المَسارَ الذي كانوا عَلَيه ورَجَعوا عَنه. ثُمَّ «وأصلَحوا»، من ص-ل-ح، وهو أن تُشَدَّ الأجزاءُ التي انفَكَّت حتّى يَخرُجَ الشَّيءُ سَليماً يَنفَع. وقد اقتَرَنَ الفِعلانِ في السّورةِ من قَبلُ، في الآيةِ السّادِسةَ عَشْرة: فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، والإصلاحُ في المَوضِعَينِ بِلا مَفعول، فالآيةُ تُثبِتُ لَهُم فِعلَ الإصلاحِ وتَترُكُ ما يُصلِحونَه مَفتوحاً على كُلِّ ما أفسَدَه المَسارُ الذي أفلَتوه.

«وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ»: قَبضةٌ لا تَلين، ودَينٌ يُرَدُّ إلى صاحِبِه

ثُمَّ يَنتَقِلُ الوَصفُ من الإفلاتِ إلى القَبضة: «واعتَصَموا بِالله». والاعتِصامُ من ع-ص-م، إطباقٌ صُلبٌ لا يَلينُ يُمسِكُ ما في داخِلِه فيَحفَظُه ويَمنَعُه، ومنه «العِصام» لِلحَبلِ الذي تُشَدُّ بِه القِربة. وجاءَ الفِعلُ على «افتَعَل»، فالفاعِلُ يَتَّخِذُ الإمساكَ لِنَفسِه، والباءُ تُلصِقُه بِاسمِ الله. فالحُروفُ تَضَعُ في أوَّلِ الأفعالِ إمساكاً ضَعيفاً يُفلِت، وفي ثالِثِها إمساكاً صُلباً لا يُفلِت: يُترَكُ ما كانَ يُمسَكُ بِوَهَن، ويُمسَكُ بِاللهِ بِصَلابة. وقد وَصَفَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئةِ المُنافِقينَ بِأنَّهُم مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ﴾، والمُذَبذَبُ مُعَلَّقٌ يَتَأرجَحُ لا يَستَقِرُّ على جِهة، فالاعتِصامُ يَضَعُ في مَكانِ التَّأرجُحِ مُمسَكاً ثابِتاً. وخُتِمَتِ الآيةُ قَبلَ هذه بِـ«ولَن تَجِدَ لَهُم نَصيراً»، ويَأتي الاعتِصامُ بِاللهِ في المَوضِعِ الذي نُفِيَ فيه النَّصير. ويَعودُ الفِعلُ في آخِرِ السّورةِ مَقروناً بِالإيمان: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾.

ورابِعُ الأفعالِ «وأخلَصوا دينَهُم لِلّه». والإخلاصُ من خ-ل-ص، نافِذٌ يَختَرِقُ ما يُخالِطُه حتّى يَبلُغَ غايَتَه صافِياً، ومنه «خَلَصَ إلَيه» إذا وَصَلَ، و«الخالِص» ما لا شَوبَ فيه. والدّينُ من د-ي-ن، ما يُحبَسُ على المَرءِ ويَلزَمُه حتّى يُرَدَّ إلى صاحِبِه، كالدَّينِ يَثبُتُ في الذِّمّةِ حتّى يُقضى. وأُضيفَ الدّينُ إلَيهِم: «دينَهُم»، فهو ما يَلزَمُهُم هُم، ثُمَّ عُيِّنَت وِجهَتُه بِاللّام: «لِلّه»، فالمَعنى أنَّهُم صَفَّوا ما يَلزَمُهُم حتّى يَبلُغَ اللهَ وَحدَه، ولا يُخالِطُه قَصدٌ إلى غَيرِه. وكانَ المُنافِقونَ في الآيةِ الثّانيةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إذا قاموا إلى الصَّلاة، فما كانَ يُوَجَّهُ إلى أعيُنِ النّاسِ صارَ يُوَجَّهُ إلى الله. ولَفظُ «أخلَصوا» خاصٌّ بِهذه الآيةِ في الكِتابِ كُلِّه، والكِتابُ يَذكُرُ الإخلاصَ في مَواضِعَ أُخرى بِاسمِ الفاعِل، والدّينُ في أكثَرِها مُعَرَّف، كما في وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ومُضافٌ إلى المُتَكَلِّمِ في قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾، أمّا هُنا فالإخلاصُ فِعلٌ ماضٍ وَقَعَ مِنهُم، والدّينُ مُضافٌ إلَيهِم.

«فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ»: صُحبةٌ في مَوضِعِ «مِن دونِ المُؤمِنين»

ثُمَّ تَأتي الفاءُ بِما يَتَرَتَّبُ على الأفعالِ الأربَعة: «فأولئكَ مَعَ المُؤمِنين». و«مَعَ» تَجمَعُ اثنَينِ في مَوضِعٍ واحِدٍ ويَبقى كُلٌّ مِنهُما على اسمِه، فالآيةُ تَضَعُ هؤلاءِ في صُحبةِ المُؤمِنينَ وتُبقي لِكُلِّ فَريقٍ لَفظَه: «أولئك» و«المُؤمِنين». وفي السّورةِ مَوضِعٌ آخَرُ على هذا البِناء، في الآيةِ التّاسِعةِ والسِّتّين: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾، وتُختَمُ تِلكَ الآيةُ بِما يُبَيِّنُ هذه المَعِيّة: وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾، فهي رُفقة. ولا تَجيءُ «فأولئكَ مَعَ» في الكِتابِ إلّا في هاتَينِ الآيَتَين، وكِلتاهُما في هذه السّورة.

والمُؤمِنونَ في هذا المَقطَعِ من السّورةِ طَرَفٌ يُقاسُ إلَيه المُنافِقون: في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ وُصِفوا بِأنَّهُم يَتَّخِذونَ الكافِرينَ أولياءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وعادَتِ العِبارةُ في النَّهيِ في الآيةِ الرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة، وفي الآيةِ الحادِيةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ يَقولُ المُتَرَبِّصونَ لِلمُخاطَبينَ إذا كانَ لَهُم فَتحٌ من الله: أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾. فالمَعِيّةُ هُناكَ دَعوى تُقالُ ساعةَ الفَتح، والمَوضِعُ «مِن دونِ المُؤمِنين»، وهي هُنا حُكمٌ يَأتي بَعدَ أربَعةِ أفعال، والمَوضِعُ «مَعَ المُؤمِنين».

«وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا»: وَعدٌ مَعقودٌ بِالاسمِ الظّاهِر

ثُمَّ يُذكَرُ الوَعد: «وسَوفَ يُؤتِ اللهُ المُؤمِنينَ أجراً عَظيماً»، وقد أُعيدَ فيه الاسمُ الظّاهِرُ «المُؤمِنين» في مَوضِعِ الضَّمير، فالعَطاءُ مَعقودٌ بِاسمِ الصُّحبةِ التي دَخَلوها لِلتَّوّ، والتّائبونَ في صُحبةِ مَن سُمِّيَ لَهُمُ الأجر. و«سَوفَ» تَضَعُ العَطاءَ في ما يَأتي، و«يُؤتِ» من أ-ت-ي، مَجيءٌ يَمضي حتّى يَلقى غايَتَه، وهو على «أفعَلَ» مَجيءٌ بِالشَّيءِ إلى غَيرِه حتّى يَصيرَ عِندَه. والأجرُ من أ-ج-ر، وحُروفُه تَرسُمُ مُستَحَقّاً يَتَكَتَّلُ مَحبوساً على ما عُمِلَ حتّى يُساقَ إلى صاحِبِه، ووُصِفَ بِـ«عَظيماً»، وقد وُصِفَ الأجرُ بِهذا الوَصفِ في السّورةِ سَبعَ مَرّات. ولا يَأتي «سَوفَ» مَعَ فِعلِ الإيتاءِ في الكِتابِ إلّا في أربَعِ آياتٍ كُلُّها في هذه السّورة: الرّابِعةِ والسَّبعين، والرّابِعةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئة، وهذه، والثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة.


حَصيلة

تَستَثني الآيةُ من المُنافِقينَ الذينَ حُكِمَ عَلَيهِم في الآيةِ قَبلَها فَريقاً تَصِفُه بِأربَعةِ أفعال: تابوا، من ت-و-ب، فأفلَتوا المَسارَ الذي كانوا عَلَيه ورَجَعوا عَنه، وأصلَحوا، من ص-ل-ح، فشَدّوا ما انفَكَّ حتّى يَسلَم، واعتَصَموا بِالله، من ع-ص-م، فأمسَكوا بِه إمساكاً صُلباً في مَوضِعِ التَّذَبذُب، وأخلَصوا دينَهُم لِلّه، من خ-ل-ص ود-ي-ن، فصَفَّوا ما يَلزَمُهُم حتّى لا يَبلُغَ غَيرَ الله، بَعدَ أن كانوا يُراءونَ النّاس. فالأفعالُ تَبدَأُ بِإمساكٍ يُفلِت، ويَأتي ثالِثُها إمساكاً لا يُفلِت. ثُمَّ تَضَعُهُم «مَعَ المُؤمِنين»، صُحبةً في مَوضِعِ «مِن دونِ المُؤمِنين» الذي وُصِفَ بِه المُنافِقون، وتَعِدُ المُؤمِنينَ بِاسمِهِمُ الظّاهِرِ أجراً عَظيماً، فيَكونُ التّائبونَ في صُحبةِ مَن سُمِّيَ لَهُمُ الوَعد.