النساء · الآية 160

﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا

«فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا»: سَبَبٌ يَتَقَدَّمُ ما تَرَتَّبَ عَلَيه

تَبدَأُ الآيةُ بِالفاء، فتَصِلُ ما فيها بِالأفعالِ التي عَدَّدَتها الآياتُ قَبلَها، وقد جاءَت تِلكَ الأفعالُ مَجرورةً بِباءِ السَّبَبِ مُتَتابِعة: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾، ثُمَّ «وكُفرِهِم» و«وقَتلِهِمُ» و«وقَولِهِم» في الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، ثُمَّ «وبِكُفرِهِم وقَولِهِم» في التي تَليها، ثُمَّ «وقَولِهِم» في السّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، وبَقِيَ الفِعلُ الذي تَتَعَلَّقُ بِه مُنتَظَراً. ويَحتَمِلُ نَظمُ الكَلامِ وَجهَين: أن يَكونَ «حَرَّمنا» في هذه الآيةِ هو الفِعلَ الذي تَتَعَلَّقُ بِه تِلكَ الأسبابُ جَميعاً، فيَكونَ «فَبِظُلمٍ» جامِعاً لَها تَحتَ اسمٍ واحِدٍ بَعدَ أن طالَ الفَصلُ بَينَها وبَينَ فِعلِها؛ وأن تَكونَ تِلكَ الأسبابُ مُتَعَلِّقةً بِفِعلٍ مَطوِيٍّ يَدُلُّ عَلَيه السِّياق، فيَكونَ «فَبِظُلمٍ» سَبَباً جَديداً ذُكِرَ مَعَه ما تَرَتَّبَ عَلَيه. وعلى الوَجهَينِ يَتَقَدَّمُ السَّبَبُ على الفِعل، فيَسمَعُ السّامِعُ الظُّلمَ قَبلَ أن يَسمَعَ التَّحريم.

و«ظُلمٍ» نَكِرةٌ مُنَوَّنة، والظُّلمُ من ظ-ل-م غِشاوةٌ تُطبِقُ على الشَّيءِ فتَضَعُه في غَيرِ مَوضِعِه، ويَحتَمِلُ تَنكيرُه أن يَكونَ لِلتَّعظيم، أي ظُلمٍ كَبيرٍ لا يُستَصغَر، وأن يَكونَ لِلنَّوع، أي ضَربٍ من الظُّلمِ عُرِفَ بِما عُدَّ قَبلَه. وقد جاءَ الجِذرُ في أوَّلِ المَقطَعِ مُضافاً إلى أصحابِه: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، وهو هُنا مُنَكَّرٌ مَوصوفٌ بِالجِهةِ التي صَدَرَ عَنها: «مِنَ الَّذينَ هادوا». و«هادوا» فِعلٌ من ه-و-د، والجِذرُ رُجوعٌ في هُدوءٍ إلى مَوضِعٍ يُسكَنُ إلَيه، ومنه في الكِتاب إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، أي رَجَعنا. وقد سَمَّتهُم السّورةُ بِهذا الفِعلِ في الآيةِ السّادِسةِ والأربَعين، وتُسَمّيهِم بِه هُنا، فهُم في الآيتَينِ جَماعةٌ تُعرَفُ بِرُجوعٍ كانَ مِنها، ثُمَّ يَعودُ إلَيهِمُ الضَّميرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في بَقيّةِ الآية: «عَلَيهِم» و«لَهُم» و«صَدِّهِم».

«حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ»: ما أُطلِقَ لَهُم يُحبَسُ عَلَيهِم

ثُمَّ يَأتي الفِعلُ بَعدَ سَبَبِه: «حَرَّمنا»، على فَعَّلَ من ح-ر-م، والجِذرُ حَوزٌ ضَيِّقٌ يُمسَكُ في الباطِنِ فلا تَمتَدُّ إلَيه يَد، فالتَّحريمُ إدخالُ الشَّيءِ في هذا الحَوزِ حتّى يَمتَنِعَ على مَن كانَ يَتَناوَلُه. وأُسنِدَ الفِعلُ إلى المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ الجَمع، ووُصِلَ بِـ«عَلَيهِم»، فوَقَعَ المَنعُ فَوقَهُم وَقعَ الثِّقلِ على حامِلِه. والمُحَرَّمُ «طَيِّباتٍ»، جَمعُ طَيِّبة، والطَّيِّبُ من ط-ي-ب ما يَلينُ ويَنبَسِطُ فيَصِلُ أثَرُه الحَسَنُ إلى مَن يَتَناوَلُه. وجاءَ جَمعاً مُنَكَّراً، فالتَّحريمُ وَقَعَ على طَيِّباتٍ من الطَّيِّبات، وبَقِيَت أعيانُها في الآيةِ مُجمَلة.

ثُمَّ وُصِفَتِ الطَّيِّباتُ بِما كانَت عَلَيه قَبلَ التَّحريم: «أُحِلَّت لَهُم». والحِلُّ من ح-ل-ل خُلوصٌ من قَيدٍ يَتلوه نُزولٌ مُستَقِرّ، فالحَلالُ ما خَلَصَ من المَنعِ ونَزَلَ في مُتَناوَلِ صاحِبِه. وسُمِّيَ فاعِلُ التَّحريمِ في «حَرَّمنا»، وطُوِيَ فاعِلُ الحِلِّ في «أُحِلَّت»، فالحِلُّ حالٌ كانوا عَلَيها، والتَّحريمُ فِعلٌ مَقصودٌ تَرَتَّبَ على ظُلمِهِم. واللامُ في «لَهُم» تَجعَلُ الحِلَّ عَطاءً مَنسوباً إلَيهِم، و«على» في «عَلَيهِم» تَجعَلُ التَّحريمَ عِبئاً نازِلاً فَوقَهُم، فانتَقَلَتِ الطَّيِّباتُ نَفسُها من جِهةِ «لَهُم» إلى جِهةِ «عَلَيهِم». وقد جاءَ الجِذرانِ بِهذَينِ الحَرفَينِ في مَوضِعٍ سابِقٍ من السّورة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرين، ووَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ في التي تَليها، فالتَّحريمُ يَنزِلُ «على» والحِلُّ يُعطى «لِـ»، وفي هذه الآيةِ يَقَعُ التَّحريمُ على ما كانَ قد أُعطِيَ حَلالاً.

«وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا»: سَبَبٌ ثانٍ يَقِفُ بَعدَ الفِعل

ثُمَّ يُعطَفُ سَبَبٌ ثانٍ وتُعادُ مَعَه الباء: «وبِصَدِّهِم»، فيَقِفُ التَّحريمُ في الآيةِ بَينَ سَبَبَين، أحَدُهُما قَبلَه والآخَرُ بَعدَه. والصَّدُّ من ص-د-د، رَدٌّ صُلبٌ يَصرِفُ المُتَوَجِّهَ عن وِجهَتِه ويَثبُتُ دونَه، ويُقالُ «صَدَّ عَنه» إذا أعرَضَ هو، و«صَدَّه عَنه» إذا صَرَفَ غَيرَه، والمَصدَرُ «صَدِّهِم» مُضافٌ إلى فاعِلِه وَحدَه، فيَتَّسِعُ لِلمَعنَيَين: أن يُعرِضوا هُم، وأن يَصرِفوا غَيرَهُم. وما يُصَدُّ عَنه «سَبيلُ الله»، والسَّبيلُ من س-ب-ل مَجرىً مَمدودٌ مَفتوحٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، وإضافَتُه إلى اللهِ تَجعَلُه الطَّريقَ الذي يَنتَهي إلَيه.

و«كَثيراً» مَنصوبٌ في آخِرِ الآية، ويَحتَمِلُ ثَلاثةَ أوجُه: أن يَكونَ وَصفاً لِمَصدَرٍ مَطويٍّ، أي صَدّاً كَثيراً، فالكَثرةُ في الفِعلِ نَفسِه؛ وأن يَكونَ مَفعولاً لِلمَصدَر، أي صَدِّهِم كَثيراً من النّاس، فالكَثرةُ في المَصروفين؛ وأن يَكونَ ظَرفاً، أي زَمَناً كَثيراً، فالكَثرةُ في المُدّة. والوَجهُ الثّاني يَقتَضي المَعنى المُتَعَدّي، والأوَّلُ والثّالِثُ يَحتَمِلانِ المَعنَيَين. وتَعودُ السّورةُ إلى هذا الفِعلِ مَقروناً بِالكُفرِ في الآيةِ السّابِعةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

«فَبِظُلْمٍ»: أسبابٌ تَمتَدُّ إلى الآيةِ التّالِية

ويَمتَدُّ عَدُّ الأسبابِ إلى الآيةِ التّالِية، إذ تَبدَأُ بِمَجروراتٍ مَعطوفةٍ على «بِصَدِّهِم»: «وأخذِهِمُ الرِّبا» و«وأكلِهِم أموالَ النّاسِ بِالباطِل»، فيَصيرُ التَّحريمُ مَحفوفاً بِسَبَبٍ قَبلَه وثَلاثةٍ بَعدَه. ويَحتَمِلُ هذا النَّظمُ مُقابَلة: في كِفّةٍ ما أخَذوه وأكَلوه بِغَيرِ حَقّ، من زِيادةٍ نُهوا عَنها ومالٍ لِلنّاسِ أُكِلَ بِالباطِل، وفي الكِفّةِ الأُخرى طَيِّباتٌ كانَت قد أُحِلَّت لَهُم فحُبِسَت عَنهُم، فيَكونُ التَّحريمُ قد وَقَعَ في بابِ التَّناوُلِ الذي تَعَدَّوا فيه.


حَصيلة

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِالأفعالِ التي عُدَّت قَبلَها مَجرورةً بِباءِ السَّبَب، ويَحتَمِلُ النَّظمُ أن يَكونَ «حَرَّمنا» هو الفِعلَ الذي تَتَعَلَّقُ بِه تِلكَ الأسبابُ جَميعاً، وأن يَكونَ «فَبِظُلمٍ» سَبَباً جَديداً. والظُّلمُ من ظ-ل-م وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، جاءَ مُنَكَّراً صادِراً عن «الَّذينَ هادوا»، وهُم جَماعةٌ تُسَمّى بِرُجوعٍ من ه-و-د. وتَرَتَّبَ عَلَيه أن حُبِسَت عَنهُم طَيِّباتٌ كانَت قد خَلَصَت لَهُم من القَيد، فانتَقَلَت من جِهةِ «لَهُم» إلى جِهةِ «عَلَيهِم». ثُمَّ عُطِفَ سَبَبٌ ثانٍ، صَدُّهُم عن سَبيلِ الله، يَتَّسِعُ مَصدَرُه لِإعراضِهِم ولِصَرفِهِم غَيرَهُم، ويَحتَمِلُ «كَثيراً» بَعدَه كَثرةَ الفِعلِ أو كَثرةَ المَصروفينَ أو طولَ المُدّة. وتَمتَدُّ الأسبابُ إلى الآيةِ التّالِيةِ حتّى يَقِفَ التَّحريمُ بَينَها، فيُقابِلَ ما تَناوَلوه بِغَيرِ حَقٍّ طَيِّباتٌ مُنِعوها وقد كانَت لَهُم.