النساء · الآية 149

﴿إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا

«إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ»: خَيرٌ يُدفَعُ إلى العَيانِ أو يُبعَدُ عَنه

تَنتَقِلُ الآيةُ من السّوءِ الذي يُجهَرُ بِه في الآيةِ قَبلَها إلى الخَير، فتَفتَحُ بِشَرطٍ ذي ثَلاثةِ أفعالٍ تَعطِفُها «أو»: «إن تُبدوا خَيراً أو تُخفوه أو تَعفوا عن سوء»، ثُمَّ تُجيبُها بِجَوابٍ واحِد. والإبداءُ من ب-د-و، ما كانَ مُستَتِراً يَندَفِعُ خارِجاً حتّى يَنكَشِفَ لِلعَين، و«تُبدوا» على «أفعَل»، إظهارُ الشَّيءِ لِغَيرِ صاحِبِه. والإخفاءُ من خ-ف-ي، ما يَرِقُّ ويَتَباعَدُ عن العَينِ حتّى يَستَتِر، و«تُخفوه» على البِناءِ نَفسِه، فالفِعلانِ مُتَقابِلانِ في الحُروفِ ومُتَّفِقانِ في الوَزن: أحَدُهُما يَدفَعُ الخَيرَ إلى العَيان، والآخَرُ يُبعِدُه عَنه.

والخَيرُ من خ-ي-ر، نافِذٌ يَسري لَيِّناً في الشَّيءِ ويَجري أثَرُه فيه، وجاءَ نَكِرةً: «خَيراً»، فيَتَّسِعُ لِكُلِّ خَيرٍ يُبدى أو يُخفى، فِعلاً كانَ أو قَولاً، والآيةُ قَبلَها كانَت في القَول. والضَّميرُ في «تُخفوه» يَعودُ إلى الخَيرِ نَفسِه، فالخَيرُ واحِدٌ في الحالَين، والذي يَختَلِفُ ظُهورُه وخَفاؤه. ولِلكِتابِ على هذا النَّسَقِ آيةٌ في سورةِ الأحزاب: إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، والشَّرطُ هُناكَ فِعلانِ وجَوابُه العِلم، وهو هُنا ثَلاثةُ أفعالٍ وجَوابُه العَفوُ والقُدرة، فالجَوابُ هُنا من جِذرِ الفِعلِ الثّالِث.

«أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ»: سوءٌ يُمحى أثَرُه

والفِعلُ الثّالِثُ «أو تَعفوا عن سوء»، والعَفوُ من ع-ف-و، أثَرٌ يُفَرَّقُ ويُبعَدُ حتّى يَنفَرِجَ عَنه مَوضِعُه، ومنه «عَفَتِ الرّيحُ الأثَرَ» إذا مَحَتْه، و«عن» تَجعَلُ العَفوَ مُجاوَزةً تَمُرُّ بِالسّوءِ ولا تَقِفُ عِندَه. و«سوءٍ» نَكِرةٌ تَقَعُ على كُلِّ سوء، وفي الآيةِ قَبلَها «بِالسّوءِ» مُعَرَّفاً، والجِذرُ س-و-أ يَصِلُ الآيَتَين: هُناكَ سوءٌ أُذِنَ لِلمَظلومِ في الجَهرِ بِه، وهُنا سوءٌ يُعفى عَنه. والعَفوُ عن سوءٍ يَكونُ مِمَّن أصابَه ذلك السّوء، فالآيةُ تَعرِضُ على مَن أصابَه السّوءُ طَريقاً غَيرَ الجَهرِ بِه: أن يَمحُوَ أثَرَه.

«فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا»: جَوابٌ واحِدٌ لِثَلاثِ طُرُق

ثُمَّ يَأتي الجَوابُ الواحِدُ مَقروناً بِالفاء: «فإنَّ اللهَ كانَ عَفُوّاً قَديراً». وهو في لَفظِه خَبَرٌ عن الله، يُذكَرُ فيه ما هو اللهُ عَلَيه، ويُفهَمُ مِنه ما يَكونُ لِأصحابِ الأفعالِ الثَّلاثة. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ الجَوابُ مَحذوفاً قامَ هذا الخَبَرُ مَقامَه وعَلَّلَه: إن تَفعَلوا ذلك يَعفُ اللهُ عَنكُم، فإنَّه كانَ عَفُوّاً قَديراً. وعلى الوَجهَينِ تَذكُرُ الآيةُ صِفةَ اللهِ وتَترُكُ ما يَصنَعُه بِأصحابِ الأفعالِ الثَّلاثةِ مَفهوماً من الصِّفة، والأفعالُ الثَّلاثةُ المَعطوفةُ بِـ«أو» يَلقاها جَوابٌ واحِدٌ على السَّواء.

و«عَفُوّاً» على «فَعول»، كَثرةُ المَحوِ وثَباتُه صِفةً، وهو من جِذرِ الفِعلِ الذي خُتِمَ بِه الشَّرط: «تَعفوا» ثُمَّ «عَفُوّاً»، فما يَفعَلُه العَبدُ مَرّةً يُذكَرُ لِلهِ صِفةً دائمة. وهذا نَسَقٌ جَرى في الآيةِ السّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة: «شَكَرتُم» ثُمَّ «شاكِراً»، وفي السّادِسةَ عَشْرة: «تابا» ثُمَّ «تَوّاباً». وقُرِنَ «عَفُوّاً» هُنا بِـ«قَديراً»، والقُدرةُ من ق-د-ر، حَدٌّ مَعقودٌ ثابِتٌ يَجري بِه الأمرُ إلى مَبلَغِه، فالعَفوُ المَذكورُ عَفوُ مَن يَقدِرُ على المُؤاخَذة: يَمحو الأثَرَ وهو قادِرٌ على أن يُبقِيَه.

ووُصِفَ اللهُ بِـ«عَفُوّ» في الكِتابِ في خَمسِ آيات، قُرِنَ في أربَعٍ مِنها بِـ«غَفور»: في هذه السّورةِ مَرَّتَين، في الآيةِ الثّالِثةِ والأربَعين إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وفي التّاسِعةِ والتِّسعين وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وفي سورَتَي الحَجِّ والمُجادَلة، ولم يُقرَنْ بِـ«قَدير» إلّا في هذه الآية. وهي الآيةُ التي كانَ العَفوُ فيها فِعلاً يُعرَضُ على مَن أصابَه السّوءُ بَعدَ أن أُذِنَ لَه في الجَهر، فجاءَ القَرينُ قُدرة: العَفوُ الذي يُذكَرُ لِلهِ هُنا عَفوُ القادِر، والعَفوُ الذي يُعرَضُ على المُخاطَبينَ عَفوُ مَن كانَ لَه أن يَجهَرَ ويُؤاخِذ.


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ في شَرطٍ واحِدٍ ثَلاثَ طُرُق: خَيرٌ، من خ-ي-ر، يُبدى، من ب-د-و، فيَندَفِعُ إلى العَيان، أو يُخفى، من خ-ف-ي، فيَبتَعِدُ عَنه، وسوءٌ يُعفى عَنه، من ع-ف-و، فيُمحى أثَرُه، وهو من جِنسِ السّوءِ الذي أُذِنَ في الآيةِ قَبلَها لِمَن ظُلِمَ أن يَجهَرَ بِه. ثُمَّ تُجيبُ الثَّلاثَ بِجَوابٍ واحِدٍ يَذكُرُ صِفةَ اللهِ ويَترُكُ ما يَصنَعُه مَفهوماً مِنها: عَفُوّاً من جِذرِ الفِعلِ الثّالِث، وقَديراً من ق-د-ر، فالعَفوُ عَفوُ مَن يَقدِرُ على أن يُبقِيَ الأثَر. واقتِرانُ العَفُوِّ بِالقَديرِ خاصٌّ في الكِتابِ بِهذه الآيةِ التي عُرِضَ فيها العَفوُ على مَن كانَ لَه أن يَجهَر.